"خلسة في كوبنهاجن" رواية الشتات الفلسطيني

الخميس 2014/07/17
أحيانا تتورط عيسى عاطفيا في السرد، ليعلو صوتها على أصوات الشخصيات كأنها إحداها

دمشق - عن دار “الآداب”، ببيروت، صدرت رواية “خلسة في كوبنهاجن”، للكاتبة والروائية الفلسطينية سامية عيسى، ويتناول هذا العمل الثاني بعد روايتها “حليب التين”، معاناة شعب كامل يقاسي الأمرين لتحديد انتمائه وهويته وإبراز محاولاته لاستعادة الأرض التي هجّر منها. كما تبني عيسى صورا من ملحمة الشتات الفلسطيني، كجزء من تاريخ نضال طويل ما زال مستمرا إلى حدّ اليوم.

الحكاية التي تدور حولها رواية “خلسة في كوبنهاجن” بسيطة، فاطمة الأم التي فقدت أبناءها تُفاجأ مرة برؤية ابنها عمر الذي ظنته ضائعا على التلفاز لتبدأ رحلة البحث عنه ومحاولة إعادته إلى كنف العائلة، إلا أن حبكة الرواية تتعقد، لتصبح أشبه بألبوم صور كل منها يروي حكاية عن القمع و التهجير الذي شهده الشعب الفلسطيني.

فالحبكات الفرعية تقدم صورا مختلفة لملحمة الشتات التي انتهت بجيل كامل في أوروبا والدول الأسكندنافية خصوصا التي بسبب اتفاق أوسلو وجدت نفسها أمام واجب أخلاقي باستقبال اللاجئين، تنتهي الرواية بعودة عمر الابن الضائع إلى أسرته بعد المحاولات المضنية التي يقوم بها حسام -ابن أخيه- ليستعيد عمر ذاكرته ويعود إلى كنف الأسرة.

تطرح الرواية العلاقة مع الآخر بصورة إشكالية، الآخر الفلسطيني والعربي الأوروبي وحتى اليهودي


معالم الشتات


العنوان ذاته يطرح إشكالية الانتماء، حيث ترسم الرواية فضاءين كل منهما يسير بصورة موازية للآخر، فلسطين الذكرى والأرض البعيدة التي انقطع عنها المهجّرون إثر الويلات التي ذاقوها فيها وفي لبنان وكوبنهاجن، المدينة المختلفة كليا عما اعتادوه وتبرز كذلك محاولاتهم لتأسيس وجود جديد في دول تعطيهم فقط حقوقهم الإنسانية.

أما “الخلسة” فهي تعكس الحيوات السريّة التي عاشها كل من شهد هذا الشتات في محاولة لتجاوز جوانب رهيبة ستبقى طي النسيان، ففاطمة الجدة أدمنت العادة السريّة، وصديقة عملت بائعة هوى في دبي، أما حسام فيحاول التأسيس لانتمائه الجديد، وعمر العم الضائع فهو متعدد الانتماءات، هو الفلسطيني الذي نجا من الموت صغيرا، وهو عاموس ابن اليهودي عمير الذي تبناه بعد فقدان ذاكرته، وهو آدم آدم، العالم الشهير ذائع الصيت، الكل يخفي داخله ذكريات ومحن، إما تدفعه للانحلال في المجتمع الجديد وتبني عاداته، أو التكتّل في أحياء شعبية “غيتو” يحاول سكانها الحفاظ على ما تبقى من انتمائهم.

كما أن صوت الراوي بارز في الرواية، فأحيانا تتورط عيسى عاطفيا في السرد، ليعلو صوتها على أصوات الشخصيات كأنها إحداها، ولتتحدث بصوت من يحاكم الوطن والدول والأفراد على مواقفهم، من الصعب أن تحافظ على حيادها، فالقضية لم تنته بعد، فهي مستمرة، وتتوغل في التفاصيل اليومية لكل فلسطيني.

تتناول الرواية جانبا هاما من القضية الفلسطينية وهي العنصرية، عنصرية الآخر، إذ تطرح مفهوم “اللاوطن” الذي انتشر في مخيّمات اللجوء بالدول الأسكندنافية، فصورة اللجوء في هذه الدول ليست لامعة كما يظن البعض، إذ أن اللاجئين يتم تعريفهم بأنهم دون وطن، دون أيّة هوية تثبت انتماءهم، يعيشون معلقين في التاريخ وفي المكان، محرومين من حقوقهم، والاحتجاجات التي شهدتها النرويج والدنمارك تعكس هذه الحالة.

فالحكومة هناك حاولت تجاهل ما يحدث، وهبوب رياح الربيع العربي دفع إلى قيام مظاهرات للمطالبة بالحقوق المدنية، التي لم تعد فقط من مطالب الفلسطيني، بل لكل المهجرين والمشتتين من أوطانهم بفعل الحروب والقمع، هناك إشارات للجوء السوري في هذه الدول والمعاملة التي ينالها اللاجئون بعد أن هجّروا من أوطانهم، هو استغلال من قبل الدول ومحاولة لتبييض الأوجه على حساب المأساة والمعاناة.

كأنك معلق في الفضاء، تعيش تاريخ أرضك، وتاريخا آخر تحاول صناعته الآن، الأمر أشبه بسقوط مستمر لا نهاية له، الشتات ليس فقط أن تفقد وطنك وأسرتك، هو أزمة وجودية، إذ تعيش تناقضين، ما كنت، وما ستكون، أيهما يستحق العناء أكثر، في النهاية لا توجد إجابة واضحة عن هذا السؤال، الرواية ترسم معالم الشتات الفلسطيني واليهودي أيضا، شعبان كل منهما يفقد ما يمتلك ويدفع حسابا لا ذنب له فيه، الكل مهدد بالفقدان دائما، الشتات يتسع ليشمل كل معذب وكل لاجئ، إذ لا مفر من أوجاع الذاكرة المفاجئة التي تحطم الأفراد ليتحولوا إلى أشبه بالعالقين ضمن متاهة، أن تكون بعيدا لا يعني أن تَنسى.

ينسحب ذلك على الجسد وما يعانيه في ظل الشتات، البعض أدمن المخدرات لينسى، البعض تورط في المافيا، المهم أن ينجو، الجنس أصبح معادلا الوجود، البعض ينفي وجوده فيمتنع عنه في الشتات، هو الخوف من الانتماء لتلك الذاكرة مجددا، محاولة للهرب، حسام أحب امرأتين، منى الفلسطينية التي تقاسمه وجدانه وانتماءه ويتمنى لو يضيع في حضنها للأبد، ويارا ذات الأصول اليهودية التي تشاركه انتماءه الفكري، فالموضوع يتجاوز اللذة ليصل إلى حدّ الخوف من الجسد، حتى عمر الذي فقد ذاكرته كره الجنس، يشعر بالقرف من العملية بأكملها، هو الامتناع عن توريط الجسد في ظل ما شهده من عذابات، محاولة للحفاظ عل ما تبقى منه بعيدا عن إنهاك الجنس.


أزمة ثقافية


اللاجئون والمحكومون بالشتات، يقفون أمام أزمة ثقافية، حقوق لم يعرفوها أصبح بإمكانهم ممارستها، المشاركة السياسية وحق المرأة في المطالبة بحقوقها كانا صدمة للكثيرين والكثيرات، حتى أن بعضهم رفض الزواج كي “لا يتبهدل” السطوة الذكورية تختفي، الأنثى أصبحت سيدة نفسها، بعيدا عن ذكريات الاغتصاب والقهر.

معالم التكنولوجيا الجديدة وأساليب الاتصال غيرت من شكل الانتماء إلى القضية والأرض، حلم العودة التقليدي لم يعد يكفي، لا يستغنى عنه، لكن تغيّرت أساليب التعامل معه، هذا ما دفع حسام لتأسيس موقع “الشمال” الإلكتروني، في محاولة لتجميع الجالية الفلسطينية وتحقيق الترابط بينها، ومساعدة المهجرين في بلد يحق فيه للشخص أن يصرّح بالخطإ وأن يطالب بحقه إن كان على صواب، الشمال هو سيد الاتجاهات، هو أساس الاستدلال عن باقي الاتجاهات في حال الضياع.

وتطرح الرواية العلاقة مع الآخر بصورة إشكالية، الآخر الفلسطيني والعربي الأوروبي وحتى اليهودي، الفلسطيني هو الشريك في العذاب، ولا بدّ أن ينتصر الأخ لأخيه مهما كانت الظروف، العربي هو الظالم أحيانا وأحيانا المُعيل، هو الذي شارك في التهجير وفساد النضال وأحيانا الأمل بالخلاص.

أما الأوروبي فلا يمكن التعويل عليه فهو لم يذق عذابات المذابح والمجازر والتهجير الممنهج من الأرض، أما اليهودي، فهو أيضا ضحية، كما الفلسطيني، بالرغم من الدهشة التي أصابت عددا من الشخصيات إثر وقوفهم وجها لوجه مع يهودي ممّن يعتبر عدوا، نرى أن الشتات يتشابه، والمأساة مشتركة، كلاهما ضحية التهجير الذي استغل الشعوب، كحال يارا التي أحبها حسام، وحال عمر نفسه الذي أًصبح عاموس أيضا، وأصبح يحاضر في تل أبيب وربّاه عمير أحد الناجين من المحرقة، هذا الآخر يشارك الفلسطيني عذاباته، يدفعون جميعا أثمانا متشابهة، عقدة الانتماء الضائع لا يمكن الفكاك منها بسهولة، الجنسية الجديدة لا تمحي تلافيف الذاكرة ولا تذيب الأمل بالعودة.

15