خلافة داعش من هجرات الوهم إلى بحيرات الدم

الأربعاء 2014/07/30
لافتة نصبها تنظيم الدولة الإسلامية في مدخل مدينة الموصل العراقية

منذ تشكيل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) حاولتُ المستطاع حتى يجري تناول هذه الظاهرة بشكل موضوعي ومواجهتها بعقلانية سياسية وخطاب تنويري واستراتيجية واضحة تعتمد القيم الديمقراطية المدنية وترفق المهادنة في كل انتهاك ينال كرامة وحقوق الإنسان، إلا أن قول الشاعر، “لقد أسمعت إذا ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي”، غلب.

في مارس 2013 قابلت أحد المعارضين السوريين من أصحاب العباءة الديمقراطية. بدأ الحديث عن خطف المطرانيين من قبل مجموعة شيشانية أرسلتها المخابرات الروسية ومن ثم تسليمها إلى المخابرات الجوية السورية. لم أعلق.

فماذا أقول له ونحن نرى معتمدين أساسيين في ائتلاف أصدقاء – أعداء الشعب السوري يتحدّثون عن أبي عمر الشيشاني كعميل للمخابرات الروسية ولا يعلمون أنه حارب مع الجيش الجيورجي ضدّ القوات الروسية في بلده قبل هجرته إلى بلاد الشام.

كم سمعنا من تصريحات تتحدّث عن القضاء على داعش في ثمان وأربعين ساعة، الأمر الذي يعطي مقدّمات الأخبار في “قناة العربية” نوعا من الطمأنينة.

يراقب المرء الانحدار في مستوى التحليل والسطحية السياسية والسقوط الأخلاقي والتهافت على المال عند كل من أراد “الستة المبشّرون بالسيطرة على مستقبل سوريا” تنصيبه “ممثلا وحيدا للشعب والثورة”.

ويتابع في المقابل من قرر أنه في زمن الجهاد وقيام “خلافة أهل السنّة والجماعة” إنما تكون الحاجة إلى ممثل شرعي وحيد لله على أرضه.

من المضحك المبكي أن الصراعات والمناظرات الأكثر جدّية كانت في صفّ قيادات داعش والنصرة وأحرار الشام وفصائل المهاجرين باعتبارها قد رضعت من حليب القاعدة وتعرف بعضها بعضا وليس في وسع شخص مثل أبي ماريا القحطاني أو أبي محمد الجولاني اتهام من مدهما بالمال والرجال وعناصر نجاح انطلاقتهما بالعمالة للنظام السوري أو العراقي.

لم يكن في إمكان التكوين الهجين لدولة العراق الإسلامية تحقيق الانسجام الداخلي دون تأصيل التعصب قاعدة والغلو فقها والصرامة والرعب منهجا

لقد تم تعبيد الطريق الإعلامي والسياسي والعسكري لخروج داعش إلى النور كقوة مسلحة وعقائدية إقليمية في إصرار السلطة السورية وبعدها العراقية على الحل الأمني العسكري في مواجهة ما يحدث.

مع سياسة تركية وخليجية وغربية فاشلة ووكلاء سوريين صغار وعدد من السماسرة الإقليميين الذين أعماهم الحقد وغطى على بصرهم وبصيرتهم الخوف من حراك شعبي واعد أرادوا قتله في بلاد الشام ولو استتبع ذلك تمزيق الأوطان وتحطيم الإنسان.


في فضائل داعش


في وقت كان فيه روبرت فورد (السفير الأميركي والمسؤول السابق عن ملف سوريا) يحدّثني عن العلاقة بين “وحدات” حماية الشعب” والنظام السوري، في وقت تغطي فيه السلطات التركية صفقات بيع النفط السوري على أراضيها ويسمح الاتحاد الأوروبي بعمليات البيع هذه، كان تنظيم داعش قد أطبق خطة “التمويل متعدد المصادر” التي تسمح له بهامش واسع من الاستقلالية في القرار حتى عن الجماعات السلفية الخليجية التي تضخ له المال والرجال.

وفي وقت كان ينعق فيه الائتلافيون بالمطالبة بالأسلحة النوعية تمكّن التنظيم من الحصول على كميات كبيرة من هذه الأسلحة في الرقة والموصل.

وعندما سعت قطر والسعودية إلى امتلاك مجموعات جهادية خاصة بهما قرّر تنظيم داعش مواجهة مفتوحة مع كل من سماهم “الصحوات”.

ويمكن القول إن كل ما حققه النظام السوري وحلفاؤه على صعيد تصفية قيادات الجماعات الجهادية نقطة في بحر التصفيات المتبادلة التي قامت بها هذه الجماعات في حق بعضها البعض. فأهل البيت أدرى بما فيه ومن فيه.

وإن كان “خلاف اللصوص على الغنائم” قد كشف الكثير من المستور، فأي كارثة في أن يكون أبو محمد الجولاني أول من يتحدّث عن هدر أكثر من مليار دولار في جبهة النصرة في وقت يحدّثنا فيه بعض قدماء الماركسيين عن طهارة النصرة. ويموت الأطفال في المخيمات جوعا.

“فضيلة” داعش تأتي من كونها قد عرّت الأساطير التي صنعتها “الجزيرة” منذ عملية للنصرة في الشمال ضدّ قاعدة للدفاع الجوي غطّاها أحمد زيدان، إلى ذلك التقديم في هالة قدسية لأبي محمد الجولاني مع تيسيير علوني، إلى ذلك الغطاء المتعمّد على كل الجرائم التي ارتكبتها جبهة النصرة في تكرار بائس للتجربة العراقية التي ولدت في كنفها.

“فضيلة” داعش أنها كشفت الخطاب الإخواني الشعبوي الذي يتحدّث منذ حسن البنا إلى سيد قطب والقرضاوي (…) ويخدّر العامة بمقولة “الإسلام هو الحل”. يؤثر الجماعة على المجتمع ويحق له ما لا يحق لغيره. مع كل ما حملت هذه الأيديولوجيا والممارسات من غطاء للتطرف في سوريا والعراق.

عملية تدنيس الوعي تخلق الأرض الخصبة للعنف والتوحش

“ فضيلة” داعش أنها اختصرت على المفكرين عشرات الكتب والدراسات في الردّ على أطروحات العودة إلى الوراء لبناء “خلافة راشدية على منهج النبوة”. فضيلة داعش أنها فضحت الباطنية السياسية لتوظيف الدين كاستراتيجية سلطة.

تنظيم داعش، وليس المثقّف النقدي، من أسقط الهالة عن مفهوم “الحاكمية لله”، وهو الذي ترجم مفهوم جاهلية القرن العشرين لسيد ومحمد قطب على أرض الواقع، وهو من جعل التكفير سنّة وحوّل العنف والتوحّش إلى منهاج حياة.

يتكلّم المرء بمرارة وهو يستعرض شريط الأحداث وكيف باسم الثورة تم اغتيال كل مقومات ما يمكن تسميته ثورة. كانت الأخطاء تتراكم وكان الجواب دائما النظام هو المسؤول.

أصبحت الأخطاء جرائم واستنكرت الأسطوانة المشروخة نفسها. لم يكلف أحد نفسه عناء النظر إلى ما آلت إليه الأمور.

بيع قرار السوريين لغيرهم بدراهم وجرى تسليم قرار المسلح السوري لمن وفد من خارج الحدود. وأي فائدة من التذكير بما قلنا منذ أغسطس 2011: “إذا تسلحت تطرّفت وتطيّفت”. (…)

لعلّ من فضائل داعش أيضا معرفتها بما يسمى “المهاجرون”، مستواهم الثقافي والسياسي ومحدودية وعيهم الديني والمشكلات الذاتية والموضوعية التي حوّلتهم إلى مشاريع انتحار. لهذا تعامل معهم تنظيم داعش كالقطيع واتبع سياسة لاستقطابهم تقوم على قواعد بسيطة: المال والسلطان زينة الحياة الدنيا.


البذرة النغل


في البدء كانت القاعدة، تنظيم عسكري سياسي بإمكانيات كبيرة ودعم أميركي خليجي هائل لمواجهة المحتل السوفييتي في أفغانستان. استقطبت الحرب الأفغانية المقاتلين من بقاع الأرض وفتحت الباب للسلفية الجهادية للتحول من مجموعات صغيرة في بلدانها إلى قوة عسكرية عابرة للحدود (…) انتهت الحرب الأفغانية وتفتت الاتحاد السوفييتي. وصار من الضروري لكل من دعم هذه الحالة البحث عن وسيلة للتخلص من تبعاتها عليه.

فقد انتهت مدة صلاحية “الجهاد الأفغاني” عند صانعيه، وتحول المجاهدون من أجل الإسلام إلى منبوذين ممن أرسلهم. إلا أن هؤلاء المنبوذين كانت لهم قصتهم وأساطيرهم.

ولم يعد في وسع أولياء الأمر السيطرة عليهم. فهم يعتقدون أن جهادهم هو الذي غيّر صورة العالم وأنهى الحرب الباردة ووضع حدا للشيوعية في بلاد الإسلام وأن جهادهم لم ينته مع رحيل القوات السوفييتية بل بدأ.

فضيلة داعش أنها كشفت الخطاب الإخواني الذي يتحدث منذ حسن البنا إلى سيد قطب والقرضاوي ويخدر العامة بمقولة الإسلام هو الحل

تغيرت التحالفات ودول الدعم والمأوى والجهاد. وتوزّع أبناء التجربة الأفغانية بين الحرب الشيشانية والبوسنة والجزائر.

في حين حاولت المخابرات الباكستانية استعادة نفوذها في أفغانستان بدعم الطالبان البشتون. وعاود أسامة بن لادن تجميع السلفية الجهادية في أفغانستان باعتبارها مركزا للتدريب العسكري والقيادة الآمنة.

كان العراقيون بكل فئاتهم أبعد الناس عن “القضية الأفغانية”، فقد ورطتهم حكومتهم في حرب شغلتهم عن العقد الزمني الأفغاني. ومنعهم طلب البقاء على قيد الوجود في ظل العقوبات والدكتاتورية من ترف “السياحة الجهادية”.

ويمكن القول إن السلفية والإخوانية لم تكن موضع ملاحقة من النظام العراقي. لذا لا يستغرب قدوم عدد من قدماء الأفغان العرب إلى العراق قبل 2003.

ويمكن القول إن التحرّك الجدي باتجاه العراق تبع حالة الفوضى التي حملتها قوات الاحتلال والقرارات المدمرة التي اتخذها بول بريمر، الحاكم الأميركي في العراق، بضرب بنية الدولة العراقية وحل الجيش العراقي.

الأمر الذي لم يجد معارضة من الطرف الكردي الذي احتفظ لنفسه بقوات البيشمركة أو الأحزاب السياسية الشيعية التي وجدت في ذلك فرصة لإعادة بناء الجيش من المجموعات المسلحة التي تشكلت في إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها.


حالة النكوص إلى الإيحائية


بهذا المعنى تتحمّل قوات الاحتلال المسؤولية الأولى عن خلق كل العناصر الموضوعية لتشكيلات عسكرية واسعة خارج نطاق الاحتلال. بكل ما أصّلت من استئصال واجتثاث وإبعاد لكل من كان على صلة عسكرية أو سياسية بالنظام السابق.

ولم تكن الطبقة السياسية الجديدة التي حملت لواء رفع المظلومية عن “البيت الشيعي” تحمل أي برنامج وطني ومواطني، بل على العكس من ذلك تعاملت العديد في المواقف التكوينية للدولة الجديدة بمنطق المحاصصة وتوظيف المشاعر وتقاسم المناصب وخلق عصبية مذهبية تحمي السلطة السياسية الجديدة.

لم يمتلك أبو مصعب الزرقاوي في جعبته السياسية والإيديولوجية ما يسمح له بدور هام في مقاومة الاحتلال أو تقديم تصورات خلاقة لواقع ومستقبل الإنسان في العراق.

وقد غطى ضحالته الفكرية بشراسته العسكرية. ويمكن القول إنه التعبير الأفضل لما يسميه علماء النفس حالة النكوص إلى الإيحائية (Animist).

هذه الحالة التي تتجسّد في ادعاء الحق المطلق وامتلاك القدرة على فرضه من حوله. وإسقاط كل شبهات ضعف الذات بيقين شيطنة الآخر. لذا أطلق منذ البدء مسؤولية فكرة “عوام الرافضة” (الشيعة) عن الاحتلال وعن ابتعاد المسلمين عن دينهم.

هذا الأمر فتح له باب العمليات العسكرية السهلة التي تستهدف المدني والعسكري، الطفل والبالغ، المرأة والرجل… كذلك صنف أي فكر غير جهادي – سلفي في خانة الكفر.

ولا شكّ أن ما حدث من انقلاب جذري في وجود العراقيين بعد إلغاء الدولة والنظام قد هزّ النسيج المجتمعي في أعماقه وصدّع أركان الوعي الجمعي للناس وزعزع مقومات الاستقرار النفسي للأشخاص وفتح الباب واسعا بعد عقود التصحّر السياسي والحروب الدموية والحصار اللاإنساني لنمو النزاعات والعصبية وبداهة التوحّش.

وجدت الإدارة الأميركية في ضرورة ارتقاء جماعة الزرقاوي إلى سلم عدو الاحتلال الأول فرصة ذهبية قزّمت وهزّلت فيها صورة اطراف المقاومة المدنية والعسكرية الأخرى. وغطّت بالتالي على جرائمها السياسية والإدارية والعسكرية في البلاد.

ألبير كامو: أينبغي أن تسيل أنهار من الدم لكي تقام العدالة غدا

إلا أن استئصال كوادر المؤسسة العسكرية العراقية في النظام السابق من عملية إعادة بناء الجيش العراقي دفعت بعدد غير قليل من الضباط السابقين للتوجه نحو التعبير الأكثر تعصّبا وشراسة في الموقف من العملية السياسية وعملية إعادة بناء أجهزة الأمن والجيش.

وقد بدأ التنسيق والتقارب بين أوائل المنتسبين من العراقيين إلى القاعدة مع هؤلاء الضباط مبكرا للاستفادة من خبرتهم العسكرية ثم بدأت عملية التقارب الأيديولوجي تتسارع في معتقلات الجيش الأميركي بحيث يمكن القول إن الكيمياء الحالية لما يسمى بداعش اليوم هي الوليد النغل لسجن بوكا وأبو غريب وسنين الاعتقال في ظل الاحــتلال.


التدين العام


ينتمي الداعشي العراقي إلى جيل الثالوث المدنس (الحروب الإقليمية التي خاضها النظام العراقي، المثل الأقسى/مع قطاع غزة/، للعقوبات الجماعية في التاريخ البشري المعاصر، الاحتلال الأميركي الأغبى في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية).

ولا شك أن الإنسان العراقي الذي فتح عينيه على حربي الخليج الأولى والثانية بكل ما تحملان من عدمية، وكحّلها بعقوبات لا إنسانية لا ناقة فيها للمواطن العراقي ولا جمل، وفقأها بمحتلّ حطم آخر ما تبقى من الدولة العراقية بعد الكولونيالية قد تمزقت لديه كل علامات التواصل مع الحداثة. فهو لم ير في هذه الحداثة سوى صفقات التسليح وشراء وسائل التعذيب وطغيان الحكم وهدر الموارد والطاقات الطبيعية والبشرية.

التدين العام هو الرد الأولي على حضارة لم تغط المدفع والبورصة والنفط بأي من معالم الشعور بالكرامة الإنسانية. كتب الشاعر العراقي بدر شاكر السياب قصيدة “المومس العمياء” قبل أن يشهد العراق الثالوث المدنس.

بعد كل مآسي العراق، تصحرت الثقافة وجفت الصحف ولم تعد الكلمات قادرة على وصف هول الوضع البشري.

أثناء بعثة التحقيق التي قمت بها للعراق في يونيو 2013 قال لي السائق الذي نقلنا للاجتماع مع الفقيد سيرجيو دي ميلو: “هذه الأمم المتحدة شاركت في قتل أطفال قريتي جوعا ومرضا فهل تعتقد أنها قادرة على التكفير عن جرائمها في حقنا كشعب؟”.

لم يكن السائق من الأنبار بل من قرية شيعية في جنوب شرقي العراق. وقد تطوع لمرافقتي إلى الفلوجة قبل المجازر التي ارتكبت فيها من حكومات الاحتلال.

كان يعيش كل يوم بيومه لإطعام أطفاله دون أي قناعة بأن هناك نهاية للنفق الذي دخله العراق منذ سبعينات القرن الماضي.

تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي يمارس كل أشكال استبدال المثل بالمقايضات النرجسية

ولعل الجريمة الأكبر في هذا القرن، تكمن في مشاركة الطبقة السياسية العراقية بمعظم مكوناتها في تحطيم بوصلة الخلاص للشعب العراقي عبر البحث الدائم عن كبش محرقة، عن ضحية محلية يستقوي عليها ويحملها مسؤولية مآسيه وحالة الإحباط المعمم التي يعيشها.

ويمكن ملاحظة ذلك جليا منذ استهداف اللاجئين الفلسطينيين من قبل أطراف المعارضة العائدة للبلاد التي حمّلتهم شماعة دعم نظام صدام حسين وقرارات اجتثاث الدولة، إلى قرار داعش بالتطهير الديني لمدينة الموصل من المسيحيين مرورا بمحاولتهم “تنظيف” العراق من الطائفة اليزيدية.

بكل أشكالها ومسببيها، تتابعت عملية تدنيس الوعي لتخلق الأرض الخصبة للعنف والتوحش والهمجية. الدريل (drill) كان وسيلة تمزيق عظام المعتقلين في أقبية الميليشيات وجزّ الرأس كان الوسيلة الأرخص عن التكفيريين.

وفي كلا الحالتين جرى إعدام فكرة الحق في الحياة والحق في سلامة النفس والجسد في مجتمع تعايش فيه الموت مع الحياة في كل خلية وقرية وحي وقصة.

لم يكن في إمكان التكوين الهجين لدولة العراق الإسلامية تحقيق الانسجام الداخلي دون تأصيل التعصب قاعدة والغلو فقها والصرامة والرعب منهجا. فليس في الإمكان ادعاء “الصفوة” وامتلاك الحقيقة المطلقة وإعطاء جواب لكل سؤال واستباق القرارات وتجاوز الشك واغتيال الوعي الأخلاقي دون تحقيق القطيعة الذهنية مع الماضي الشخصي لمكونات التنظيم ومسح قصة زيد من صيرورته أبو أسامة.

وكون عملية غسل الدماغ لم تحدث قط، صار من الضروري التمسّك بكل المظاهر التي تعطي الجماعة صفة النقاء من البدع وإغلاق باب الفتن وسد الذرائع وتهذيب الشعائر مع استعراضات إعلامية مبالغ فيها لتحطيم المزارات والمساجد والكنائس والتماثيل وحرق محال السجائر والجلد الميداني والرجم والصلب وقطع الرؤوس وأخذ الصور مع الرؤوس الخ.

وهنا يبرز الطابع الفصامي لتنظيم داعش. فهو يمارس كل أشكال استبدال المُثُّلِ بالمقايضات النرجسية (تعسف السلطة، الانتهازية، السرقة، القتل، الخطف، الخوات، الانتقام، الثأر، الاعتداء على المحرمات..). ويعلن جهرا كفر أو ردة كل من يعترض طريقه. (…)


صورة النصيري


لا يمكن إقامة الفصل بين المقاتل العراقي والغريب القادم من أصقاع الدنيا للجهاد في سبيل الله.

ونجد قصة حياة أبو مصعب الزرقاوي تتكرر عند الجناح المهمّش التونسي (الذي لم تقدم له “الترويكا” لا شغل ولا خبز ولا أمل وأغمضت العين لأشهر عن سفر الشباب التونسي إلى سوريا)، والذي أراد تخليص الشعب السوري من نظام يسمع ليلا نهارا على كل القنوات الفضائية غربية وخليجية أنه “يقتل الأطفال ويغتصب النساء”. فوجد في من دفع له كلفة السفر ودفعه إلى الجهاد محسنا مجاهدا في سبيل الله والعدالة.

فضيلة داعش تأتي من كونها قد عرت الأساطير التي صنعتها الجزيرة

وصف لي أحد المقاتلين الذين انتهى بهم الأمر إلى طلب اللجوء في فرنسا بعد أن قضت “جبهة النصرة” على مجموعته “المعتدلة” صورة “النصيري” عند هؤلاء الغرباء عن الثقافة العربية والإسلامية قائلا: “النصيري بالنسبة لهم هو أي جندي أو موظّف في دولة الأسد. هو شيطان هذا الزمان ولا بد من تخليص الأرض من رجسه ونجسه إذا ما أردنا عودة الإسلام إلى أرض الإسلام”.

يتحمل المجتمع المشهدي، بتعريف غي ديبور له، مسؤولية كبيرة في إنتاج التطرّف وتمجيد العنف.

فهل كان في الإمكان عمل غير “الهجرة والجهاد” أن يحوّل جماعة مهمّشة وجدت نفسها خارج المنظومة الرأسمالية قبل أن تكوّن وعيا تختار به موقفها منها، إلى عناوين الصحف ومقدّمة نشرات الأخبار، غير هذا العنف الذي حوّل محمد وسفيان ورشيد وسليم… من مجرّد منبوذين من جيرانهم إلى أبو البراء البلجيكي وأبو لقمان الألماني وأبو محمد الفرنسي وأبو أسامة البريطاني… إن الشهرة التي تمنحها وسائل الإعلام تعطي منسيي المجتمع الأوروبي الأهمية وقوة الحضور وجاذبية “دور البطل”.

ولا ينسى هؤلاء “المهاجرون” التذكير في كل مناسبة بأنهم قد هجروا “الديمقراطية المجرمة والعلمانية الكافرة ومجون الغرب” من أجل خلافة طاهرة تعيد الناس إلى دينهم أو شهادة ترتقي بهم إلى ملكوت السماء.

لم ولن يطرح أي “مهاجر” السؤال الذي طرحه ألبير كامو في “العادلون”: “أينبغي أن تسيل أنهار من الدم لكي يمكن غدا إقامة العدالة؟ وهل يتعيّن علينا أن نصبح قتلة ليكون لدينا نظام اجتماعي أفضل؟”؛ فالشعور الهذياني بامتلاك الحقيقة المطلقة يحرم القاتل من الوقوف عند عدد ضحاياه وأساليب قتلهم. (…)

لقد توصلنا من متابعة تجربة داعش، من خلايا الزرقاوي إلى خلافة البغدادي، إلى ضرورة تناول التجربة عبر الأشخاص بعد أن تبيّن لنا تأثير الأشخاص على طبيعة وتكريب ووظيفة الأيديولوجيا التي يعلنون عنها. فمن الصعب اعتبار تأثير الأيديولوجيا على مكونات أصحاب القرار في هذه التجربة حاسما.

ولعل هذا ما يفسر الغلو المتعمّد والمشهدي الذي يحمل في طياته كل عناصر الهدم دون امتلاك أي تصور خلاق لإعادة البناء بغض النظر عن نمط الحياة المطلوب في هذا البناء.


إقرأ في العرب أيضا:



النزاعات الدينية تتسبب في حركات نزوح سكاني غير مسبوقة

6