خلف "أسوار عالية" عائلات يفككها الفقر والمخدرات

يوميات مبعثرة تبرز جانب من المعاناة اليومية من جراء الفقر.
الأحد 2021/05/16
يوميات لنساء ضائعات وسط دوامة صانعوها رجال

في السينما المصرية هنالك انشغال كبير باليوميات الواقعية وخاصة ما يمكن أن نسمّيه بسينما الهامش وهو نمط سينمائي أكثر واقعية والتصاقا بأكثر الطبقات فقرا ومعاناة، وبهذا فقد شاهدنا الكثير من القصص التي تدور في الضواحي أو في العشوائيات وحيث تتجسّم المعاناة اليومية من جراء الفقر وحيث أن الشخصيات شبه محطمة وأحلامها مكسورة وهي تبحث لنفسها عن حياة أفضل.

ولا يخرج فيلم “أسوار عالية” للمخرج هشام العيسوي كثيرا عن هذا الإطار سوى أنّه يكمّل بيئة الفقر مع طبقة أخرى أفضل حالا ولكنها غارقة في المخدّرات، وعلى تلك الخلفية يتم نسج أحداث هذا الفيلم الذي كتبت له السيناريو أمل عفيفي وهي تقدّم فيلمها الرابع ككاتبة سيناريو.

ينتقل بنا هشام العيسوي إلى ما يشبه اليوميات المبعثرة التي تبدأ بفاجعة أن تكتشف أم عبدو الخادمة (الممثلة انتصار) بصحبة ابنتها أحلام (الممثلة رندا البحيري) الزوجين اللذين تعمل في منزلهما مغمى عليهما أو ميتين، لا ندري ولا يخبرنا الفيلم، ونكتشف في ما بعد أنهما ليسا إلا مدمنين للمخدرات وقد تعاطيا جرعة كبيرة.

ومن هنا سوف ننطلق في تتبع أحداث الفيلم عندما تتجاور المخدرات مع حياة طبقة الأغنياء والفقراء على السواء، وهو محور أحداث الفيلم وسبب ما يصيب الجميع من كوارث مثل انهيار مستقبل ميرفت (الممثلة رانيا يوسف) بسبب تعاطيها المخدّرات.

خلال ذلك لا شك أن أسلوب هشام عيسوي صاحب فيلم الخروج والثمن وغيرها، يحيلنا إلى ذلك التنوّع في مقاربة الأحداث والشخصيات والذي يبدأ بإيقاع سريع ولقطات متنوّعة وهو يوحي بتمكّن ملحوظ في إدارة تلك الدراما المتصاعدة، ولكن وفي نفس الوقت كان هنالك نوع من التفكك وعدم الترابط وخاصة في الانتقالات المكانية المفاجئة أو التنقل بين الشخصيات، وكأننا أمام عملية انتقائية سريعة لجانب من الحياة اليومية للشخصيات المأزومة.

أسلوب المخرج يحيلنا إلى ذلك التنوّع في مقاربة الأحداث والشخصيات والذي يبدأ بإيقاع سريع لكنه يتفكك
أسلوب المخرج يحيلنا إلى ذلك التنوّع في مقاربة الأحداث والشخصيات والذي يبدأ بإيقاع سريع لكنه يتفكك

ومن ذلك الغموض في بداية الفيلم حول مصير الزوجين هل هما ميتين أم في حالة إغماء، ومن ثم العودة إلى الماضي من دون إشعار المشاهد وكذلك الأمر في نوع العلاقة التي تربط ميرفت بزوجها وهي أقرب إلى علاقة يجمعهما فيها تعاطي المخدّرات لا أكثر.

في المقابل وإذا مضينا مع المخرج في تلك الرحلة الانتقائية في المسار اليومي للشخصيات، فهنالك أحلام التي تبحث عن والدها الذي سوف تعثر عليه في السجن من دون أن يروي هو على الرغم من ظهوره المتكرّر ما هي مشكلته وما هي طبيعة شخصيّته وكيف تم الزج به في السجن، وأحلام أكثر تفاعلا مع أسرتها ولكن بسبب الفقر تلجأ للعمل في توصيل المخدّرات للزبائن الأثرياء تحت سيطرة الحاج فاروق (الممثل عبدالعزيز مخيون) الذي أدى دوره بسلاسة وهو يغطي على عمله في ترويج المخدرات من خلال إدارته لمقهى.

ولإحكام الدائرة التي تحيط بالشخصيات سوف تبرز شخصية علي (الممثل أحمد العوضي) مفتول العضلات الذي يعمل تحت إمرة الحاج فاروق ويصاحب أحلام في توصيل المخدّرات وهو في نفس الوقت ينسّق مع الشرطة بشكل ما.

وسط هذا سوف يتم إسقاط صفات إنسانية على شخصيات إشكالية، ومن ذلك مثلا حرص ميرفت على الخادمة والإشراف على علاجها، وهي خلال ذلك تريد استرجاع ابنتها، هذه التشعّبات الكثيرة أضعفت دور رانيا وجعلتها تتنقل بلا جدوى في دوّامة، ولم تعط أفضل ما عندها في أداء دورها سوى الغالب أنها تحت وطأة المخدّرات، ثم ميلودراميا يكون الحل الأخير هو أن تنتحر لكنها لن تموت وتسترجع ابنتها.

على صعيد السيناريو هنالك المزيد مما كان تجب العناية به على صعيد الحبكة الرئيسية والحبكات الثانوية، وهي جوانب مهمة حاول المخرج بأدواته البصرية وأدوار ممثليه تجاوزها، لكنّه لم يتفوّق كثيرا بسبب نوع من التشتت في عرض قصص الشخصيات بالإضافة إلى التشبث بصورة الواقع بشكل متكرّر والتركيز عليه مع أنه معلوم ومكشوف والبيئة التي تعيش فيها الشخصيات معلومة أيضا ومن ذلك مشاهد الميكروباص ومشاهد محاولة اغتصاب رانيا ثم خروجها إلى عرض الشارع وانتظارنا لها حتى تعثر على ميكروباص وهي تفاصيل زائدة ولا قيمة لها.

على صعيد حركة الكاميرا وزوايا التصوير فلا شك أن ما قدمه مدير التصوير حازم العتر فيه الكثير من عناصر التميّز فقد واكب الشخصيات في تحوّلاتها وكان يعبّر عن شخصياته القلقة والمشتتة بشكل ملفت للنظر وبما في ذلك استخدام الكاميرا المحمولة على الكتف والتنوّع في حجوم اللقطات.

في المقابل بقي هنالك فراغ ما يمكن أن نسمّيه لحظة الحقيقة، كانت هنالك حاجة إلى ذروة درامية من الممكن أن تشدّ المشاهد وتصعّد الأحداث إلى مستوى آخر ومن ذلك المواجهة التي لم تتحقق مع الحاج فاروق وعصابته، بل بالعكس عاد إليه علي ليثبت أنه ما يزال يعمل تحت خدمته فضلا عن الحل المبهم بالنسبة لأحلام ومصير والدها، هل هو ضحية أم هو جزء متعمّد من حالة الخراب.

15