خلايا دماغية طاردة للذكريات المؤلمة أمل جديد لعلاج الاضطرابات النفسية

الأربعاء 2014/05/28
الأوقات السعيدة في حياتنا نادرة وقصيرة فلماذا نحولها لمجرد "ومضة" بلا ذاكرة

يعد الخوف آلية مهمة تجعل حياتنا أكثر أمانا، فالخوف من الخطر يجنبنا الوقوع فيه على اختلاف الظروف والمواقف المسببة والمحيطة به، إلا أن هناك نوعا من الخوف الهستيري غير المسيطر عليه والذي يصيب بعض الأشخاص في بعض المواقف أو الأماكن، يرتبط في الغالب بالذكريات المؤلمة وتحديدا الخوف من تكرار هذه الذكريات.

وظيفيا، تتكون الذاكرة من خلال سلسلة من العمليات المعقدة، حيث تتوزع عملية تشكيل واسترجاع الذكريات على ثلاث مراحل، هي التسجيل والتخزين والاسترجاع. ولكي نتذكر أمرا ما بوضوح يتطلب أن تعمل هذه المراحل وفق منظومة معينة ومحسوبة، بحيث يستدعي الخلل في عمل إحداها مجموعة غير حميدة من الاضطرابات النفسية المتعلقة بالذاكرة.

ويصبح الأمر أكثر تعقيدا عندما يتعلق باستحضار ذكريات وأحداث غير سارة، حيث يكون الفرد شاهدا على حكايات حرب وموت ودمار، فتمسي ذاكرته مع مرور الوقت مع أحمالها الشاقة وكأنها كابوس مستمر لا يفارق صاحبه يشده بإصرار إلى الماضي، فيقطع عليه سبل الخلاص من أسرها، حيث تتغذى على أيامه وتمنع وصول ضوء الأمل إلى صباحاته الجديدة.

لكن ما زال هناك البعض من الأمل، حيث استطاع مختصون أن يقوموا بتحديد المناطق التشريحية والمراكز المسؤولة عن تخزين هذه الذكريات وفق نسق معين في الدماغ، الأمر الذي يجعل من إمكانية إعاقتها – على الأقل- وتوجيهها لصالح الكائن البشري، مغامرة علمية تستحق المحاولة.

وفي هذا الإطار، اكتشف علماء الفسلجة أن هناك خلايا عصبية معينة في الدماغ تحول دون تشكل الذكريات المؤلمة في منطقة معينة من الدماغ تدعى “هايبوكومباس” أو “قرن آمون”، وهي خلايا عصبية كابحة.

وعلى الرغم من أن هذه التجارب ما زالت في مرحلة التطبيق على الفئران، إلا أنه من المؤمل أن تمثل خطوة أولى في طريق البحث العلمي على الإنسان واستخدامها في علاج حالات مستعصية، ومنها الاضطرابات النفسية التي يتعرض لها بعض الأشخاص بعد تلقيهم لصدمة نفسية عنيفة.

ورصد الدكتور، أتيلا لوزونازي، في جامعة كولومبيا بنيويورك ضمن الدراسة التي نشرتها مجلة “علوم”، الكيفية التي يتم فيها إبعاد الذكريات التي ترتبط بأحداث سيئة في منطقة “قرن آمون” في الدماغ وكيف يمكن، إضافة إلى ذلك، إبعاد الأحداث السيئة عن مخزن الذاكرة.

وقام الدكتور لوزونازي بالاشتراك مع فريق عمله في الجامعة، باختبار خلايا عصبية معينة في أدمغة فئران وكشفوا عن وجود بعض الخلايا المثبطة أو الكابحة فيها، تتلخص مهمتها في تحديد الذكريات المؤلمة وإرسالها إلى منطقة معينة في الدماغ.

أكد مختصون أن بعض الناس أصبحوا يعتمدون بشكل كلي على الإنترنت والكمبيوتر كمخزن بديل للذكريات عوضا عن ذاكرتهم الطبيعية

ويشبه عملها هذا طريقة الغربلة، حيث يؤكد لوزونازي على أن هذه الخلايا تنشط حين يتعرض الفرد للأحداث غير السارة، فتعمل بصورة أو بأخرى كمصف لتخليص الذاكرة من وقع هذه الأحداث وذلك بحجب المعلومات الخاصة بها بعيدا، أي "تشفير" الذكريات قبل أن يتم تمريرها إلى مناطق أخرى في الدماغ. وبهذه الطريقة يتسنى لمنطقة (قرن آمون) في الدماغ استقبال هذه المعلومات لمعالجتها وتخزينها بصورة مستقلة، مع قطع الطريق لتدخل هذه الأحداث غير السارة في عملية التخزين.

فإذا كانت هذه الصيغة هي المسار الطبيعي لآلية عمل هذا النوع من الخلايا العصبية، فما الذي سيحدث عند فقدان هذه الخلايا لمسار وظيفتها وتترك "الحبل على الغارب"، حيث ينهار جدار الذكريات المؤلمة فجأة ويتفتت إلى جزيئات تتشظى في أروقة الدماغ من دون أن تجد ما يردعها فتخترق الحاضر، لتحيله إلى جحيم حقيقي.

هذا الوصف الدقيق يستخدمه متخصصون في علم النفس العلاجي لوصف أعراض الاضطرابات النفسية الحادة التي يعاني منها بعض الأشخاص بسبب استدعاء ذكريات مؤلمة.

من ناحية أخرى، حذر علماء النفس من أن هوس بعض الناس، بتسجيل معظم أحداث ودقائق حياتهم بالصوت والصورة بواسطة أجهزة التقنية الحديثة، قد يأتي بنتائج مدمرة على الذاكرة في المدى البعيد، كما يجعلهم في المقابل غير قادرين على الاستمتاع أو عيش “اللحظة” الحاضرة.

وأكد متخصصون على أن بعض الناس أصبحوا يعتمدون بشكل كلي على الإنترنت والكمبيوتر كمخزن بديل للذكريات عوضا عن ذاكرتهم الطبيعية. ويرى الدكتور ماريان غاري، أستاذ علم النفس في جامعة فيكتوريا في ويلينغتون- نيوزيلندا، الذي ركز أبحاثه الأخيرة على كيفية تأثير الصور الفوتوغرافية على ذكريات الطفولة، بأن المشكلة تتعلق في جزء منها في أن الناس باتوا يستغنون عن الاستمتاع بعيش (اللحظة) بسبب انشغالهم بتسجيلها وتوثيق تفاصيلها. ويؤكد الدكتور غاري على أن البعض ينشغلون بالتقاط آلاف الصور التي تتعرض للإهمال فيما بعد، لصعوبة تنظيمها وعدم وجود وقت كاف لاستيعابها جميعا، فالأشخاص المغرمون بهذا النوع من تسجيل الأحداث بكثافة وعشوائية، سينتهي بهم الأمر إلى نسيانها. كما أثبتت دراسات سابقة في هذا السياق، أن التقاط عدد مبالغ فيه من الصور لتوثيق مُناسبة ما قد يمنعنا من تكوين ذكريات مفصلة عنها، لانشغالنا عن تفاصيل هذا الحدث بتوثيقه.

ولكي نحصل على ذكريات منظمة تتعلق بأوقات ولحظات حياتنا السعيدة، حيث نستطيع استدعائها بسهولة عن طريق الصور، ينبغي أن نعيشها أولا وألا نجعل من مهمة توثيقها واجب ثقيل يفسد علينا متعة مشاركتنا هذه الذكريات مع من نحب، فالأوقات السعيدة في حياتنا نادرة وقصيرة، فلماذا نحولها لمجرد “ومضة” بلا ذاكرة؟

21