خلل السوق العقاري البريطاني يصنع الثروات ويدمر الاقتصاد

يقول الخبراء إن الخلل في قطاع العقارات البريطاني الذي تفاقمه الأموال التي تضخها الحكومة من خلال إعانات السكن أصبح ينخر جسد الاقتصاد من خلال تعميق عدم المساواة وإفقار قطاعات واسعة من السكان بسبب ارتفاع الإيجارات وتراجع معدلات الاستهلاك التي تقوّض الاقتصاد.
الثلاثاء 2017/05/23
خارج متناول معظم البريطانيين

لندن - يكاد يكون قطاع العقار البريطاني أحد أكثر قطاعات العقار نموا في الدول المتقدمة بعد أن تضاعفت قيمته 5 مرات منذ عام 1995 ليشكل حاليا نحو 60 بالمئة من قيمة الثروة الإجمالية في المملكة المتحدة.

وتشير التقديرات إلى أن قيمة العقارات البريطانية التي نمت بسرعة ملحوظة تعادل أضعاف معدلات الربحية في جميع القطاعات الأخرى، تصل حاليا إلى 5 تريليون جنيه إسترليني مقارنة بنحو تريليون واحد قبل 22 عاما.

وتقول أليس مارتن مسؤولة الإسكان في مؤسسة نيو إيكونومكس إن ملاك الأراضي والأصول العقارية استفادوا أكثر من غيرهم من الاستثمارات العامة في البنية التحتية والخدمات.

وأشارت في مقال في صحيفة الغارديان البريطانية الأسبوع الماضي، إلى أن ذلك يعني أن أموال دافعي الضرائب أدت بشكل ملموس إلى تضخم ثروة نسبة كبيرة من أكبر أثرياء بريطانيا.

وتظهر القائمة التي نشرتها صحيفة “صنداي تايمز” في السابع من مايو الماضي، لأكبر أثرياء بريطانيا أن العقارات تشكل المصدر الرئيسي لثروات 26 شخصا من بين أغنى 100 شخص في البلاد.

ووفق البعض من المحللين، فإن تلك النسبة تتفوق بدرجة كبيرة على جميع المصادر الأخرى للثروة، حيث جمع 6 أشخاص فقط ثرواتهم من الصناعة من بين أغنى 100 شخص في بريطانيا.

وتشير الإحصائيات إلى أن 7 من أولئك الأثرياء جمعوا ثرواتهم من قطاع مبيعات التجزئة و10 من قطاع التمويل و10 من نشاط الاستثمار.

وتكشف قائمة أغنى ألف شخص في البلاد أن 164 شخصا هم من ملاك الأراضي والعقارات وأن حجم ثرواتهم مجتمعة يبلغ نحو 144 مليار جنيه إسترليني.

في المقابل فإن ثروات نظرائهم في القطاع المالي والمصرفي بلغت نحو 65 مليار جنيه إسترليني.

ويفترض الاعتقاد المنطقي أن النمو في حجم الثروات يأتي عادة من الابتكار والإنتاجية وتنظيم المشاريع والاستثمار الناجح.

لكن يرى خبراء أن الارتفاع المطرد في أسعار الأراضي والعقارات لا علاقة له بنمو الإنتاجية على الإطلاق.

أليس مارتن: أموال دافعي الضرائب أدت لتضخم ثروة نسبة كبيرة من أكبر الأثرياء

ويعد النمو في قطاع العقارات معادلة صفرية، أي أن ارتفاع قيمة الأرض والعقارات لا يؤثر في القدرة الإنتاجية الكلية للاقتصاد بل يمكن أن يؤدي إلى تراجعها بسبب انعدام الإنتاجية في هذه الحالة.

ويزداد ثراء ملاك الأصول العقارية عند ارتفاع أسعارها في حين يزداد الذين لا يملكونها فقرا بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات وكذلك ارتفاع أقساط التأمين والديون العقارية. ونتيجة ذلك تنخفض معدلات الإنفاق الاستهلاكي، مما يؤدي إلى الإضرار المباشر بمعظم السكان والاقتصاد ككل.

وقد أدى هذا الخلل في سوق العقارات إلى اتساع فجوة عدم المساواة وضعف فرص النمو المستدام والصراعات بين الأجيال وانخفاض الإنتاجية وعدم الاستقرار المالي. إضافة إلى أزمة السكن التي تتصدر كل تلك المشاكل السابقة.

كما وصلت ملكية المنازل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1985 في وقت تعيش فيه أكثر من 70 ألف أسرة في سكن مؤقت، إضافة إلى أن الحكومة البريطانية تقدم دعما ماليا سنويا بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني للإعانات السكنية.

وقالت مارتن إن مؤسسة نيو إيكونوميكس تعمل مع المجتمعات المحلية لاستعادة بعض السيطرة من خلال المطالبة بإنشاء مشاريع سكنية تلبي الحاجات المحلية، التي ينقصها بالطبع الدعم السياسي على مستوى عموم البلاد.

وأوضحت أن الحل الأساسي يكمن في وقف بيع الأراضي العامة واستخدامها وبدل ذلك في إنشاء وحدات سكنية بأسعار معقولة جدا وأيضا استخدامها في مشروعات مجتمعية.

ومن شأن ذلك أن يساعد أيضا في تعزيز قدرة المجالس البلدية على شراء العقارات، ويمكّن الدولة من الاحتفاظ بقيمة الأراضي وإعادة استثمارها لتعزيز البنية التحتية وتحسين الخدمات.

ويدعو الكثير من الخبراء في قطاع العقارات إلى إنشاء صندوق للأراضي العامة يكون مسؤولا عن شراء وإدارة الأراضي وتطويرها وتأجيرها مما سيوفر عائدا للدولة ويساعد على الاحتفاظ بالقيمة في خزينة الملكية العامة.

وفي الوضع الحالي يواصل سوق العقارات البريطاني تضخيم ثروة مجموعة صغيرة من الأثرياء، بينما خلّف وراءه الملايين تحت رحمة الخلل المتفاقم في سوق العقارات دون أي قدرة على التأثير أو تحديد أين سيعيشون بالضبط.

10