خلاف فرنسا وإيطاليا.. دافنشي ابن هويته الغامضة

الخلاف الفرنسي ــ الإيطالي حول دافنشي هو في أساسه خلاف سياسي، يحركه هاجس الملكية بكل ما ينطوي عليه من وضاعة مزرية.
الثلاثاء 2019/03/05
فرنسا ربحت من دافنشي جزء من سمعتها عالميا

فعل دافنشي في الرسم ما لم يفعله أحد آخر في التاريخ، لا من قبله ولا من بعده. لذلك فإن الصراع عليه لا بد أن يتخذ طابعا جوهريا، كما لو أنه جزء أصيل من الثروة الوطنية. وهو ما يتعارض مع إنسانية الفن وشموليته، حيث يصبح النتاج الفني ملكا للبشرية مع مرور الوقت كما هو الحال مع الدمى السومرية أو الأقنعة السومرية أو حتى موناليزا، تلك السيدة التي زجت بالفنان الفلورنسي في سوق السياحة العالمية فربحت منه فرنسا الجزء الأكبر من سمعتها عالميا. ذلك لأن برج إيفل ليس أهم من صورة تلك السيدة الإيطالية التي حيكت حولها الأساطير.

من وجهة نظري يحق للبشرية كلها أن تحتفل في أي وقت تشاء بـ”دافنشي” فهو ابنها الذي اخترق العصور وذهب إلى المستقبل بسبب براءات اختراع لا يمكن لأحد أن يدعي أنها صارت جزءا من الماضي. فـ”دافنشي” حاضر ما دام الرسم حاضرا بقوة تأثيره. وهو تأثير لا يمكن قياسه بالأدوات العلمية، ذلك لأن جزءا عظيما منه ينتمي إلى عالم الوهم. الرجل الذي لا تزال اختراعاته تلهمنا المزيد من التحول والتغير استطاع من خلال تقديمه مادة غير نافعة بشكل مباشر أن يحدث تحولا باهرا في طريقة نظرنا إلى العالم من حولنا وأسلوب تعاملنا معها.

وهو ما لا أتوقع أن السياسيين قادرون على فهمه أو استيعاب دروسه. ذلك لأن أذهانهم لا تذهب أبعد من المناطق التي يتم من خلالها تحديد الممتلكات، كما لو أن دافنشي مقاطعة هي جزء من مستعمرات أثرية. وبالطبع فإن فنانا بحجمه لا يمكن التعامل معه بهذا الأسلوب الذي ينطوي على كثير من الازدراء لمعنى مروره الماحق في تاريخنا.

ليوناردو دافنشي هو ابن البشرية الذي اخترق العصور الماضية وذهب إلى المستقبل بسبب براءات اختراع لا يمكن لأي أحد أن يدعي أنها صارت جزءا من الماضي

الخلاف الفرنسي ــ الإيطالي هو في أساسه خلاف سياسي، يحركه هاجس الملكية بكل ما ينطوي عليه من وضاعة مزرية. فـ”دافنشي” الذي اختصر عصورا من الجهد البشري ليس ابن البلدة التي ولد فيها وفي المقابل فإنه ليس صنيع الثقافة التي اكتسبها. هو كل هذا ولكن بصيغة مضادة. ذلك لأن النقلة التي أحدثها في تاريخ الفن قفزت به فوق كل مكان، يمكن أن يربطه بهوية دون سواها. كما أنه ليس ابن عصره، ذلك لأن أثره لا يزال يسري في النفوس كما في العقول. شيء عظيم منه لا يزال قائما وهو يفتح أمامنا دروب الخيال في اتجاه مناطق من المخيلة البشرية لا تزال بكرا.

لا أعتقد أن ثمة تعارضا بين أن تحتفل الدولتان به كونهما جزءا من العالم وليس باعتبارهما مالكتين له أو لمنجزه الخلاق. فللفرنسيين والإيطاليين ما للبشر الآخرين من حصة في دافنشي. وهو أمر يمكن التعامل معه بعيدا عن دسائس السياسة التي تعتمد على تبسيط الحقائق بطريقة رثة.

دافنشي هو في حقيقته صانع هويته التي لا يزال جزء منها غامضا ما دام الرسم مفتوحا على المجهول. أما أن يكون إيطاليا أو فرنسيا فذلك يعني أن صندوق أسراره قد أغلق وهو ما لم يحدث حتى اليوم.

12