"خلاويص" فيلم سياسي كوميدي افتقد المنطق والترابط الزمني

الفنان المصري أحمد عيد يستهدف في أفلامه "الأسرة المصرية" بكاملها بعيدا عن قواعد التصنيف العمري، ما يزيد من جماهيريته على شباك التذاكر.
الثلاثاء 2018/04/03
اختيارات متنوعة لأحمد عيد

القاهرة – “خلاويص” اسم لعبة مصرية شهيرة اختفت بتقادم الزمن وظهور العديد من ألعاب العصر الحديث، تلك اللعبة التي يكون بطلها اثنين أو أكثر، أحدهما يغمض عينيه والآخر يختبئ، من هنا تنطلق أحداث الفيلم بين الجد والحفيد، حيث يلعبان معا داخل المنزل “خلاويص” لتطرق الشرطة الباب وتطلب القبض على الطفل “علي حسن”.

واختار مؤلفا الفيلم لؤي السيد وفيصل عبدالصمد ومعهما المخرج خالد الحلفاوي أن يكون بطل فيلمهم (الفنان أحمد عيد)، سائق تاكسي، ينتمي إلى الطبقة الاجتماعية المتوسطة التي تسعى للعيش بكرامة، ويتعمدون في مطلع الأحداث أن يضعوا مشهدا يجمع بينه وبين إحدى الشخصيات السيادية بالدولة والمتخفية، حيث تطرح عليه تساؤلا خلال ركوبها معه السيارة عن حال البلد، ليجيب الأول برفع صوت المسجل الصوتي والرقص مع ابنه الجالس بجواره تحاشيا للخوض في السياسة.

ويترجم هذا المشهد الكثير من أحداث الفيلم فيما بعد، وأهمها أنه حتى مع التجاهل الذي يقوم به سائق التاكسي نحو السياسة، يتم إلحاق التهم السياسية بنجله الذي لا يتعدى الخمس سنوات ويقبض عليه خطأً لتشابه اسمه مع آخر متهم بالتحريض على أعمال عنف وقتل وتخريب للممتلكات العامة.

الفنان المصري أحمد عيد يعود لخوض تجربة سينمائية جديدة بطابع سياسي كوميدي بعنوان “خلاويص” للمخرج خالد الحلفاوي، ليؤكد أنه ما زال يمتلك خطا فريدا وشجاعا في إثارة قضايا سياسية واجتماعية ساخنة، لكن الفيلم يواجه الكثير من التحديات بعد تعرضه لانتقادات بسبب افتقاده لعوامل الزمن والمنطق في بعض المشاهد

أحداث الفيلم استوحاها صناع العمل من واقعة مصرية شهيرة حدثت قبل ثلاثة أعوام عندما حكم على الطفل المصري منصور قرني أحمد علي، البالغ من العمر ثلاثة أعوام و5 أشهر بالسجن المؤبد، ووجّهت إليه التهم السابقة المذكورة خلال مشاركته في مظاهرة “إخوانية” في مارس 2014 بمحافظة الفيوم في جنوب غرب القاهرة، بحسب ما نسب إليه.

ورغم التميز الذي يحسب لمؤلفي الفيلم من تجاهل توضيح صفة الشخصية السيادية التي يلعب دورها الفنان أحمد فؤاد سليم وتحرّك الأحداث من الباطن بالدولة، إلاّ أن عيبا واضحا ظهر في أحداث العمل يتمثل في تجاهل عنصر الزمن أو استخدامه بعشوائية أفسدت حالة الفيلم الثرية بقصته المختلفة عن طبيعة الدراما السينمائية ومناقشتها للحدث السياسي.

وظهر هذا الافتقاد الزمني في العديد من المشاهد التي تارة تشير إلى أحداث لا يتجاوز عمرها العام وأخرى ربما تعود إلى فترة طويلة مضت، كما أن فكرة استخدام الرموز السيادية التي تحرّك الدولة من الباطن وتقوم باختلاق مثيلتها بهدف شغل تفكير الرأي العام بعيدا عن قضاياه الجادة كانت مسألة مسيطرة على الساحة السياسية خلال فترة ما قبل ثورة يناير 2011، وليس في الفترة الحالية.

ويُستكمل هذا الغموض بمشهد انهيار الرمز السيادي المدبّر لمصائب سائق التاكسي وعائلته من خلال لقطة واسعة لـ”الكادر” تعلو أحد المباني الضخمة بمنطقة وسط البلد في القاهرة، وهي صورة “لمبنى الحزب الوطني” القديم قبل هدمه الآن، وإن كانت حركة الكاميرا مرّت عليه من أعلى بشكل سريع للغاية، لكنه ترك تساؤلا عمّا إذا كان هذا الرمز يشير لإحدى القيادات بالحزب الشهير.

وينتقل بطل الفيلم أحمد عيد، أو حسن، إلى مرحلة جديدة في مشواره الفني تحمل معها الكثير من النضج والتركيز في اختيارات المرحلة العمرية التي وصل إليها بعد عدد من الأعمال التي قدّمها في مشواره لم تكن تحمل قضية واضحة يعمل من أجلها، أما الآن فهو يقدّم نموذجا جديدا لتجربة أب من الفئة الاجتماعية المتوسطة يحاصره التأزم بعد أن نجح العام الماضي في فيلمه “ياباني أصلي”.

ويزداد نجاح أحمد عيد ليس فقط باختياراته المختلفة، لكن باستهدافه شريحة “الأسرة المصرية” بكاملها بعيدا عن قواعد التصنيف العمري، ما يزيد من جماهيريته على شباك التذاكر.

ولعل تجارب الكوميديا التي قدّمها أحمد عيد في مطلع مشواره الفني جعلته محنكا الآن في تقديم نمط الكوميديا المغلفة بأداء إنساني معبر، تجسد في عينيه التي تلمع بالدموع ونبرة صوته التي تختلف وتتغيّر من مشهد لآخر بحسب متطلبات ما يحمله أي مشهد.

وبالعودة إلى أحداث الفيلم التي ربما تفقد وهجها بعد الحالة الإنسانية التي تتخللها بعض المواقف الكوميدية داخل السجن من خلال وجود الطفل وأبيه الذي يرتكب جناية للحاق به هناك حماية له، وبعد قرار الإفراج عن الطفل يضطرّ مؤلفا الفيلم إلى إقحام حكاية جديدة مفادها استمرار مسيرة الظلم التي تقع على البطل من هذا الشخص السيادي مجهول الهوية، لكن لم يحالفهما التوفيق في الحفاظ على حالة الفيلم في نصف أحداثه الأول وبدت كأنها محاولة لإطالة مدة الفيلم ذاته.

"خلاويص" محاولة جيدة لصناعة فيلم إنساني، لكن عيوب معالجة القصة انتقصت كثيرا من عناصر تفوقه وتميزه

والحدث المقحم في النصف الثاني للأحداث يتضمّن تعرّض بطله لمظلمة وحبسه من جديد بعد أن لُفّق له عدد من التهم، مقابل رعاية عائلته خلال وجوده في السجن، ثم تضطره الظروف إلى الهروب مع مجرم بعد إطلاق الرصاص عليه، لتختتم الأحداث بمشهد محاولة البطل الهروب مع نجله عبر قارب من قوارب الهجرة إلى إيطاليا.

ويزداد تأزم نهاية الفيلم بعد ظهور ابن شقيق الجهة السيادية الذي يصرّح له بأنه استكمل له مبلغ نقوده ودفعها لسمسار الهجرة، وتركه حتى لحظة التنفيذ حتى يستطيع أن يختار مصيره، إمّا بالهجرة أو بالاستمرار في بلده وإثبات براءته مع وعد منه بالوقوف إلى جانبه.

و“خلاويص” محاولة جيدة لصناعة فيلم إنساني قبل أن يكون سياسيا، لكن عيوب معالجة القصة انتقصت كثيرا من عناصر تفوّقه، غير أنه يبقى تجربة قد تغير من مسار بطلها واختياراته لاحقا لتجعله صاحب خط سينمائي مميز ممثلا في “الكوميديا السوداء”.

16