خلل في صورة الأسرة السعودية

الثلاثاء 2016/11/08

بالمصادفة البحتة، التقيت بعدد من الأمهات اللواتي تم القبض على أبنائهن بسبب انضمامهم إلى خلية “داعش” الإرهابي. لن تتألم فقط لوجع وانكسار مشاعر الأمهات، ولكن حديثهن عن أبنائهن سيبقي في قلبك لوعة وأسى، وتساؤلات لن تنفك عنك أبدا، كيف يمكن للأمهات أو الآباء ألا يكونوا على دراية ووعي بتوجهات أبنائهم وميلهم إلى داعش الإرهابي، ربما ستتصور أن ما يقوله أحدهم، مجرد أحاديث جوفاء لإبعاد التهم عنهم، أو الحكم بأنهم ساندوا أبناءهم بالصمت لانضمامهم إلى خلية مهمتها الإخلال بالأمن وقتل الأبرياء والمسالمين، لكني شهدت حضوراً، بكاء الأمهات وهزيمتهن، والاستغراب يقع في أول سطر من أحاديثهن، إذ لم يعتقدن، ولو لوهلة، بأن هذا الابن البار بوالديه، أو هادئ الطباع الذي لا يحسن التعامل مع الآخرين، ولا يعرف كيف له أن يتحدث بفصاحة وطلاقة، أن يكون واحدا من الشباب الذين انضموا إلى أي خلية إرهابية تحت أي مسمى.

بكاء إحدى الأمهات جعلني على قلق داخل إطار متدلّ، وبحث دائم عن السبب المجهول الذي يدفع لانضمام شباب في عمر الزهور إلى تفجير أجسادهم التي لم تعبث بها الحياة، بل سعت لتخلدها بتطرف واضح عبر إلحاق الأذى بالأبرياء. معظم الأمهات يشدن بأخلاق أبنائهن، وحسن معاملتهم لهن، أما البعض الآخر منهن فيؤكدن على سبيل المثال أن أبناءهن اختاروا الاختفاء المفاجئ، والتعاطي معهن عبر الاتصال بين الحين والآخر، حتى يتناهى إلى مسامعهن مقتل أحدهم.

الواقع شديد المرارة، حيث أن الأمهات والآباء يعيشون واقعا قاسيا وهو خذلانهم من قبل أبنائهم، وواقع نظرة المجتمع إليهم بعد فضيحة ابنهم الداعشي. ورغم جرم ما قام به الابن الداعشي إلا أنك ستجد أن الأم لا تتوقف عن الحديث عن فضائل ابنها، وتذكر الناس بمثاليته معها، إلى جانب تفوقه إذا كان من المتفوقين في الدراسة. الدواعش لم يكونوا لطفاء على الدوام، هناك من عانى من سوء تصرفاتهم وعدوانيتهم، أبناء الحي وزملاء الدراسة والأقرباء، لكني اليوم أتحدث عن الذين كانوا مثالاً لمفهوم الابن الصالح لأمهاتهم، ورغم عظم شأن الجرم الذي قام به الأبناء، إلا أن الوالدين لا يمكن لهما أن يصدقا ما قام به ابنهما تجاه مجتمعه، ويدافعان بشراسة وقوة عنه.

وأنا أتصور من خلال تجربتي الحياتية، أنه إذا تم تخصيص صفوف للمناصحة من قبل وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية، لمن تم القبض عليهم في جرائم إرهابية متطرفة، وهي ما يسمى بالمدارس الإصلاحية، فعليها أن تنشئ أيضاً صفوفاً علاجية لنفسيات الأمهات والآباء جراء ما حدث لهم، فمن الضروري أن تتم توعية أهالي أبناء الدواعش، فهناك أعداد كبيرة من الأولياء يلقون اللوم على رفقاء أبنائهم، من دون أن يشعروا بأنهم جزء أكبر وحقيقي من تربية أبنائهم، وأن المجتمع ليس ملزماً بتقويم وتهذيب سلوك أفراد المجتمع إلا حينما يتعدى ويتجاوز القوانين الوضعية للمجتمع، عدا ذلك فالمسؤولية تقع على أولياء الأمر، الذين يجب أن يمتلكوا عدسة مكبرة لمشاهدة كيف يكبر أبناؤهم وإلى أي مجال يندفعون.

المدارس النفسية التأهيلية ضرورة مهمة لأمهات وآباء الدواعش، لا بد أن يكون لديهم وعي كاف بأهمية الالتفات لأبنائهم، والجرم الذي ألحقوا فيه أنفسهم، على الأقل لتتم المحافظة على بقية الأبناء خوفاً من انضمامهم لأي خلية إرهابية مستقبلاً.

لا أستطيع أن أتفهم دور الأسرة في المجتمع السعودي، فجأة يخرج مراهقون إلى العراق وسوريا لنصرة الإسلام والمسلمين، وعلى الجانب الآخر يظهر في مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، شباب يمارسون طيشهم اللامحسوب من خلال كاميرا الجوال لمجرد إضحاك المتابعين أو المباهاة بتحدي قرارات الحكومة، وكلا الطرفين لديه أب وأم وإخوة وأقرباء وعشيرة. إذا آمنا بأن الأم أو الأب لم يدركا التغير النفسي والخلل لابنهما الداعشي وميوله الانحرافية، إذاً ماذا يمكن أن نقول على الذين تم وضعهم في السجن في السعودية، لأسباب تتعلق بسوء استخدام أدوات إعلامية، فقبل القبض عليهم وزجهم في السجون، أين هي الأسرة والقبيلة لتمنع تفاقم هذا التمادي في بث مواد لا أخلاقية للمجتمع المحافظ كمجتمع السعودية؟

هناك خلل واضح وبين، فالأسرة تعتقد بأنه لا ضرورة لمتابعة الأبناء من الذكور لكونهم حاملين لعيوبهم، وإبقاء السلطة والعيون المتربصة والحصار النفسي والاجتماعي على الإناث فقط، إذ لا يوجد تحليل دقيق لمثل هذه الظواهر الغريبة، فلا أمتلك تفسيراً مقنعاً.

كاتبة سعودية

9