خلاف القتلة

الخميس 2015/11/05

بوادر خلاف روسي إيراني بخصوص سوريا. يستطيع هذا العنوان أن يبعد غيره من العناوين مهما كانت أهميتها على اعتبار أن الحليفيْن المتفقيْن، ظاهريا، على تنفيذ مهمة واحدة وهي إنقاذ نظام دمشق الآيل إلى السقوط عاجلا أم آجلا، بدآ يخسران توازنهما ويتجهان شيئا فشيئا ليصبحا خصمين، لا بسبب خلاف في وجهات النظر فقط، لكن بسبب فشلهما أصلا في تحقيق ما يرغبان في تحقيقه.

إذ كاد عملهما يتناغم؛ قصف جوي روسي مكثف يستهدف تجمعات الثوار السوريين والمناطق الخارجة على سيطرة النظام وقد أسفر حتى الآن عن سقوط مئات الضحايا من المدنيين دون أن يضعف ولو قليلا تنظيم داعش. ويترافق هذا القصف مع محاولات إيرانية مستميتة لدعم ما تبقى من قوات موالية لنظام دمشق في التقدم خطوات إلى الأمام، لا من أجل استعادة السيطرة الكلية لأن هذا أمر أشبه بالمستحيل على المدى الطويل، لكن لأجل تحسين شروط التفاوض، خاصة وأن إيران فرضت نفسها لاعبا أساسيا في المعادلة السورية لا من خلال حضورها مؤتمر فيينا باعتبارها واحدا من الأطراف المعنية بما يحدث في سوريا، ولكن من خلال وجودها العسكري المكثف ومنذ الأشهر الأولى للثورة ضد نظام الأسد سواء عبر قادتها العسكريين الذين كان يتم تقديمهم على أنهم مستشارون يقدمون المشورة فقط، والذين بدأت جثامينهم تصل تباعا في الفترة الأخيرة إلى بلادهم، أم من خلال الميليشيات التابعة لها، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني، وهو بالمقابل بات على حافة الانهيار النهائي، بعد فشله في كافة المعارك التي خاضها مؤخرا أهمها معركة الزبداني، وتحوله إلى عبء ثقيل على النظام نفسه بعد أن كان يعتبره “بيضة القبان” القادرة على قلب الموازين لصالحه.

والحقيقة أن الخلاف الذي بدا يطفو على السطح مؤخرا من خلال مجموعة من التصريحات الصادرة عن طهران وموسكو، يشير إلى عدم وجود تنسيق بينهما، وخاصة في طريق تعاطيهما مع العملية السياسية والأهداف المرجوة منها، وقد أعلنت موسكو أنها قد تسقط الأسد من حساباتها في إطار اتفاق سياسي مع الأطراف المعنية، يحافظ ختاما على مصالحها الحيوية ويتيح لها الاستمرار من خلال محاربة التنظيمات الإرهابية، إلا أن طهران تظل متشددة في مسألة بقاء الأسد لقناعتها التامة بأن خروجه من المعادلة السورية يعني إخراجها بالضرورة، وانتهاء مشروعها ببسط سيطرتها على المنطقة العربية، وتضييق الخناق عليها، وهذا لن يقتصر على سوريا بطبيعة الحال بل سيمتد باتجاه الجارة لبنان، إذ ستبتر يدها الطولى هناك ميليشيا حزب الله اللبناني، الذي ينظر إليه الشركاء العرب في المفاوضات، على أنه قوة احتلال وينبغي اجتثاثه من الجغرافيا السورية، بالتوازي طبعا مع اضمحلال الدور الإيراني في اليمن جراء الهزائم المتلاحقة التي مني بها أتباعها من جماعة الحوثيين.

وسيتطور الخلاف بين موسكو وطهران وصولا إلى فض الشراكة في حال تم الذهاب بعد أيام قليلة إلى اجتماع فيينا الثاني من دون أن تتمكن القوات الإيرانية من تحقيق مكاسب على الأرض تحسن من خلالها شروط التفاوض وترجح الكفة لصالح بشار الأسد، وهو ما تقول الوقائع على الأرض إنه صعب التحقق في ظل المقاومة الكبيرة من قبل كتائب الثوار، بل وفقدانها بعض المناطق التي كانت قد وصلت إليها في مناطق ريف حلب شمالا.

وإذا اعتبرنا أن موسكو لا تسعى لتحقيق أهداف إيرانية من خلال تدخلها العسكري في سوريا، فما الذي يمنعها من فض علاقتها بطهران والقبول بحل تصنع من خلاله السلام كما تدعي، بدل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاستمرار في حرب تدرك تماما أن الانسحاب منها لن يكون سهلا في مقبلات الأيام؟

كاتب سوري

9