"خلافة داعش" معول لتقسيم المنطقة إلى كنتونات طائفية

الأربعاء 2014/07/09
استغل مقاتلو "داعش" حراك العراقيين في بعض المدن ليستولوا عليها ولدفع الأقليات إلى الهجرة والمطالبة بالاستقلال

القاهرة - تتكشف شيئا فشيئا خيوط اللعبة الكبرى في المنطقة العربية، وهاهي الآن تدخل طور “التعبير الأقصى” عن واقع الانهيار. فبعد الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، وتأسيس عملية سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية المنتصرة (انتقاما) لصالح طائفة على حساب أخرى، يصل الأمر أخيرا إلى إعلان “الخلافة”، لتنتقل المنطقة العربية فعلا إلى الطور المتقدم من مشروع الشرق الأوسط الكبير وهو التقسيم والتفتيت على قاعدة الانتماء إلى الطائفة، أي العودة بالعرب إلى حقبة ما قبل المدنية. وتبقى الأداة الفعالة لهذه “الكارثة المنتظرة” هي الإسلام السياسي.

لم تكن تصريحات رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني حول إمكانية تنظيم استفتاء شعبي حول استقلال الإقليم الكردي عن العراق في غضون أشهر، وأنه آن الأوان لتقرير مصير الأكراد، أو بعبارة أخرى إعلان استقلال الدولة الكردية عن العراق، إلا ترجمة حية للتحركات الحثيثة التي يقوم بها ما يعرف بتنظيم “داعش” الإرهابي الذي يدفع شيئا فشيئا أقليات بعينها إلى المطالبة بالاستقلال التام عن العراق تحت ذريعة الإرهاب.

فالوجه الآخر للواقع الدراماتيكي في بلاد الرافدين، يعكس ضلوعا خارجيا في خلفية المشهد، ويؤكد أن تنظيم الدولة الإسلامية يخدم بعملياته الأكراد بشكل مباشر وظاهريا، ولكنه يخدم إسرائيل بالتأكيد لاسيما أن الأخيرة ترغب في خلق كيان سيادي يفتت بلاد الرافدين وربما سوريا، لضمان إضعاف القوتين العراقية والسورية، والإجهاز على ما تبقى من الأرض لدولة راديكالية بقيادة داعش.


"داعش" تنفذ أجندة إسرائيل


الفرص السانحة التي يسعى أكراد العراق إلى استغلالها في الوقت الراهن اعتمادا على انسحاب الجيش العراقي في محافظات الأنبار والموصل وتكريت بعد عمليات داعش، مهدت لها إسرائيل منذ فترة ليست بالقصيرة، فسجلات التاريخ تؤكد أن تل أبيب تعي أن هدف إقامة دولة كردية في العراق لابد من خروجه إلى النور، خاصة بعد أن بدأ الملا مصطفى البرزاني الزعيم الكردي السابق العمل لتحقيق هذا الهدف منذ عام 1943، ووقتها أعلن العمل ضد حكومة العراق، وقاد حرب عصابات ضد الجيش العراقي ونجح في احتلال بعض المواقع الحدودية، وانضم إليه الكثير من القبائل الكردية وقوات البشمركة، وطالب الأكراد وقتها بحكم ذاتي، كما طالب البرزاني بتشكيل لواء كردستاني في العراق، يضم كركوك وآربيل وبعض المدن المجاورة.

إن الأكراد يحاولون استغلال أزمة التطرف والجماعات الإرهابية للانفصال والاستقلال عن بغداد

ووسط زخم الحراك الكردي توارت إسرائيل بعيدا عن المشهد، لكنها كانت محركا أساسيا لآلياته، فالتواصل الإسرئيلي الكردي بدأ يطفو على السطح عام 1959، وعلى إثر المعارك التي خاضتها قوات البشمركة مع الجيش العراقي بداية من عام 1961، طلب إقليم كردستان من إسرائيل أسلحة وذخائر وأدوية، حيث كانت الاتصالات بين الجانبين تتم عن طريق المخابرات الإيرانية، واستغلال وجود الأكراد في أوروبا للتنسيق مع السفارات الإسرائيلية. وما نلحظه الآن من استحواذ مفاجئ للتنظيم الإرهابي “داعش” على مناطق قريبة من الأكراد ودفعه بشكل غير مباشر لمطالبتهم بالاستقلال يخدم فعلا الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي في تقسيم المنطقة وتفتيتها.


سيناريو أميركي لضرب المنطقة


يتساءل العديد من المراقبين عن “جرأة” أبو بكر البغدادي التي عصى من خلالها قياداته وأمراءه الجهاديين وانشق عن “التنظيم المركزي للقاعدة” وأتباعه في المنطقة، ليصل به الأمر أخيرا إلى قتال جهاديين آخرين في سوريا (جبهة النصرة) وإعلان ما يسميه بـ”دولة الخلافة".

وهذا يعود حسب قراءة البعض إلى أن المخابرات الإسرائيلية قد تمكنت من اختراق “داعش” وتمكينها من المد والمساعدة لتصعيدها إلى هذه الحالة القوية نسبيا وزرعها لتقسيم المنطقة من جهة ولتجد أميركا وإسرائيل ذرائع مختلفة للتدخل عسكريا واحتلال مناطق واسعة من الشرق العربي، وهذا جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد.

وفي هذا الشأن يقول مأمون فندي مدير برنامج الشرق الأوسط وأمن الخليج بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إن البغدادي تسرع في الإعلان عن أن فروع القاعدة في العراق وسوريا ستقاتل وتعمل تحت قيادته، وهو التصرف الذي تم رفضه سابقا من قبل كل من أمير جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، ولكن يظل التساؤل، لماذا تمسك البغدادي بأن يكون أميرا ويعمل الجهاديون تحت قيادته؟ ويجيب قائلا أنه “لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما يدور في عقل البغدادي، خاصة بعد أن تحدى جميع قياداته ونصّب نفسه خليفة للمسلمين، وهي خطوة تهدد الأمن والسلم في العالم، وتجعل داعش تسير وفق خطط توسعية للاستيلاء على المدن داخل الدول العربية".

الجماعات الإرهابية مختلفة في ما بينها وإعلان ما يسمى بالخلافة سيؤدي إلى قتال بعضها البعض

ويشير مأمون فندي إلى أن “داعش” التي تسيطر الآن على رقعة واسعة من الأراضي في سوريا والعراق، أصبح مقاتلوها في حالة نشوة دينية مع إعلان دولة إسلامية، أو دولة الخلافة الجديدة، حيث يرون أنه يجب على المسلمين أن يذعنوا للخليفة في كل مكان بإجلال وإكبار، بل يجب وضع علم الدولة الإسلامية أو ما يسمونه علم التوحيد حيث يرتفع ويرفرف، وهو ما يمثل حقبة جديدة من صراع طائفي ودولي سوف يتجدد بين الحكومات الغربية وبين الجهاديين، وربما على إثره تحدث حروب جديدة في المنطقة، تحت مسمى “الحرب على الإرهاب”، ويؤكد أنها ستكون حيلة أميركية لضرب سوريا والعراق وهما الامتدادان التاريخيان للأمن الاستراتيجي العربي نظرا لتوسطهما إيران شرقا وتركيا شمالا.


جحيم الحرب الطائفية


ما تمثله خطوة “داعش” الأخيرة من إعلان لما أسموه بـ”دولة الخلافة” لا يتوقف فقط عند اختلاق كيان يشبه في وظيفته الكيان الصهيوني، في خلق عوازل بشرية في مناطق نفوذ تقسم المنطقة وتفرق بين الامتدادات الوطنية الطبيعية والتاريخية، بل فرض مثل هذه المجموعات سوف يعطي ذريعة لقدوم الاحتلال الغربي مرة أخرى إلى المنطقة العربية بدعوى الحرب على الإرهاب وهو ما يضع الأطراف الوطنية في موقف الإحراج بين دفاعها عن أرضها من الاحتلال ومقاومة المد الإرهابي التكفيري على أرضها. وهذا السيناريو حسب مراقبين هو السيناريو الأميركي الصهيوني لوأد أي محاولات لإعادة نظام قومي عروبي يحمي المنطقة من طمع الاحتلال والأمم المجاورة مثل إيران.

ويشير طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، إلى أن الحرب الأهلية والأزمة السياسية في سوريا والعراق وانهيار الحدود وإعلان خليفة للمسلمين من المتوقع أن تؤدي إلى محادثات جديدة حول تقسيم الدول العربية وتصعيد أنظمة سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط".

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية أن أساس هذا الإشكال منذ البداية هو فشل الحكومات المتعاقبة ما بعد الاستعمار لبناء دولة قومية قوية، بل تصاعد الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة على إثر صعود بعض الشخصيات إلى الحكم رغم حملها لأفكار تقدمية ووطنية وقومية مثل الأفكار البعثية في سوريا قبل انقلاب حافظ الأسد، “ولذلك فإن الغرب يحقق مكاسب جيوسياسية كبيرة في هذه المنطقة” في حال نجح البغدادي في إسقاط النظامين السوري والعراقي، وستكون فرصة ذهبية أمام الغرب لإعادة احتلال هذه الدول، وإعادة تشكيلها وتقسيمها إلى دويلات من جديدة.

13