خلدون سنجاب قاوم الشلل بشفتيه لينبغ في عالم البرمجة

خلدون سنجاب أو “الشاب المعجزة”، مثلما يلقّبه كل من يراه، تعرّض منذ عشرين عاما لحادث خلّف له حالة شلل عميقة، ولم يبق له سوى عضلات الوجه.. الإصرار والمثابرة أتاحا له اليوم قدرة فائقة على التميّز في مجال البرمجة المعلوماتية وابتكار تطبيقات تتهافت عليها الشركات، مستخدما فقط شفتيه ولسانه.
السبت 2015/06/13
عبقرية خلدون سنجاب تؤكد أن الإصرار على النجاح كفيل بتذليل كل الصعوبات

بابتسامة تحمل الكثير من معاني الأمل والصبر والإصرار، يستقبل الشاب السوري خلدون سنجاب زائريه، الذين يقفون مبهورين أمام حركات شفتيه ولسانه، وهو يحرّك بهما فأرة الكمبيوتر، مترجما بشكل عملي، شعارا يردده دائما: “لا يأس أبدا في هذه الحياة، فالأمل معقود دائما بالله”.

وكان سنجاب قد تعرّض، وهو في الـ17 من عمره، لحادث أثناء ممارسته السباحة على شاطئ مدينة طرطوس السورية، أدى إلى إصابته بشلل رباعي في جميع أنحاء جسده عدا عضلات الوجه.

إصابة خلدون (38 عاما) بشلل شبه كامل يسمى “الحجاب الحاجز” جعله يستخدم جهاز تنفس صناعي بشكل دائم، ليبقى على قيد الحياة، فحقّق بما تبقى له ما لم يستطعه أصحّاء الجسد.

لا قيود تسجن أحلام وطموحات سنجاب، الذي يرى أنه “بالإصرار والمثابرة والتحدي والتوكل على الله يمكن للإنسان أن يحقق ما يصبو إليه”، قائلا بصوته الهامس “رسالتي للجميع هي أن على الإنسان أن يستغل وقته وصحته، ليكون منتجا قبل فوات الأوان”.

هذه الرسالة تبعث يقينا يشع من عينيه، يقول “عندما يصيبك اليأس، فلتغيّر حينها وجهة قلبك وقبلته، من المخلوق إلى الخالق، وابتسم فالابتسامة تفتح الأبواب المغلقة”.

الحياة “لا تنتهي بالبلاء طالما أن هناك عقلا سليما، وقلبا مؤمنا، ولسانا ذاكرا، وصديقا صدوقا، وأملا برحمة الله في الدنيا والآخرة”، وفق ما يؤمن به سنجاب، الذي وضعت شاشة حاسوب قربه، وأمام شفتيه فأرة صمّمت خصيصا لحالته، حيث يغوص نحو عشرين ساعة يوميا في ذاك العالم الافتراضي، عالم الإنترنت والبرمجة، معتــمدا عــلى توظيف لــسانه وشفـتيه وفكره المتيقظ.

صمّم سنجاب، تطبيقات كثيرة أبرزها “المكتبة البرمجية”، التي تستخدم لتصنيع تطبيقات ورسومات ثلاثية الأبعاد، وتطبيق لتعليم الصلاة، ومكتبة برمجية لحساب مواقيت الصلاة، وبرنامج خاص لمؤثرات الفيديو، وألعاب ثنائية وثلاثية الأبعاد، إضافة للوحة مفاتيح فعلية للكتابة باستخدام فأرة الحاسوب.

عبقرية خلدون سنجاب تؤكد أن الإصرار على النجاح كفيل بتذليل كل الصعوبات

ويشير إلى أنه يعمل لدى عدة شركات عالمية من سريره، ببرمجة أجهزة الحواسيب، وتركيب برامج الحماية ومديرا لـ”سيرفرات لينكس” منذ سنوات طويلة، شاكرا أحد أصدقائه الذي طوّر فأرة الحاسوب بحيث يحرّكها بلسانه وشفتيه.

ويوضح سنجاب، الموجود حاليا في بيروت، أنه اضطر أيضا ليعكس طريقة تفكير عقله في تحريك الفأرة “فعندما وضعوا الفأرة أمام فمي باتجاهها الطبيعي، أصبح الجزء غير الفعّال منها هو الأقرب إلى فمي، فاضطررت لقلبها، فصرت إذا أردت تحريك سهم الفأرة في شاشة الحاسوب نحو اليمين أحرك لساني وشفتي نحو اليسار، والعكس صحيح، وعندما أريد تحريك السهم نحو الأعلى أحرك لساني وشفتي نحو الأسفل، والعكس صحيح، والأمر أصبح طبيعيا عندي”.

ويلفت إلى أنه يمتلك الكثير من المشاريع التي يرغب في تنفيذها في المستقبل وفق جدول زمني محدد، مشيرا إلى أن ما ينقصه “قليل من الوقت، بعيدا عن العمل الرسمي، لأنتج وأبدع الكثير، فأنا أحبّ أن أكون منتجا في كل وقت”.

وضع سنجاب الصحي لم يحرمه من أن يكون ربا لأسرة، فتزوج عام 2008 من يسرا، التي تقف دائما بجواره في أي مقابلة، فخورة به وموصلة صوته الهامس إلى من حوله، ما يجعل سنجاب يعتبرها “جوهرة، وملاك أرسله الله إليّ من السماء، أرجو الله أن يقدرني على إسعادها”.

يسرا زوجة خلدون سنجاب: لم أسمعه يوما يتأفف من حالته.. هو صاحب أخلاق عالية جدا، يتميز بصبره وطول باله وحلمه

تتحدّث يسرا عن علاقتها بزوجها، قائلة “تزوجته لأنني أحببته بكل بساطة”، وأضافت “كان يشرح لي بعض الدروس وأنا في المرحلة الثانوية، فأحببته ووقع النصيب”.

وتتابع “أنا سعيدة جدا أن أكون في خدمة خلدون فور مناداته لي، لا أشعر إلا بالرضا التام والحب الكبير معه وتجاهه، وأنا مقتنعة جدا باختياري وقراري.. خلدون يعني لي الكثير، فهو زوجي وحبيبي وصديقي، وكل شيء في هذه الحياة، ليس لنا إلا بعضنا البعض”، مؤكّدة أنها لم تسمعه منذ تزوجا يتأفف من حالته، فهو “صاحب أخلاق عالية جدا، يتميّز بصبره وطول باله وحلمه”، على حد وصفها.

وتشير يسرا إلى أن الأوضاع التي تشهدها سوريا حاليا، “دفعتنا في نهاية 2012 إلى التوجّه إلى لبنان، ولكن للأسف الوضع هنا لا يصلح لإقامة شخص بحالة خلدون الصحية، فهناك الكثير من المعاناة، وقد تعرّض للموت 5 مرات بسبب انقطاع التيّار الكهربائي وتوقف جهاز التنفّس الاصطناعي”، معربة عن أملها في أن “تتوفر أسباب السفر إلى دولة أخرى، تكون فيها الحياة أسهل بالنسبة إلى خلدون، وأقل خطورة على حياته”.

وجهت يسرا نداء إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لزيارة زوجها في بيته، مستنكرة عدم زيارة أي من موظفي المفوضية لهم، بل وطلبهم أن يحضروا “خلدون سنجاب” إلى مكتب المفوضية في بيروت، وهو أمر صعب للغاية، حسب قولها.

عبارات الحمد لا تغيب عن لسان سنجاب، الذي يعتبر أنّه يعيش بنعمة كبيرة، قائلا “طالما أنا على قيد الحياة، فأنا بنعمة عظيمة جدا، وطالما أن عقلي سليم فهذه نعمة أكبر من أي نعمة أخرى”، مشددا على حمد الله دائما “وأنا أدعوه أن يعافيني، بالرغم من أنني بنعمة كبيرة الآن”. وعن بسمته التي لا تفارق وجهه، تساءل سنجاب “لماذا أحزن؟! وما الداعي إلى ذلك؟!”، مضيفا “صحيح أن الله أخذ مني أمرا، ولكنه أعطاني الكثير سواه، وحالي حاليا يستحق مني أن أكون مبتسما دائما”.

20