خلافة داعش وصناعة التوحّش

الأربعاء 2014/08/06
إقصاء المنهجي يخلق الشرخ الضروري للانقسام

في 2005، حاولت تناول ظاهرة “تفجير الذات في الآخر” بعد أربع سنوات على أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من تفجيرات محدودة الأثر في عدة مدن أوروبية. ولا شك أن هذه المحاولة تحتاج اليوم إلى إعادة تناول كون تعريف الذات وتعريف الآخر قد اختلف منذ دخول الحركة السلفية الجهادية مواجهة مفتوحة في العراق لكل من الآخر المحتل والآخر “المختلف الانتماء”.

أعطى العراق المثل على خطر الفوضى على مشروع التغيير في كامل المنطقة. فتصفية الدولة العراقية على أيدي قوات الاحتلال أدخلت ثلاثة عناصر أساسية جديدة هزّت المفاهيم المركزية لفكرة الدولة وعلاقتها بالمجتمع بغض النظر عن طبيعة مشروع الدولة نفسه:

- انتهى احتكار الدولة للعنف كمعطى رافق نشوء الدولة قبل الإسلام بثلاثة آلاف عام.

- وكما انتهى احتكار السيف انتهى احتكار الكلمة. حيث عبرت وسائل الاتصال والإعلام الحدود.

- كذلك لم تعد الدولة تشكل مصدر المال الأول لمن يعمل في الشأن العام في بلدان الأزمات.

نهاية هذه الاحتكارات الثلاثة في عالم تحطمت فيه حدود الأثير والمال والسلاح لم تضرب المفاهيم السياسية والمدنية للدولة الحديثة وحسب، بل فتحت الأبواب لحالة من الاضطراب العميق ترك تبعاته على الشخصية البشرية نفسها. محطمة مسلمات أخلاقية لعلاقة الإنسان بالإنسان.

بعد فشل الاحتلال العسكري الأميركي في العراق وتراجع فيروس “التدخل الخارجي الإيجابي” الذي دخل في جسم عدد من “المعارضات العربية”. جاءت الحركة المدنية السلمية في تونس ومصر لتفتح آفاقا جديدة لسبل التغيير السياسي من المجتمع وللمجتمع. إلا أن سيرورة التجربة الليبية في سيمفونية عربية غربية أعادت طرح فكرة “التدخل الخارجي للخلاص من الدكتاتورية”. ولم يُقصّر أئمة السلاطين في صياغة الفتاوى الضرورية التي تعطي الناتو صفة “المخلّص”.

قضية إدارة العنف على الصعيدين الداخلي والدولي تشكل هما مركزيا عند الرئيس الأميركي ومساعده البريطاني

كم من طرف سعى بوعي أو دون وعي لنسخ المثال الليبي في سوريا. ومن المضحك أن نقرأ في عريضة لمن يسمى “علماء الأمة” دعمهم للمجلس الانتقالي السوري (أي التسمية الليبية التي تجنبها المجلس الوطني) يدعو كل القوى إلى التدخل من أجل إنقاذ الشعب السوري. مفتي قطر يوسف القرضاوي لم يتوقف عند استجداء تدخل الناتو بل طالب كل قادر على الجهاد بالتوجه لنصرة الشعب السوري. وتكرر النداء على لسان عشرات أشباه المشايخ السلفيين في السعودية والكويت وقطر ومصر وليبيا وتونس. لم تعد المهمة قتل الحراك المدني السلمي في سوريا بل تحويل هذا البلد أيضا إلى مقبرة لكل حالات الاستلاب الذهني والروحي التي فقدت التواصل مع العالم والإنسانية في أفيون التكفير بحثا عن فردوس أبدي.

بعد حقبة الغزل مع “المقاتلين من أجل الحرية”، كما يسميهم برنار هنري ليفي ولوران فابيوس. و”حتمية العنف في الثورة” كما نظّر بعض “المفكرين”، انقشع ضباب الواقع عن مجموعات متزمتة متحجرة تحمل عقد الماضي والحاضر، الدنيا والآخرة. في عباءة “المهدي الجماعي المنتظر” الذي سيعيد ملكوت الله في أرضه بعد أن دنسها كل بني خلقه.

منذ تفجيرات المحلق الجنوبي في دمشق (ديسمبر2011) وحتى اليوم وثنائية الله والشيطان، معسكر الخير ومعسكر الشر تسيطر ليس فقط على معسكر “الأبوات” (جمع أبو …) بل على عدد من غير الإسلاميين الذين وضعوا كل ما تحمله ظاهرة “الغلاة الجدد” في ذمة الدكتاتورية. لم يحاول أحد أن يستقرئ بداية النفق أو نهايته. ومن حاول تنبيه الأمة من هذه الغمة حُمِلت عليه هراوات العمالة للدكتاتورية والخيانة للثورة. إلا أن طوفان الكذب الإعلامي والسياسي الكبير هذا لم يلبث أن بدأ يرتد على أصحابه. انهارت عشرات بل مئات الفتاوى التي تطالب الشبيبة بالتوجه للجهاد في سوريا والعراق… فتاوى لم يضع حدا لها سوى الطائرات الإسرائيلية التي تقصف المدنيين في غزة في شهر رمضان. هنا ورغم الطابع الإسلامي الغالب للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة عاد تلامذة ابن تيمية إلى صمت القبور. فيما استمر التكفيريون في هدم أضرحة الأنبياء وبيوت الله وقطع الرؤوس في “دار الإسلام”. انتقائية الجهاد والقتل والموت وضعت كل من وظفّ الدين والتدين في خدمة أهداف سياسية محدودة ووضيعة عاريا أمام الناس والتاريخ. فهل نشهد “الخلاص” من حالة الغيبوبة التي تعيشها قطاعات هامة من مجتمعاتنا بعد كل هذه الزلازل أم أن الأمر يحتاج إلى جيل أو أكثر؟

اليونيسيف: مقتل 40 طفلا على يد داعش بالعراق


العولمة والعولمة المضادة


في كتابهما المشترك “العقل والعنف” يقول كوبر ولانغ: “من أجل الضرورة والقابلية الذهنية للعقل الجدلي، لا مناص من ربطه بالتجربة في كل حالة، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بشكل جدلي (…). يبدو الجدل قوة إيحائية لأي مراقب من داخل المنظومة (السستام)”. تبدو هذه العلاقة بين العقل الجدلي والواقع، بين الرؤية من داخل منظومة فكرية أو من خارجها ضرورية جدا لاكتشاف البعد العالمي لأي ظاهرة وإمكانية متابعتها كاحتمال وارد خارج حدود الزمان والمكان النسبيين. والسؤال المطروح علينا باستمرار، ما هي الحدود بين الفطري والمكتسب، البيولوجي والمجتمعي، النفسي والحقوقي، الاعتقادي والسياسي، الاستمرارية والانقطاع، القديم والجديد في ظاهرة العنف والعدوانية أو في ذاك الجمع العجائبي لهما في ما نسميه التوحش؟ هل يمكن اعتبار تفجير “الدراغ ستور” في باريس 1974 و”مترو الأنفاق” في لندن 2005 عملين من طبيعة واحدة لأن كلاهما استهدف مدنيين عزل؟ هل يمكن قراءة العدوان والعنف في علم النفس والقانون بنفس الطريقة؟ وأخيرا هل يمكن الحديث عن تعبيرات مختلفة للعنف والعدوانية نحن بصدد اكتشاف توسعها الأفقي مع ظاهرة العولمة؟ تحتاج هذه الأسئلة إلى تأملات جماعية وبحث عميق، ولا تدّعي هذه الأسطر امتلاك الإجابات بقدر ما تحاول أن تكون إسهاما في مواجهة البلادة الذهنية المتصاعدة في المجتمع المشهدي المعولم.

“يصعب عليّ الاعتقاد بوجود بشر في جنان سعيدة لا يعرفون العنف أو العدوانية”، كتب سيغموند فرويد. وعند هذه الجملة ينتهي اجتماع المحللين النفسيين. فليس هناك اتفاق على تعريف العنف وكذلك الحال بالنسبة إلى العدوانية. لكن يمكن بالخطوط العامة جدا القول إن هناك اتجاها كلاسيكيا يعبر عنه فيليب جياميه الذي يعتبر العنف بشكل أساسي “وظيفة لحماية الأنا”، فهو “يقوم بوظيفة تفريغ الشحنات الداخلية للأنا”. بهذا المعنى أو التعريف، العنف لا يحمل الحقد بالضرورة. في حين أن العدوانية، “حركة متعمدة لتحطيم الآخر الذي تم التعرف عليه باعتباره شيئا آخر. في العدوانية، وفق هذه المقاربة، نية مسبقة للإساءة إلى الآخر بشكل نوعي: تحطيمه، إيلامه، لخبطته، سرقة أو تحطيم أشياء لها مكانة هامة عنده”(4). بروخ يعرّفها بالقول: “استعداد دائم لمهاجمة الآخرين، مع نية التحطيم، وبكل الأحوال، مع رد غير محسوب”.

هناك اتجاه آخر معاكس يلخصه عنوان كتاب أنطوني ستور: “العدوانية الضرورية”: حيث يعتبر جورج باستان العدوانية “تصرفا حيويا في غاية الإيجابية”. في حين ينضم هذا الاتجاه لتعريف جان ماري مولر للعنف باعتباره “ما يمكن أن يتعرض للكرامة الإنسانية. ما يأتي لتحطيم شخصية الآخر”. إدغار ولف المدافع عن هذه المقاربة يكمل قائلا: “يبدو لي العنف باعتباره درجة أعلى في العدوانية، درجة أكثر خطورة. وتحطيم الشخصية يمكن أن يتضمّن اعتداءات جسدية وضغوطا وإذلالا نفسيا”.

ليس بالإمكان اعتبار هذا النقاش حول العدوانية والعنف عالميا، بل يصعب إخراجه أحيانا من المؤسسة الثقافية الغربية وتقسيمها للمعارف والاختصاص، أي العثور عليه في باقي العلوم الاجتماعية والفلسفية والقانون. إذن النسبية ضرورية. ضرورية في التعريف، ضرورية في التحليل، وضرورية في الاستنتاجات. والسؤال الأساسي يبقى: ما هو العنف المقبول أو المفهوم في مجتمع أو منظومة قيم محددين، وما هو دور التبرير السياسي أو الإيديولوجي للعنف؟ وهل يمكن اعتبار حديث بعض المحللين النفسيين في السبعينات عن العقدة السادية-الروحانية لوصف التطرف العنيف في مطلع السبعينات صالحا لوصف ما بعد 11 سبتمبر؟ وكيف تفسر ظاهرة قطع الرؤوس كوسيلة من وسائل التقرب لله؟ هل يمكن الاكتفاء بفكرة تشابه الآليات رغم اختلاف المقومات الثقافية لتفسير متشابه لظاهرة تجاوز العنف السياسي و/أو المجتمعي إلى التوحش الإحيائي ما قبل الوثني، مع أو دون ثوب ديني؟ هل يمكن استعادة إشكالية “عنف المظلوم المستلب الهوية” عند فرانز فانون لشرح ظاهرة التوحش هذه التي جعلت كلمات كالعدوانية والسادية والثأر والحقد عادية أمام مجموعات تعتقد بأنها خير جماعة أخرجت للناس في وقت تنزع بممارساتها كل إناسة وإنسانية بكل المفاهيم الدينية والفلسفية التي عرفها البشر؟

من الصعب الحديث عن العنف كظاهرة مجتمعية في غياب الأرض الحاضنة، قوة الدافع، ومنطق داخلي متماسك. الاستقصاء المنهجي يخلق الشرخ الضروري للانقسام عن المنظومة السائدة، لبناء لغة موازية مختلفة وضرورية للتعرف على الذات المبعدة، يضع فكرة الدور على الطاولة باعتبارها في حالة مواجهة مع السائد، أما المنطق الداخلي فينطلق، في رأينا، من إعادة طرح الأحجية عينها: ليست المشكلة إن كان لوجودي معنى أو لا، المشكلة هي امتلاك رغبة ما للعيش في هذا المحيط الذي بعدائه لي جعل مني عدوا له. والذي بتحديده مسبقا لدوري ووضعي الاجتماعي ومستقبلي حرمني من أي فرصة للتعرف على الذات خارج المخطط مرسوم المعالم للانضمام له أو الرضوخ لقواعده. فأنا بالنسبة له، العنصر المضطر للعب دور المستأصَل القاصر، الأقلية المزمنة، ليس بوصفها كذلك بنية أو عددا، بل في إعادة استهلاك لمفهوم الأقلية الوظيفي في القرون الوسطى، قبل أي تعريف للتنوير في الأزمنة الحديثة.


بلا حدود


إذا كان تعويم العملة في الاقتصاد يحتمل أكثر من قراءة، فتعويم المفاهيم ذات التأثير المباشر على الحياة اليومية للبشر يترك بالضرورة ثغرات كبيرة يدفع ثمنها الأضعف في السوق والإعلام والثقافة والسياسة. وكما رأينا مع العنف والعدوانية، يصعب الحديث عن وضوح أكبر في جريمة العدوان وجريمة الإرهاب، كذلك الحال في مقومات البناء النفسي للإذلال وطبيعة التأقلم مع المجتمع المستقبِل. ينال هذا التعويم قمته مع عولمة الوجود المفاهيمي للبشر. أي الهم المتصاعد لإعطاء صفة العالمية لعمليات إعادة الهيكلة والخصخصة والصرف العائم وتخفيض مصروفات الدولة وإطلاق حرية فعل الأسواق باعتبارها المخلّص من الفقر والمرض والاستبداد والفساد. عولمة الاقتصاد تقدمت مع عولمة المرجعيات الثقافية. وكلما حاولت فرض خصوصية مهيمنة باعتبارها “العالمية والمرجع الأساس″، كلما فتحت الباب لكل الإيديولوجيات المحلية لحمل لواء العالمية بطريقة مسخ.

ليس من السهل تنظيم آليات السيطرة على الصعيد العالمي في مرحلة أفول الحضارة الغربية. كان لصعود الحضارة الأوروبية فضل إعادة بناء العالم المادي والذهني، الحقبة الأميركية لا تحمل ميزات الانطلاقة وعلى تجاعيد وجهها بشاعات القرون الأربعة الماضية. من هنا سطحية علاقتها بالظواهر والمستجدات. وطغيان الوقت على التأمل باعتبار الأول عنصرا أساسيا لامبراطورية الـFast Food المنتصرة. بهذا المعنى، ليس أفضل من عولمة حالة الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب وتحديد معالم وتخوم معسكري الخير والشر وسيلة للدفاع عن صيرورة السلعة رب العولمة المعبود.

سيرورة التجربة الليبية في سيمفونية عربية غربية أعادت طرح فكرة التدخل الخارجي للخلاص من الدكتاتورية

لا خلاف عند صنّاع القرار الامبراطوري على أن العنف والعولمة صنوان، وإن كانت قضية معالجة النقد والكرامة والجمال والإيمان والطبيعة والإبداع باعتبارها سلعا لا تشغل بال الرئيس الأميركي و”مساعده” البريطاني على الإطلاق، فإن قضية إدارة العنف على الصعيدين الداخلي والدولي تشكل بالتأكيد هما مركزيا عندهما. وليس من شك في أن المربع الأخير لفكرة الهيمنة الشمولية لم يعد يملك الوقت لتنميق تحركاته بالحد الأدنى من القيم المعلنة. فهو يقاتل مع الدكتاتورية الحليفة دكتاتورية أخرى باسم الديمقراطية، ولا تخجل طبقته السياسية من تنظيم حملاتها الانتخابية بأموال الجراد الأسود. ومع تفتت فكرة الحدود يمكنه بيع السلاح لحليف يمرره لهذه الجماعة المسلحة أو تلك. ولا ينسى المطالبة في وضح النهار بنزع سلاح كل من يعتبره عدوا.

هل يمكن لتأميم الحرية وطغيان السوق ومركزة إدارة العنف وانحدار فكرة المسؤولية عند الحكومات أن تترك للحضارة الغربية رونقها الأول؟ في نص متميز لجورج حنين، يعتبر الشاعر السريالي المصري أي اعتداء على الحرية إنتاجا للشبه والظل وابتعادا عن الغرض الأساسي لها كمشروع وحنين. إلغاء العفوية (بالقوانين والإجراءات الاستثنائية) يحول العلاقة مع الحرية إلى مدنس يدفعنا إلى قلب الصفحة ضد ذاتنا هذه المرة، وفق قواعد تم تحديدها على مستويات عالية.

* ملاحظة:


الدراسة الأولى للدكتور هيثم المناع بعنوان: "خلافة داعش من هجرات الوهم إلى بحيرات الدم" نُشرت في صحيفة العرب 30/07/2014، العدد: 9633

7