خلخلة ثنائية الرواية والتاريخ ودمجهما في هوية سردية جديدة

جدلٌ كبير حول علاقة الفن الروائي بالتاريخ، ومدى حرية الكاتب في تشكيل أحداث مستوحاة من مرويات تاريخية بسرد روائي، لا يتقيّد أو يلتزم بها في الكثير من الأحيان.
الخميس 2018/06/07
الروائي ليس مؤرخا

هناك من يرى بضرورة التزام الروائي الذي يتناول التاريخ بالنقل من التاريخ دون تدخل، وآخرون يرون أن الروائي ليس شاهد عيان يستحضر الماضي بشكله الجامد، بل مبدع يحتكم إلى مخيلته ورؤيته وأدبية النوع الروائي التي توفِّر له حرية التصرُّف في الوقائع التاريخية كيفما شاء، وبحسب هدفه من كتابة عمله السردي.

من بين ما أفضى إليه هذا الجدل حول علاقة الرواية بالتاريخ، اقتراح الناقد عبدالله إبراهيم مصطلح “التخيّل التاريخي” في كتابه “التخيل التاريخي: السرد، الإمبراطورية، والتجربة الاستعمارية”، ليحل محل مصطلح “الرواية التاريخيّة”، مبيّنا أنّ هذا الإحلال سوف يدفع بالكتابة السرديّة التاريخيّة إلى تخطّي مشكلة الأنواع الأدبيّة وحدودها ووظائفها.

وعرّف إبراهيم “التخيّل التاريخي” على أنه “المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية، فهو لا يحيل على حقائق الماضي ولا يقررها ولا يروج لها وإنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسّرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال والتاريخ المدعم بالوثائق، لكنه تركيب ثالث مختلف عنهما”.

 وخلص إبراهيم إلى أنه لم يبق بالإمكان قبول التصورات الأولى لوظيفة “الرواية التاريخية”، كما أشار إليها الروائي جرجي زيدان وأمثاله المؤسسين لهذا النمط من الكتابة؛ معتبرا أنها قد استنفدت طاقتها الوصفية بعد أن جرى تحويل جذري في طبيعة تلك الكتابة السردية التاريخية التي استحدثت لها وظائف جديدة لم تكن معروفة آنذاك.

رواية التاريخ تتعالى على المعتاد والمطروح من زاوية أنها ليست انحيازا للشكل كما هو الحال في الرواية الميتاسردية

لكن الناقد المغربي سعيد يقطين اختلف مع إبراهيم حول المصطلح الذي اقترحه، اعتقادا منه بأن “الرواية التاريخية” مفهوم نوعي لاتصاله بتحقق سردي له تاريخ في الإنجاز الروائي العربي والغربي. ولا يمكن لأيّ كان أن يدعي أنه سيلغيه من التاريخ، ويتم تعويضه بمفهوم آخر.

ورأى يقطين أن هذا الاقتراح يقضي باستبدال مفهوم نوعي بآخر، فهل هذا الاستبدال أو الإحلال، يدخل في نطاق تطوير الأنواع السردية؟ وهل هو تفكير من داخل نظرية الأنواع السردية أو من خارجها؟

يأتي مبرر الجواب للذهاب إلى أن هذا الإحلال سيدفع باتجاه تخطي مشكلة “الأنواع الأدبية” وحدودها ووظائفها. إنه يقول بإحلال “نوع” جديد محل “نوع” قديم. ومعنى ذلك، استلزاما، أنه يفكر داخل نظرية الأجناس الأدبية والأنواع السردية. لكن مقصوده يتعدى نظرية الأنواع وحدودها ووظائفها؟ أي أنه دعوة إلى إلغائها وهنا مكمن تناقض واضح.

في سياق هذا الموضوع صدر حديثا للناقدة العراقية نادية هناوي كتاب بعنوان “السرد القابض على التاريخ” عن دار غيداء للطباعة والنشر في عمّان، تتبنى فيه مصطلح “رواية التاريخ”، الذي تقترحه كصيغة سردية، وفحصه ومقارنته مع مفاهيم وطروحات عربية وأجنبية لمفكرين وفلاسفة منهم بول ريكور ومارتن هيدغر وهايدن وايت.

إن رواية التاريخ، في رأيها، تتعالى على المعتاد والمطروح، من زاوية أنها ليست انحيازا للشكل كما هو الحال في الرواية الميتاسردية، وهي لا تغلب الإطار الموضوعي كما هو شأن الرواية التاريخية والرواية الواقعية، بل هي أجناسية سردية بغيتها الأساس هي الاشتغال الشكلي والموضوعي معا، في إطار ما بعد حداثي يتبنى طروحات فلسفية معينة.

جدل نقدي في الكتابة لن يحل تشابكه إلا المستقبل
جدل نقدي في الكتابة لن يحل تشابكه إلا المستقبل

لكن هناوي تعترف بأن إثبات مصطلح “رواية التاريخ” على مصطلحات أخرى مثل “رواية محكي التاريخ” أو “رواية المتخيل التاريخي” أو “الرواية الميتاتاريخية” وغيرها، أمر شبه محال لأن ذلك يتطلب توافقا نقديا عربيا من نواح مختلفة تتصل نظريا بالترجمة والفلسفة والتاريخ واللغة والنقد والسرد.

 ورغم ذلك ترى إن إمكانية اجتراح توصيف ما والاهتداء إليه لا يفسد في المسألة أمرا، ولا يصادر توجهات معينة، كما لا يناقض توجهات أخرى، وإنما هو اجتهاد لا تقدمه إلا على سبيل الاقتراح والتصنيع.

يُعنى كتاب “السرد القابض على التاريخ” بمفهوم التاريخ من حيث كونه مادة سردية خاضعة للصدق أو عدمه، والتي يسعى السرد المعاصر إلى التماهي معها والإبانة عنها، ومديات الإفادة من وسائل عمل المؤرخ في عمل السارد لا بهدف التوثيق بل الاستعادة.

ورغم أن هناوي لا تختلف كثيرا في مقاربتها للعلاقة بين الرواية والتاريخ عن مقاربة عبدالله إبراهيم، أرى أن المصطلح الذي اقترحه الثاني أكثر تمثيلا لهذه العلاقة، فهو كفيل بتفكيك ثنائية الرواية والتاريخ ودمجهما في هوية سردية جديدة، ولا يرهن نفسه لأي منهما، فضلا عن كونه يحيّد أمر البحث في مقدار خضوع التخيلات السردية لمبدأ مطابقة المرجعيات التاريخية.

ولعل الدراسات النقدية التي ستُكتب في المستقبل عن هذه العلاقة الإشكالية تبرهن أيّ المصطلحين أكثر دقة وثباتا.

14