خلافة داعش مرحلة جديدة في الفكر الجهادي العالمي

في شهر يونيو يمر عام على إعلان تنظيم داعش خلافته ومبايعة تابعيه لخليفتهم البغدادي ما يجعل الأسئلة تتكثف حول مستقبل التنظيم وقدراته على التمدد، حيث يعتبر بعض المتابعين أن الصورة التي يظهر بها التنظيم تؤشر على تحول في الفكر الجهادي العالمي من حيث تبدّل واجهات الصراع بين الحركات الجهادية الكبرى المتمثلة في قاعدة بن لادن وسليلتها خلافة البغدادي، إضافة إلى الصراع الطائفي المشتد بين السنة والشيعة.
الاثنين 2015/06/22
داعش الخارج من رحم القاعدة يرسم مستقبلا دمويا طائفيا مذهبيا للمنطقة

في التاسع والعشرين من شهر يونيو من العام الماضي أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، إنشاء “الخلافة الإسلامية” في الموصل، أسابيع قليلة بعد سقوط هذه المدينة في قبضة مقاتليه، وشرع في إطلاق حملة دعائية وسط الجهاديين في مختلف الجهات للحصول على البيعة لزعيم هذه الخلافة المزعومة أبي بكر البغدادي، في أفق تعميم النموذج خارج المحيط الذي يسيطر عليه في أجزاء من سوريا والعراق. وبعد سنة على بداية تلك التطورات الدراماتيكية في العالم العربي، يمكن نعت الفترة التي انقضت حتى اليوم بأنها عام الحزن في المنطقة، وفي تاريخ الإسلام الحديث.

جاءت تلك القفزة العسكرية والميدانية التي حققها التنظيم بمثابة حصيلة لتداخل عوامل عدة سرّعت انتصاره، ولم يكن الشرط الذاتي فيها سوى العنصر الذي تمكن من استثمار تلك العوامل لفائدته، خلافا لبعض التحليلات التي نحت إلى تضخيم هذا الشرط وجعله في مقدمة العوامل المؤدية إلى ذلك الانتصار العسكري والميداني.

العامل الأول يرتبط بوضعية العالم العربي التي دخلت حالة من اهتزاز غير مسبوقة، بفعل الديناميكية التي أحدثها ما سمّي وقتها بالربيع العربي، والتي أثّرت على سياسات الدول العربية متفرقة ومجتمعة معا، ذلك أن أحداث الربيع أضعفت الدولة العربية التي وقفت مرتبكة أمام انسيابية الأحداث، وأثّرت على مستويات التعاون بين البلدان العربية، إلى حد بات معه التساؤل حول مدى استمرارية التجمعات العربية والإقليمية واردا ومشروعا، بفعل قوة الأحداث التي أعطت الانطباع بأن العالم العربي يترك وراءه حقبة بكاملها ويدخل أخرى مفتوحة على جميع الاحتمالات، بما فيها احتمال إعادة ترتيب الحدود جذريا.

داعش لم يستول على أجزاء من العراق وسوريا فحسب، بل استولى على أجزاء من التراث الفقهي، محولا إياها إلى عنصر استثمار سياسي

العامل الثاني يرتبط بالحالة السياسية في العراق، ومضاعفاتها على النسيج الطائفي والبنية القبلية، بفعل السياسات التي قادها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وأعوانه.

لقد سعى المالكي إلى نهج سياسة انتقامية من العهد الذي حكم فيه صدام حسين، الذي لعب على الحساسيات الطائفية والقبلية لتصليب عود سلطته، متوسلا بالقفازات التي يستعملها أيّ نظام استبدادي، حيث اعتمد سياسة إقصائية ذات مسارين، مسار أفقي بتهميش الشيعة بدعوى الخطر الإيراني، ومسار عمودي بتهميش بعض المناطق بدعوى الخطر القبلي.

بيد أن المالكي سعى إلى قلب الاتجاه وتنفيذ سياسة مغايرة ومغامرة، تهدف إلى إقصاء السنة، في محاولة لتحويل العراق إلى بحيرة صغيرة في الأوقيانوس الإيراني الأمر الذي فجّر حالة من الغليان الطائفي في المجتمع العراقي، زادت من تأجيجها الاستهدافات المتكررة لأهل السنة، والتي تتناسب مع تلك التي يواجهها أهل السنة داخل إيران، مما أعطى الانطباع بأن المالكي يعمل على تنزيل سياسة إيرانية ممنهجة داخل العراق، هدفها إعادة رسم معالم المناطق على أساس التوازنات المذهبية.

العامل الثالث يرتبط بالإخفاقات التي منيت بها المشروعات الجهادية المتطرفة في العالم العربي، والتي كانت قد تلقت ضربات موجعة في مرحلة ما قبل أحداث الربيع العربي، حتى أن هذا النموذج بدأ يعيش اختلالات على المستوى التنظيمي، بالنظر إلى تناسل الجماعات المسلحة التي ركّزت على الأقطار التي تتحرك فيها، مع ما أدى إليه ذلك من صراع على الزعامة التنظيمية بين مختلف الجماعات؛ وقد زاد في خفوت هذا النموذج مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عشية اندلاع الربيع العربي، وهو حدث بدا أنه يهدد النموذج الجهادي العالمي بفقدان المركزية الفكرية والتنظيمية، ويدخله إلى مرحلة المغامرات الانفرادية؛ وقد كان إعلان نشأة داعش والصراع الذي حصل بينه وبين جماعة النصرة التابعة للقاعدة تعبيرا عن هذه المرحلة الجديدة في الفكر الجهادي، لأن ذلك أظهر أن تنظيم القاعدة لم يعد يشكل أيّ سلطة مركزية في هذا المشروع الجهادي بعد مقتل زعيمه، كما أظهر تقدمُ داعش اتساع دائرة المغامرة الجهادية وسط التنظيمات التي كانت مرتبطة، إلى هذا الحد أو ذاك، بالقاعدة.

المالكي سعى إلى نهج سياسة انتقامية من العهد الذي حكم فيه صدام حسين، الذي لعب على الحساسيات الطائفية والقبلية لتصليب عود سلطته

يتمثل العامل الرابع في الوضع السوري، ذلك أن دخول إيران طرفا على الخط في الملف السوري، ثم دخول حزب الله اللبناني الشيعي، قدما الدليل على أن المخططات الإيرانية موجودة بالفعل في التمزيق الطائفي داخل العراق مع نوري المالكي، وفي استمرار الصراع في سوريا؛ إذ ليس من تفسير للحرص الإيراني على النظام السوري سوى أن طهران تعتبر سوريا عمقها الاستراتيجي في العالم العربي الذي لا يمكن التنازل عنه، خصوصا بعدما لاحت مؤشرات على أن هناك صحوة سنية في العراق تهدد بإنهاء النفوذ الإيراني.

مهدت مختلف هذه العوامل لنجاح تنظيم داعش في الاستيلاء السريع على الموصل، وإعلان “الخلافة” من هناك، والشروع في تسويق نموذج غريب للإسلام، يضعه وجها لوجه مع المسلمين أنفسهم، قبل أن يضعه في مواجهة العالم. فتنظيم داعش لم يستول على أجزاء من العراق وسوريا من الناحية الجغرافية فحسب، بل أبعد من ذلك فقد استولى على أجزاء من التراث الفقهي الإسلامي، محولا إياها إلى عنصر استثمار سياسي وإعلامي على نطاق عالمي أوسع، الأمر الذي أعطى للعالم صورة لا أسوأ منها عن الإسلام، لم يفلح حتى أكثر المستشرقين عداءا للإسلام والمسلمين في نقلها وهم يحاولون إعادة قراءة تاريخ الإسلام بطريقة مشوهة وتأويلية، بهدف خلق صورة نمطية معيّنة عن الإسلام.

لقد اجتهد عدد من المستشرقين الحاقدين في التقاط بعض الحوادث المتفرقة هنا وهناك في كتب التاريخ الإسلامي، لتجميع عناصر صورة منسجمة تُدين الإسلام كدين للقتل وقطع الرؤوس وجز الأيدي، وهي حالات ناشزة وغير ذات بال ارتبطت بجماعات متشددة، جعلت منها القراءة التركيبية طبيعة ثابتة للإسلام. غير أن تلك الاجتهادات لقيت انتقادات حتى من لدن المستشرقين أنفسهم، ممّن جعلوا من المنهج العلمي مدخلا لقراءة التاريخ الإسلامي. إلا أن النموذج الذي يسوّقه تنظيم داعش اليوم يقدم لأولئك المستشرقين البرهان العملي الذي طالما كرسوا أنفسهم لتأكيده.

13