خلق الله أميركا

الخميس 2013/11/07

في أوج توتر العلاقات بين العرب والولايات المتحدة الأميركية، كانت هناك على الدوام، دعاوى تطل على خجل، تطالب بضرورة أن يجد العرب سبيلا لإنهاء حالة التوتر، فليس عدلا في حق أنفسهم وقضاياهم، أن يضعوا أمامهم وأمام هذه القضايا، عقبة كأداء لا سبيل إلى تجاوزها هي أميركا، وأن التفاهم والملاينة والمرونة، وسائط لا وجود لحل سواها.

واعتقد أن المفكر القومي المعروف نديم البيطار، هو الذي أطلق صرخته في ذلك الوقت، وهو الرجل العربي الذي اختار أميركا موطنا له، واختار العمل أستاذا في جامعتها، قائلا بأنه: ليس في يد العرب اختيار طريق للتفاهم مع أميركا، وليس في مقدورهم ذلك، بعد أن اختارت أن تسد كل الطرق التي تقود إلى أي إمكانية للتفاهم معها، إنها حالة ميؤوس منها، حالة جعلها المفكر المعروف أقرب إلى قدر سيزيف، الذي لابد أن يحمل صخرته فوق كتفيه ويطلع بها الجبل، وتسقط ليرفعها من جديد، دون وجود حل في الأفق للتحرر من هذه النقمة الأميركية، كما جاء في كتابه الموسوم «هل يمكن الاحتكام إلى أميركا».

واعترف شخصيا أنني أعود في بداية تكوين الوعي، إلى مرحلة المد اليساري، الذي كان يجعل من كراهية السياسة الأميركية عقيدة يؤمن بها، ومع ذلك كنت متحررا من سيطرة هذا الاتجاه، أتعامل بفكر مفتوح مع معطيات الواقع السياسي والاقتصادي، المحلي والدولي والإقليمي، بدون أفكار مسبقة وأحكام جاهزة، واعترف أيضا أنني كنت أستطيع أن أجد بوادر خير تقود إلى أميركا، وومضات أمل يمكن استغلالها للنفاذ إلى الجزء الدافئ من مشاعرها، واعتقد أن الأفق بدا أكثر انفتاحا، ربما بعد العدوان الثلاثي على مصر، وموقف إدارة أيزنهاور من هذا الاعتداء الذي أفشل العدوان، وجعل مصر تظهر على سطح الأحداث في صورة المنتصر، رغم الهزيمة العسكرية في سيناء.

وادلهم الأفق قليلا، لا أدري لماذا، ربما لاحتدام الصراع الشرقي الغربي واشتداد حلقاته في فترة من الفترات، الأمر الذي اقتضى أن يقوم نائب الرئيس الأميركي بجولة في المنطقة لحشد التأييد، قوبلت بالسخط والمظاهرات أواخر الخمسينات. ومثّل وصول جون كينيدي إلى البيت الأبيض مرحلة انفراج جديدة، حيث حصل نوع من المكاشفة وإعادة تقييم العلاقات عبر الرسائل التي تبادلها الرئيس عبد الناصر مع الرئيس كنيدي، وأبدى فيها الرئيس الأميركي تفهما واستعدادا للتعاون، إلا أن مقتله المفاجئ، أغلق تلك الكوة التي ظهرت في جدار العلاقات.

وجاء بعده خليفته السيد ليندون جونسون، يحمل تحيزاته وعنصريته، التي انعكست على مجرى الأحداث وشهد العرب في عهد هذا الرئيس أكبر هزيمة في تاريخهم المعاصر، وتحول أفق العلاقات العربية- الأميركية، إلى أفق أسود يصعب إطلاقا أن تقدح فيه شرارة واحدة، وحمل رحيل عبد الناصر بعض التغيير في المشهد، إذ جاء خليفته الرئيس أنور السادات، يحمل شعارا مفاده أن الأوراق كلها في يد أميركا، واستطاع بدهاء انتزاع نصر سريع خاطف، استرد به بعض حقوق مصر، وحصلت صيرورة سلمية صنعت انشقاقا في الصف العربي، ولم تكن المحصلة أي مردود إيجابي على العلاقات الأميركية- العربية ، فقد ظلت الأجواء عاصفة، والسماء مليئة بالسحب السوداء صيفا وشتاء.

وإذا أردت أن أضع إصبعي على أكثر الفصول تعاسة وبؤسا في هذه العلاقات وفي هذه الحقبة، وبشكل يماثل في إجرامه، الموقف الأميركي المعادي والظالم للقضية الفلسطينية، فهو ذلك الفصل، عندما أرادت أميركا أن تستنفر قوتها كاملة، لحسم الصراع مع الكتلة الشرقية لصالحها.

وهنا لعبت دورا خطيرا، إن لم نقل إجراميا بعامل الدين، وأيقظت براكين الدين الإسلامي وحممه، فتحرك زلزال الملالي في إيران، وتحرك زلزال طالبان بالتحالف مع القاعدة وقوى الإسلام المتطرف في أفغانستان، ورددت الأصداء إرهابا أسودا في أفريقيا وآسيا والخليج العربي والشرق الأوسط، ثم وصلت الأصداء إلى أوروبا وإلى أميركا اللاتينية، ثم إلى قلب العالم الجديد.

كان هذا اللعب بالدين وتحريكه من أجل أغراض سياسية، والصراع من أجل النفوذ والهيمنة على العالم إجراما في حق ديننا وفي حق شعوبنا، ومضينا ندفع الثمن أمس واليوم وغدا.

هنا مرحلة يصعب تجاوزها كما يصعب علاجها، إن لم تخلص النوايا، وتلتقي الأهداف وتتوحد الخطط، فلن ينفع أن ترسم أميركا خطة تسميها الحرب على الإرهاب، ثم تتحول حربها إلى إرهاب على الشعوب، وعلى قيم وعلى مناطق من العالم لا تتفق وأسلوبها في الحياة. يجب أن ينبع تصحيح الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها أميركا، من شراكة حقيقية مع شركائها في العالم، في أمنها وسلامها وازدهارها، لا فرض إرادة وتمرير خطط ترسمها في غرف مغلقة، في أجهزتها السرية الأمنية والعسكرية.

هل أن وصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض، مثل لحظة أمل؟

نعم، وقد تعزز هذا الأمل بخطاب مهادن تميز به الرجل، وفصاحة في التعبير والكلام، جعلت الآذان تجيد الإصغاء لما يقول، وتعتقد أن شيئا جديدا سوف يأتي في ركابه، لقد جعل التغيير شعار حملته الانتخابية، فهل هو تغيير حقيقي يلحق السياسة الخارجية والداخلية، ويصل إلى تقديم تعديل وإصلاح على ما تهدم من علاقات عربية- أميركية؟

كان هذا هو الأمل، ولكن ربيع الثورات العربية جاء ليسهم في الخداع قليلا عندما رأينا أوباما يحزم حاله بعد تردد قليل على تأييد ثورات الربيع، ولكنه للأسف الشديد تأييد مشروط. تأييد لا يذهب مع الثورات إلى خواتمها السعيدة، بل يريد أن يقطفها قبل الأوان لحسابه، ورأيناه بسرعة يعمل بجد واجتهاد لعملية إحلال صنائعه مكان القديم، ليضع طغاته مكان طغاة لفظهم الشعب. وليس لنا إلا أن نغمض أعيننا ونحلم بعالم لا وجود فيه لأميركا، علنا نحلم حلما جميلا.


كاتب ليبي

9