خلاف قانوني يعطل استمرار اتفاق الصخيرات الليبي

الاثنين 2016/12/19
أزمة جديدة قد تعصف بجهود السلام

ليبيا- بعد مرور عام من توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب في 17 ديسمبر 2015، تجد الطبقة السياسية في ليبيا والمجتمع الدولي أمام خلاف قانوني بشأن استمرار الاتفاق السياسي حول الشرعية الليبية أو انتهائه.

فبعد عامين من الكر و الفر، ومع نهاية 2016، يلوح في أفق البلاد أزمة جديدة قد تعصف بجهود السلام وتعود بالبلاد للمربع الأول، وذلك في ظل ظهور أزمة شرعية جديدة، ولكن هذه المرة ليست بين الأطراف المتنازعة السابقة على السلطة بل في الجسم الجديد، الذي أنشأ لحل تلك الأزمة القديمة، المتمثلة في تعدد الشرعيات في البلاد.

هذه الأزمة الجديدة تتمثل في إصرار بعض الأطراف الليبية على انتهاء مدة المجلس الرئاسي الليبي بحلول 17 ديسمبر الجاري، في حين تؤكد أطراف أخرى أن شرعية المجلس لن تنتهي بحلول ذلك التاريخ لأن مدة العام التي حددها الاتفاق السياسي تبدأ من تاريخ تضمين ذلك الاتفاق في الإعلان الدستوري، وهو الأمر الذي لم يتم بعد.

ولإرضاء المعارضين المطالبين بانتهاء فترة المجلس الرئاسي، لمح مؤخرا المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، إلى أن هناك إمكانية لفتح المسودة الأخيرة للاتفاق التي كان يرفض اجراء تعديل عليها، قائلا إن "شكل المجلس الرئاسي ومسألة العودة إلى المسودة الرابعة من اتفاق الصخيرات كلها قرارات تعود إلى الليبيين أنفسهم".

وأضاف أن "هناك آلية للتعديل داخل الاتفاق، لكن كل هذا بعد تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري أولاً". وفشل مجلس النواب الليبي على مدى العام الحالي في عقد جلسة رسمية للتصويت على تضمين الاتفاق السياسي للإعلان الدستوري كما تنص وثيقة الاتفاق الموقعة في الصخيرات، وذلك لمطالبة نواب إجراء تعديلات عليها، ومنها حذف المادة الثامنة محل الجدل، والتي تحيل جميع الصلاحيات السيادية مثل تعيين القائد الأعلى للجيش، إلى المجلس الرئاسي بدل مجلس النواب.

ويقف على الطرف الآخر، أصوات نادت بانتهاء مدة المجلس الرئاسي بحلول نهاية 2016، آخرهم المحامي ضو المنصوري، عضو لجنة الستين (هيئة عليا مستقلة منتخبة لكتابة دستور دائم للبلاد) الذي طالب "رجال القانون والقضاء في ليبيا بالنظر فيما أعلنه المبعوث الأممي".

وقال المنصوري، في تدوين له عبر فيسبوك، الأربعاء الماضي، إن "مدة المجلس الرئاسي الليبي تنتهي بحلول 17 ديسمبر الجاري"، متسائلا "إذا كانت مدة الرئاسي لم تبدأ بحسب ما قال كوبلر، فما مدى مشروعية القرارات الصادرة عنه، والتي تقترب من 600 قرارا، واعتماد سفراء، والتصرف في ميزانية الدولة، وعقد اتفاقات معلنة وسرية، وتمثيل الدولة الليبية في المؤتمرات الدولية؟".

اتفاق الصخيرات

غير أن الفقرة الرابعة من المادة الأولى من الاتفاق السياسي، تنص بشكل صريح على أن مدة ولاية حكومة الوفاق الوطني، عام واحد، يبدأ من تاريخ نيلها ثقة مجلس نواب طبرق، مع إمكانية تجديد الولاية تلقائيا لعام واحد فقط، وفي جميع الأحوال تنتهي ولاية الحكومة مباشرة فور تشكيل السلطة التنفيذية بموجب الدستور الليبي أو انقضاء المدة المحددة لها أيهما أقرب.

وفي تصريحاته الأخيرة التي تطرق خلالها لولاية المجلس الرئاسي، أكد المبعوث الدولي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، على أنها لن تنتهي في 17 ديسمبر الجاري، لأنها لم تبدأ أصلاً، لعدم إجراء النواب التعديل الدستوري أو اعتماد الحكومة.

بدوره أكد جمعة القماطي، رئيس حزب التغيير، وأحد أعضاء الحوار السياسي الموقعين على الاتفاق السياسي في البلاد، أن "ولاية حكومة الوفاق المحددة وفقاً للاتفاق السياسي الموقع فى الصخيرات لم تبدء بعد". وقال في تغريدة له إن "‏الفقرة الرابعة من المادة الأولى في الاتفاق السياسي نصت على أن مدة ولاية حكومة الوفاق الوطني هي عام واحد، يبدأ من تاريخ نيلها ثقة مجلس النواب، وبالتالي فإن المدة الرسمية لم تبدأ بعد".

برلمان طبرق وصراع الشرعية

تنص المادة 18 من الاتفاق السياسي، والتي منحت فرصة جديدة لمجلس نواب طبرق، باستمرار عمله وفقا للمادة 16 من الاتفاق، لحين انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية بموجب الدستور الليبي. وتنص المادة 16 من الاتفاق على "النظر في مقر انعقاد المجلس المؤقت، ومراجعة نظامه الداخلي وتشكيل لجانه من جديد، والقرارات والتشريعات التي أصدرها، على أن يتم ذلك في 15 أكتوبر 20155، بعد عودة نوابه المقاطعين، وهو ما لم يتحقق حتى الآن".

وقرر مجلس نواب التمديد لنفسه ستة أشهر إضافية، خلال جلسة عادية له، عقدت في 6 أكتوبر 2015، بحضور 131 عضوا، صوت 130 منهم لقرار التمديد، قبل انتهاء ولاية البرلمان، في 20 من الشهر نفسه. لكن مفاجأة فجرها رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، في تصريحات لوسائل إعلام كشف فيها أن المجلس يعتزم الإعلان عن خريطة طريق سياسية جديدة للوفاق في البلاد بحلول 17 ديسمبر الجاري.

وقال صالح، إن "خريطة الطريق تقوم على العودة إلى المسودة الرابعة في الدستور، وإعلان مجلس رئاسي ثلاثي، والفصل بين هذا المجلس الرئاسي، ورئاسة مجلس الوزراء". والمسودة الرابعة تنص على أن يكون رئيس مجلس النواب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وليس فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الحالي.

مجلس الدولة

وينتهي عمل المجلس الأعلى للدولة "الاستشاري" وفق المادة 22، من نص الاتفاق السياسي بانتهاء عمل مجلس النواب، وفقا لنص الاتفاق السياسي، وبدأ العمل به بعد انتخاب عبد الرحمن السويحلي، رئيسا له في 6 افريل 2016. ويقوم المجلس بعمله من مقره في طرابلس، باستقلالية وفقا للإعلان الدستوري، المعدل وفقا للاتفاق السياسي، ويتكون من 145 عضوا منتخبا (خلال انتخابات المؤتمر الوطني العام، في 7 يوليو 2012).

وقال عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة الحوار السياسي، بلقاسم قزيط، في تصريحات لوسائل إعلام محلية ليبية، إن "لقاء القاهرة أكد على أن الاتفاق السياسي هو إطار الحل السياسي في ليبيا، وهذا يلجم كل من يحاول العودة إلى المربع صفر". ولفت إلى أن "صدور البيان من القاهرة، رسالة مهمة تؤكد أن مصر تدعم الحل السياسي، وشرعت في إعادة حساباتها، وهذا واضح من خلال دعوتها الرسمية لمجلس الدولة لزيارتها".

الحلول المطروحة

واكد كوبلر في تصريحات أن اتفاق الصخيرات سيظل هو المرجعية الوحيدة، وأن أي حديث عن إلغاء الاتفاق ليس صحيحًا". وأشار إلى أن "كل الأطراف الليبية تدرك أهمية هذا الطرح، وأبدت استعداداتها لقبول التعديلات حفاظًا على ما تم إنجازه". ووصف ، مضمون بيان القاهرة "بالجيد".

وقال محمد الشحومي، عضو مجلس الأعيان للمصالحة انه "جرى طرح مبادرات حول تركيبة المجلس الرئاسي، وهي بمثابة حلول فعلية، وإعادة النظر في النقطة الثامنة من الملحق.. وإنني مطمئن لما توصلنا إليه من مقترحات للحول".

والمادة الثامنة تعطي للمجلس الرئاسي صلاحيات تعيين وإقالة كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين، وهو ما اعتبرته أطراف في شرق ليبيا أنه يستهدف عزل خليفة حفتر من قيادة الجيش، لذلك طالبوا بتعديل المادة، واعتبرها عدة مراقبين السبب الرئيسي في عرقلة اعتماد البرلمان في طبرق لحكومة الوفاق.

بيد أن ما قاله الشحومي، يبقى غير قابل للتطبيق في ظل ابتعاده ومشاركته في لجنة المصالحة، فيما ترفض الأطراف الأخرى فتح الاتفاق السياسي، والمتمثلة في حزب العدالة والبناء (إسلامي)، والجبهة الوطنية (لبيرالي)، والمؤتمر الوطني العام، وأطرف سياسية عديدة، لعدم وجود ضمانات بعدم الإخلال بجوهر الاتفاق، وهو ما يعيد الأمور لنقطة الصفر، خشية عسكرة البلاد وضياع الدولة المدنية.

اتفاق الصخيرات لازال قائما

ويرى خبير عسكري ليبي أن "الطرف الأول يرى أن مدة سنة تبدأ من اليوم الذي يعتمد مجلس النواب فيه حكومة الوفاق الوطني، حسب المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، أما الطرف الآخر ممثلا في رئيس مجلس النواب في طبرق (شرق) ومن ورائه خليفة حفتر قائد القوات المنبثقة عن البرلمان، والمنطقة الشرقية بصفة عامة، والذين يعتبرون أن اتفاق الصخيرات انتهى بمرور عام على التوقيع عليه".

لكن المحلل الليبي أشار إلى أن "اتفاق الصخيرات، عمليا، لازال قائما، بدليل أن المجتمع الدولي بما فيه روسيا والجامعة العربية يعترفون بحكومة الوفاق الوطني". وتحفظ على فكرة "فشل" اتفاق الصخيرات في تحقيق توافق بين ليبيين، لكنه قال إنه "يترنح". وأوضح أن "اتفاق الصخيرات حل في نهاية 2015، أزمة دستورية، لأن المجتمع الدولي كان يعترف بالحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله الثني، التي تسيطر على المنطقة الشرقية بينما لاتخضع المنطقة الغربية التي تضم ثلثي سكان البلاد لحكومة معترف بها".

وحذر من أن "إنهاء اتفاق الصخيرات يعني أننا أمام فراغ دستوري آخر". ولفت إلى أن "مجلس النواب الذي يطالب بإنهاء اتفاق الصخيرات، انتهت عهدته منذ عام، ولا يحق له التمديد لنفسه، ولكنه يمكنه الدعوة لانتخابات جديدة، وهو ما لم يحدث". واتهم الخبير العسكري "رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بعرقلة اتفاق الصخيرات بالرغم من أن أغلبية النواب كانوا مع التصويت لصالح حكومة الوفاق لكنهم تعرضوا للضرب والإهانة ومنعوا من أداء واجبهم".

وفي ها الخصوص أشار، إلى أن هناك رغبة في تعديل اتفاق الصخيرات، ويقترحون العودة إلى المسودة الرابعة التي تجعل من رئيس مجلس النواب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي هذه الحالة سيعين عقيلة صالح، حفتر قائدا للقوات المسلحة الأمر الذي ترفضه كتائب مصراته وحلفاؤها في غرب ليبيا، وحتى كتائب الزنتان (خصوم مصراته في الغرب)".

وقال المحلل العسكري الليبي أن "المجتمع الدولي منفتح أن يكون حفتر، جزء من التوليفة التي ستقود ليبيا في المرحلة المقبلة، لكن شخصة حفتر، تمنعه من أن شريك له في الحكم". مدة حكومة الوفاق الوطني عام واحد قابلة للتجديد مرة واحدة".

وزار مساء الجمعة الماضية، وفد عسكري ليبي رفيع المستوى، بعد أيام من استضافة القاهرة لاجتماع شاركت فيه 455 شخصية ليبية دون دعوة ممثلين عن أحزاب وتيارات إسلامية، برعاية مصرية، توصل فيه المجتمعون إلى الاتفاق لإعادة النظر في الفقرة المتعلقة بتولي مهمات القائد الأعلى للجيش، التي شكلت عقبة خلال توقيع اتفاق الصخيرات، الذي كان يتضمن استبعاد حفتر من قيادة الجيش.

وخلص المجتمعون، إلى وضع ما اعتبروه "خارطة طريق لتحقيق التوافق في ليبيا خلال المرحلة القادمة"، وكان أهم ما أوصوا به "إعادة النظر في تولي مهام القائد الأعلى للجيش، الذي يتولاه حاليا عقيلة صالح، الذي كان أصدر قرارا في مارس الماضي، بترقية الفريق أول المتقاعد خليفة حفتر لرتبة المشير.

1