"خليفة المسلمين" عقدة التاريخ والنزاع المزمن

الأحد 2014/07/06
الحنين إلى استعادة الخلافة هو توق إلى زمن الاستبداد

لا يعرف كثيرون كيف يرى الإسلام “الخليفة”، وقد تداخلت صورته مع صورة الحاكم، ومرة مع رجل الدين، ومرات مع المستبد، وأخرى مع التطرف، ولكنّ مسارا معقدا شاب هذه الشخصية، وهذا المقعد الفارغ الذي سعى إليه كثير من الرجال، وكان دون الوصول إليه حروب وصراعات كبرى.

توفي النبي (ص) ولم يوص بأي خليفة من بعده، وكان لديه المتسع من الوقت خلال 23 سنة هي عمر النبوة، كي يحدّد ما هو شكل الحكم الذي سيلي وفاته، رغم أنه لم يكن غامضاً أبداً حين قرّر أن الأمر شورى بين المسلمين، وأكّد هذا القرآن الكريم، فلم يجعلها ملكاً يرثه حاكم عن حاكم، بل ترك للناس ما للناس، وطلب أن يتقاسم المسلمون المسؤوليات في حياته، وهدّم التبجيل الشخصي لأي كان، ولكنه طلب في مرضه في أيامه الأخيرة أن يصلّي أبو بكر بالناس، فقال: “مروا أبا بكر فليصلّ بالناس″، ليكون بديلاً عنه وهو غير قادر على إمامة الناس، فعرف المسلمون أن أبا بكر هو من اختاره النبي ليكون إماماً، وبدأت المشكلة.


عقدة السقيفة


جرت وقائع السقيفة، وتعدّدت رواياتها، واحتج الشيعة بأن علياً كان في نفسه أن يكون الخليفة، ولكنه سكت عنها حياء، وبايع المسلمون أبا بكر بيعتين خاصة في اليوم الأول وعامة في اليوم التالي، وعلي بن أبي طالب معهم واستمرّ صديقاً شريكاً في الحكم لخليفة الرسول، ثم لعمر بن الخطاب من بعده، بعد أن قام أبو بكر باختيار عمر في أواخر أيامه، ورشّح عمر علي بن أبي طالب للخلافة ضمن أهل الشورى بعد أن تم طعنه بخنجر أبي لؤلؤة المجوسي، وبويع علي بالخلافة بعد اغتيال عثمان.


الحسن بن علي يتنازل عن الخلافة


واستمرت الخلافة بالبيعة المقدّسة، على السمع والطاعة، وكان أول من حوّل الخلافة إلى انتقال وراثي عائلي علي بن أبي طالب الذي طالب بالمنصب بحكم قرابته من النبي، وآلت الخلافة إلى ابنه الحسن بعد اغتياله، وقبلها تحارب علي ومعاوية بن أبي سفيان، وبعد اغتيال علي انتقلت الخلافة بالبيعة للحسن بن علي، الذي تنازل عنها طواعية لمعاوية بعهد مكتوب، وكان “يكره القتال والخلاف والشقاق الذي حدث بين المسلمين”، فقرر أن يتنازل عن الخلافة لمعاوية مقابل شروط اشترطها، على رأسها حقن دماء المسلمين ووقف القتال، فقبل معاوية، وتم الاتفاق في العام الـ41 للهجرة وهو العام الذي أطلق عليه عام (الجماعة) لأن كلمة المسلمين اجتمعت بعد فترة من التفرق والاختلاف.

تحول السلاطين الأتراك بعد انتزاع الخلافة من يد العباسيين إلى حكام عالميين للإسلام والمسلمين، وأصبحوا "خلفاء" يرثون اللقب وتتم مبايعتهم من قبل الأمة، ونقلوا مركز العاصمة من القاهرة إلى إسطنبول


مسار الخلافة


كان مشروع معاوية بن أبي سفيان يختلف عن المسار الذي مضت عليه الخلافة من قبل، فقد ارتبطت بالدين، وبالشخص الأكثر علماً وزهداً وورعاً، ولكن معاوية أراد تأسيس دولة أشبه ما تكون بالمدنية، ونظام حكم ملكي يبقى في بني أمية، يحدّد موضع تجمّع السلطات، فنقل البيعة التي منحها إياها الحسن إلى ابنه يزيد الذي انتقلت منه إلى بقية الخلفاء الأمويين وكان منهم الخليفة الزاهد العادل عمر بن عبدالعزيز الذي لقب بخامس الخلفاء الراشدين، حتى خلع العباسيون آخر خليفة أموي في ثورة رفعوا فيها رايات آل البيت واستخدموا فيها الشيعة من أجل مشروعهم، وبويع أبو العباس السفّاح خليفة للمسلمين، ثم انتقلت لأبي جعفر المنصور وبقية الخلفاء العباسيين من بعده.


انهيار الخلافة في المشرق


بغزو التتار للعراق انهارت الخلافة العباسية في بغداد في العام 1285 على يد هولاكو، الذي قام بقتل الخليفة وأبنائه، فانقطعت الخلافة لمدة ثلاث سنوات فقط بعد اجتياح المغول، وفي مصر كان الحكم قد أصبح في قبضة سلاطين الفاطميين الذين غزوا المشرق وأسسوا مدينة القاهرة، وتسمّوا باسم “الخليفة”، وحاربوا العباسيين بهدف السيطرة على الشام، وتمكنوا من السيطرة على الحجاز، مكة والمدينة ما بين العام 965 وحتى العام 1070، وكان آخر الخلفاء العاضد لدين الله، الذي خلعه السلطان صلاح الدين الأيوبي، وأعاد الخلافة العباسية في العام 1171، ليصبح الخليفة مجرد “رمز لوحدة الدولة الإسلامية دينياً”، وسمّى صلاح الدين الأيوبي نفسه “خادم الحرمين الشريفين”، ثم صعد المماليك، ونصّب ركن الدين بيبرس البندقداري نفسه سلطاناً على بلاد الشام ومصر ولقّب بالظاهر. وبجّل الخلافة العباسية في القاهرة عاصمة الدولة المملوكية، وقد استمرت الخلافة العباسية قائمة شرعية حتى العام 1519 حتى تغلّب العثمانيون على المماليك وأحكموا سيطرتهم على بلاد الشام ومصر، ليتنازل آخر الخلفاء المتوكل على الله الثالث عن البيعة ولقب الخليفة للسلطان سليم الأول، الذي أطلق على نفسه أيضاً لقب “خادم الحرمين الشريفين”.

الخلافة التركية

وتحوَّل السلاطين الأتراك بعد انتزاع الخلافة من يد العباسيين إلى حُكَّام مركزيين للإسلام والمسلمين في عموم العالم، وأصبحوا “خلفاء” يرثون اللقب وتتم مبايعتهم من قبل الأمة، ونقلوا مركز العاصمة من القاهرة إلى إسطنبول، وعرف عن كثير من أولئك السلاطين زهدهم وتدينهم، مع مظاهر العظمة والبهرجة الكبيرة، وفي الوقت ذاته كان لكل سلطان تركي معلّم ـ شيخٌ، يهيمن على قراراته، ويجبره على تطبيق الشريعة، فخضعت جموع المسلمين في الدولة العثمانية من العرب وغير العرب لفكرة عظمة السلطان وبالتالي عظمة الخليفة، وكان الباب العالي، مغلقاً دون التفكير في دور الخليفة الروحي وجدوى ارتباطه بالحاكم.

يرى كثير من المؤرخين أن الحنين إلى استعادة الخلافة، إنما هو حنين إلى زمن الاستبداد، والحكم الفردي، وأن الغرب حين يرى هذا الحنين مشتدا وضاربا في عمق الشخصية الإسلامية، فإنه يقدّم خليفة آخر بلباس عسكري ليمسك زمام الأمور على رقاب شعب يطالب بهذا النوع من الحكم


قرار إعلان الجهاد أنهى الخلافة


في العام 1914 قام الخليفة العثماني محمد رشاد بإعلان الجهاد والتحالف مع ألمانيا والنمسا في الحرب العالمية الأولى ضد الحلفاء، وبدءا من لحظة اتخاذ هذا القرار بدأ سقوط الدولة العثمانية، ومن ثم احتلال إسطنبول من قبل قوات الحلفاء، خلفه أخوه السلطان الخليفة محمد وحيد الدين في 4 تموز ـ يوليو من العام 1918 ثم وقعت معاهدة “سيفر” بعد ذلك واعارضها مصطفى كمال أتاتورك بشدة ، وأعلن عن حكومة مستقلة وعاصمتها أنقرة ترفض كل المعاهدات التي وقعتها حكومة إسطنبول، وخضع السلطان محمد السادس له، إلا أنه حشد رأي الجماهير بأن السبب في تخلف الدولة هو في نظام السلطنة العثمانية، فألغى السلطنة في 1 تشرين الثاني ـ نوفمبر من العام 1922، وفي الشهر ذاته نُفي محمد السادس على متن البارجة الإنكليزية “مالايا” إلى مالطا وتوفي في سان ريمو في الريفيرا الإيطالية في العام 1926 ودفن في “التكية السليمانية” التي بناها السلطان سليمان القانوني في دمشق.

وبعد أن تم نفي محمد السادس عينت حكومة أنقرة عبدالمجيد الثاني “خليفة” للمسلمين (دون صفة السلطان) وأعلنت الجمهورية في 20 نوفمبر من العام 1922، وفي3 مارس من العام 1924 تم إلغاء الخلافة نهائياً، وتم اقتياد “الخليفة الأخير” عبدالمجيد الثاني وأسرته في منتصف الليل إلى محطة قطار “جاتالجا” وتم تسليمه جوازات السفر وفيها التأشيرات ومبلغ ألفي جنيه إسترليني، و ركب في قطار “أورينت اكسبريس″ المتجه إلى سويسرا، وتوفي في العام 1944 م في بيته بباريس، بعد عشرين عاماً من نفيه.


الدعوة إلى إعادة الخلافة


عاشت شعوب العالم الإسلامي تحت وطأة فكرة ضرورة نقل البيعة من النبي محمد، عبر خلفائه الذين جاؤوا من بعده، لتكون عهداً مقدساً على صيانة الإسلام والمسلمين، والحفاظ على الشريعة الإسلامية وتطبيقها، وحرزاً للدين، ومرجعاً أعلى في كل الشؤون، ولكنّ تفكك الخلافة وانهيارها وإلغاءها وموت الخليفة، دفع كثيرين في العالم الإسلامي لبدء دعوات لإحياء الخلافة، لا سيما وأن أحد أبرز منافسي الخليفة كانوا العرب أنفسهم الذين ظهر منهم الشريف حسين بن علي الذي قام بثورة ضد الخليفة العثماني بهدف أساسي وهو استعادة الخلافة إلى العرب وإلى البيت الهاشمي الذي ينتمي إليه نبي الإسلام وكذلك الشريف حسين وأبناؤه، وقد تلقى حسين الوعود تلو الوعود بدعم هدفه، ولكن ما حصل عليه كان كل شيء إلا عودة الخلافة التي ألغيت بإلحاح شديد من قبل الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى.


عقدة أتاتورك أو الخليفة


ارتبط في ذهن المسلمين قرار إلغاء الخلافة الذي اتخذه أتاتورك، بالقرارات الأخرى التي قلّص فيها مظاهر التديّن في تركيا، وأصبح انحسار المدّ الديني نتيجة لسقوط الخليفة، في وعي كثيرين، وكأن الخليفة كان حريصاً على تطبيق الشريعة والعدالة في أرجاء العالم الإسلامي، ولكن الأمر لم يكن كذلك، فقد شُغل السلاطين الأتراك بشؤونهم طويلاً بعد انتهاء عهد الفاتحين، ولم يتفرغوا لتنمية البقاع الإسلامية المترامية التي تتبع لسلطة الخليفة، ولا بتطبيق العدل والمساواة فيها، رغم التنظيمات السلطانية التي كان الهدف منها إعطاء الحريات للأقليات الدينية أكثر من تعزيز حرية وكرامة الأغلبية المسلمة السنية.

لم يجرؤ بن لادن ولا الظواهري على ادعاء الخلافة أو التنطع لها، لعلمهما بشروط معقدة وكثيرة يتوجب أن تتوافر في من يسمّي نفسه خليفة المسلمين، ولكن تنظيم داعش المرتبط مخابراتيا مع إيران ونظام الأسد والمالكي، انتقل من مرحلة إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، إلى مرحلة تنصيب زعيمه البغدادي خليفة للمسلمين

وأخذت تتشكّل حركات دينية قائمة على فكرة استعادة الخلافة وإحيائها بعد إلغائها، من تلك الحركات حركة الإخوان المسلمين، التي رأى مؤسسها حسن البنا أنه جدير بالتحوّل مع الزمن إلى خليفة للمسلمين تمهيدا لمرحلة “الأستاذية” التي وضع أسسها في مراحل تطوّر مشروعه المتقدمة، قال حسن البنا في رسالة التعليم: “المرحلة السادسة وفيها إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة، ثم المرحلة السابعة، الأستاذية، بتقديم نموذج إنساني يعبر عن المنظومة القيمية للأمة، كأساس لإحداث نهضة حقيقية، وكإطار لنشر الحق والخير في ربوع العالم، وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه”.

ثم ظهرت حركات كثيرة تطالب بتطبيق الشريعة وإعادة الخلافة، بعد الإخوان المسلمين، ومنها حزب التحرير، تنظيم القاعدة، الدولة الإسلامية في العراق والشام، جماعة العدل والإحسان في المغرب، تنظيم دولة الخلافة في تركيا، مجلس الخلافة في بنغلاديش، أنصا رالحوثي في اليمن، حركة حماس في فلسطين، حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، حركة تنفيذ الشريعة المحمدية في باكستان، أنصار الشريعة في لندن، وغيرها من الحركات التي تنادي باستعادة عرض الخليفة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي.


المرشد الخليفة المؤقت


وقد صمّم البنا تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، بصورة محكمة، تجعله نسخة عن تنظيمات باطنية كثيرة اعتمدت فكرة المرشد، مثل تنظيم الحسن الصبّاح في مصر والذي كان سيد قطب يشبه به حسن البنا قبل انضوائه تحت لواء الجماعة، وجعل لموقع المرشد المركزي، مكانة خاصة، تمثّل حقبة مؤقتة قبل تحقق مرحلة استعادة الخلافة، فبات المرشد خليفة مؤقتاً يأمر وعلى الجميع السمع والطاعة له، وتؤخذ له ومنه البيعة، تماماً كما هي مواصفات خليفة المسلمين، ولم يطل الزمن حتى صمّم الخميني في إيران نظام الحكم المتطرّف الذي أسّسه على مبادئ مشابهة تماماً لما سبق، ليصبح مرشد الثورة خليفة مؤقتاً، ولياً فقيهاً، لا يخرج أحدٌ عن أمره، ولا تجري الحوادث دون علمه أو توجيهه، ريثما يأتي الخليفة المنتظر.


أحدث الخلفاء أبو بكر البغدادي!


لم يجرؤ أسامة بن لادن ولا أيمن الظواهري على ادعاء الخلافة أو التنطع لها، لعلمهما بشروط معقدة وكثيرة يتوجب أن تتوافر في من يسمّي نفسه خليفة المسلمين، ولكن تنظيم داعش المرتبط مخابراتياً مع إيران ونظام الأسد والمالكي في العراق، انتقل من مرحلة إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، إلى مرحلة إعلان الخلافة، واستعادة المنصب المفقود، وتنصيب البغدادي خليفة للمسلمين، دون أن تؤخذ له بيعة من الأمة، بل اكتفى بـ”أهل الحل والعقد” المجهولين بدورهم، ولم يتحدّث الخليفة الشبح عن شكل الدولة التي سيؤسسها، وكيف ستحكم، وبأية أسس حضارية، وبأية قوانين، لا تتوافر حتماً بين أيدي المجاهدين القادمين من جهات الأرض، ولم يتحدث الخليفة الشبح عن تطورات المنطقة والعالم، وعن كيفية التعاطي مع الأقليات من الطوائف والمذاهب المغايرة للمنهج السلفي الجهادي الذي تظهره داعش، وما هي الحلول التي يقدّمها الخليفة الشبح لغير المتدينين في سوريا والعراق والدولة التي يقول إنها ستتمدّد، وهل لديه أسلوب آخر غير الصلب والقتل بدم بارد وبإطلاق الرصاص على الرؤوس من الخلف؟

يرى كثير من المؤرخين أن الحنين إلى استعادة الخلافة، إنما هو حنين إلى زمن الاستبداد، والحكم الفردي، وأن الغرب حين يرى هذا الحنين مشتداً وضارباً في عمق الشخصية الإسلامية، فإنه يقدّم خليفة آخر بلباس عسكري ليمسك زمام الأمور على رقاب شعب يطالب بهذا النوع من الحكم، وإن اختلفت هيئة الخليفة ودرجة تدينه أو طول لحيته. حل الغرب المسيحي مشكلة الراعي الديني بتجريد البابوات من سلطاتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية عبر الأجيال، وبقي المسلمون يبحثون عن رأس رجل واحد يحمل كل تلك المسؤوليات التي تحولت مع الزمن إلى مهام تقوم بها المؤسسات وليس الأفراد.

8