خلف القضبان.. سياسي ببزة عسكرية وسيجار كوبي

السبت 2013/10/19
طارق عزيز.. لاعب جوهري في أحداث العراق

عشية غزو العراق استدعى صدام حسين كلا من طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء، ومحمد سعيد الصحاف، وزير الخارجية والإعلام، إلى اجتماع عاجل لتدارس تطورات الحشد الأميركي، ووجه صدام سؤالا إليهما حول مسار الأزمة، فبادر الصحاف بالقول إن العمل العسكري الوشيك لا يختلف عن عملية ثعلب الصحراء في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون التي استمرت أربعة أيام، فيما خالفه طارق عزيز الرأي قائلا إن الأميركان هذه المرة سيحتلون العراق ويسقطون النظام.

وصدقت رؤية طارق عزيز حيث غزا الأميركان العراق في 20 مارس-آذار 2003، سلّم خلالها طارق عزيز نفسه وأعدم صدّام حسين فيما فرّ الصحاف بجلده.

يظهر أحيانا في صورة البطل العراقي، المعروف ببدلته العسكرية وسيجاره الكوبي، وأحيانا أخرى يقدّم في صورة "المجرم" المتهم بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، هذا يعتمد على الجهة المتحدّثة عن طارق عزيز.

لكن المؤكّد الذي يتفق عليه الجانبين هو الحظوة التي كان يتمتّع بها عزيز عند الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين، والدور الذي لعبه منذ انضمامه إلى حزب البعث في الخمسينات من القرن الماضي، إلى اللحظة التي سلّم فيها نفسه إلى القوات الأميركية في 24 أبريل 2003 بعد اجتياحها للعراق.

في سجنه كما في حياته السياسية كان لاعبا جوهريا في أحداث العراق، وتصريحاته التي أدلى بها وهو في السجن لا تقلّ أهمية وخطورة عن تصريحاته ومخطّطاته حين كان الذراع الأساسية في السياسة العراقية.

يقول عزيز عن صدّام حسين، في مقابلة صحفية أجراها معه المتحدث السابق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ، وهو في السجن، وقبل أن يأخذ منه المرض مأخذه: "للتاريخ هو رجل قيادي ومثقف وشديد في نفس الوقت، وكان محبا للقراءة ومهتما ببناء العراق بناء ثقافيا وعسكريا وصناعيا".

وروى أن صدام قال في أحد الاجتماعات لمجلس الوزراء "لو كان أبوزياد- لقب طارق عزيز- مسلما لصار رئيسا للوزراء".

وسئل عزيز عن تديّنه فأجاب: "أجد نفسي أقرب إلى الإسلام من المسيحية لكني بقيت على المسيحية (…) قررت بيني وبين نفسي ألا أصبح مسلما بشكل علني، حتى لا يقال إنه غير دينه من أجل المنصب".


السياسي المثقّف

طارق عزيز ليس فقط الدبلوماسي البارع والمحاور السياسي المقنع، وإنما يعدّ من أبرز المثقفين والمفكرين والإعلاميين على المستويين العراقي والعربي، وهو صاحب مدرسة متميزة في كتابة المقال السياسي والافتتاحات والتحليل، إذ قضى عشرات السنين من حياته في العمل الصحفي والإعلامي والثقافي والفكري، وعمل في الصحافة اللبنانية والسورية والعراقية وعلى يديه قامت مؤسسة (دار الثورة للصحافة والنشر).

عزيز.. الدبلوماسي البارع والمحاور السياسي المقنع
ولد طارق عزيز عام 1936 في بلدة تلكيف شمالي الموصل، لأسرة كلدانية، درس اللغة الإنكليزية في كلية الآداب بجامعة بغداد وعمل في الصحافة في مقتبل عمره، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة "الثورة" الناطقة باسم حزب البعث العراقي.

1977 : بدأ شغل مناصب قيادية في العراق ولاسيما في مجلس الثورة.

1983 – 1991 : تولى مهمة وزارة الخارجية العراقية.

1984: استقبله دونالد ريغان في البيت الأبيض باعتباره مهندس العلاقات العراقية الأميركية.

1979 -2003 تولى منصب وزير الإعلام وعمل نائبا لرئيس الوزراء.

2003: سلم نفسه للقوات الأميركية بعد أيام من اجتياحها بغداد.

2009: حكم عليه بـ15 سنة سجنا بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

2013: يقبع سجينا في سجن الكاظمية في العراق.

ويروي مدير مكتبه السفير سامي سعدون أن طارق عزيز، مجيد في الكتابة باللغة العربية ومتميز في الحديث، ولذوقه الرفيع ولمساته المميزة أثرهما في قيام صروح ثقافية وفنية وسياحية راقية في العراق على غرار "دار الأزياء العراقية" و"مدرسة الموسيقى والباليه" و"معهد الدراسات النغمية" و"الفرقة القومية للفنون الشعبية" و"دار ثقافة الأطفال" و"مؤسسة السينما والمسرح" و"البانوراما في سلمان باك"، ومن الفنادق التي قامت تحت إشرافه مجموعة فنادق "خمسة نجوم" ومجمعات رئاسية استعدادا لمؤتمر بغداد لعدم الانحياز الذي كان مؤملا انعقاده في عام 1982 لولا الحرب الإيرانية العراقية التي جعلته ينعقد في نيودلهي.


عزيز وصدام

لم يحظ مسؤول عراقي بثقة الرئيس الراحل صدام حسين، كما حظي بها طارق عزيز، ما وضعه بالصف الأول في قيادة الحزب والدولة العراقية على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

في معرض وصف علاقته بصدام حسين، قال عزيز، المعتقل منذ نيسان عام 2003، إنه صديق عمره ورفيق دربه، وقد كان يوم إعدامه أصعب يوم في حياته، فهم "قتلوا روح العراق".

معروف أنه لكل رجل قيادة حلقة مصغّرة من الرجال والمستشارين يستعين بهم ويتشاور معهم في أكثر القرارات حساسية، وفي دائرة صدّام حسين، كان طارق عزيز أحد أكثر المقرّبين إليه.. هو يده اليمنى وأبرز معاونيه.. يأتمنه على كتابة خطاباته وصياغة القرارات التي كانت تصدر عن اجتماعات القيادة العراقية.

كان عزيز صاحب موقف ورأي يجهر به أمام صدام وفي اجتماعات القيادة العراقية عند مناقشة أخطر القضايا التي كانت تواجه العراق، وكان صدام ينصت إليه ويأخذ بآرائه ومقترحاته، ما وضعه في الخلية المقربة من رأس النظام وموضع ثقته.

على مدى العقود الماضية تحمّل عزيز مسؤولية قيادة الدبلوماسية العراقية وأشرف على السياسة الخارجية بعد قطاع الثقافة والإعلام في أحلك الظروف لمواجهة التحديات التي عصفت بالعراق، مدافعا عن وجهة نظر بلاده في المحافل العربية والدولية، ومن أبرز مواقفه اعتباره الاجتياح العراقي للكويت خطأ كبيرا، وقد عبّر عن ذلك في أحد تصريحاته قائلا: "وضع الكويت كان مختلفا وكان غلطة كبيرة، رغم أن الكويت خفضت أسعار النفط وضيقت على العراق، لكن كان علينا الصبر وليس الحرب".


في سجن الكاظمية

ما يعزز دور ومكانة عزيز في تمثيل العراق بالخارج اعتراف أحمد عبدالستار الجواري، وزير التربية في عهد الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر، بأهلية طارق عزيز لحضور المؤتمرات لثقافته الإسلامية بعدما كان يعترض على ترؤسه أو مشاركته مع الوفد العراقي لمؤتمرات منظمة المؤتمر الإسلامي.

وأثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 وعند مرور الوفد العراقي برئاسة طارق عزيز بطهران في طريقه إلى موسكو لمناقشة المبادرة السوفياتية لوقف الحرب كما يكشف مدير مكتبه، أصرّ الجانب الإيراني على ترتيب لقاء رئيس الوفد مع الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني وكان اللقاء منفردا استغرق ساعة واحدة خرج بعدها طارق عزيز محمرّ الوجه وعلامات الغضب واضحة داعيا بجعل طريق العودة إلى بغداد عبر الأردن وليس طهران، قائلا لا أريد أن أرى هؤلاء؟

ويوضح السفير سامي سعدون "فهمت من خلال إعداد المحاضر، أن رفسنجاني حاول التشفي بما يحصل للعراق بعد أن فشل في معرفة نوايانا في المساومة إذ رفضنا طلبا بتسليم العراق "مجاهدي خلق" أو السماح للإيرانيين بالدخول لتصفيتهم".

وحاول طارق عزيز من خلال موقعه ومسؤوليته عن إدارة الملف العراقي مع الأمم المتحدة وفرق التفتيش الدولية أن يدرأ شبح الحرب على بلاده ويكشف بطلان المزاعم بامتلاك بلاده الأسلحة المحظورة، رغم الاستجابة العراقية لشروط ومتطلبات قرارات مجلس الأمن.

ففي العام 1998 نجح في إقناع القيادة العراقية بالسماح لفرق التفتيش الدولية زيارة القصور الرئاسية التي كانت الإدارة الأميركية تروج أن أسلحة الدمار الشامل مخزونة فيها، في محاولة لنزع فتيل أزمة كادت أن تعرض العراق إلى ضربة عسكرية أميركية.

واصطحب عزيز في حينها وسائل الإعلام الغربية والعربية في جولة حرة في القصور الرئاسية المتوزعة في بغداد والرضوانية وقرب المطار الدولي، وكان يقود الصحفيين من غرفة إلى أخرى للتأكيد على خلو القصور الرئاسية من أية أسلحة محظورة، وشاركت في الجولة المذكورة كوني مراسلا لإذاعة مونت كارلو في العراق.

وترتب على موافقة العراق على دخول المفتشين إلى القصور الرئاسية مجيء أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان إلى بغداد والتقى صدام وعقد مؤتمرا صحفيا مع طارق عزيز كان من أكبر المؤتمرات التي شهدتها بغداد ووجهت سؤالا محددا إلى طارق عزيز مفاده، بعد انتهاء أزمة القصور الرئاسية، هل سيرى العراق النور في نهاية النفق، فكان رده، نعم، من غير أن يغلق الباب أمام النوايا الأميركية ضد بلاده.

طارق عزيز، الذي يفضل الموت على الحياة التي يعيشها وراء القضبان في سجن الكاظمية، في لقائه الشهير مع جيمس بيكر، وزير الخارجية الأميركي، في جنيف عشية الحرب على العراق عام 1991، وبعد تهديدات بيكر بأن أميركا ستعيد العراق إلى ما قبل العصر الصناعي، وأنها ستّغير القيادة العراقية وتنصب حكاماً من أتباعها، رد عليه طارق عزيز قائلا: نعم إنكم تستطيعون تدمير العراق بما تملكون من قوة ولكنكم لن تستطيعوا القضاء على العراق، فعمره سبعة آلاف سنة قبل الميلاد.. سيبقى العراق وأنتم الزائلون.

14