خليفة حفتر من ضابط منشق إلى صانع لمستقبل ليبيا

حفتر لم يتحرك عسكريا وسياسيا، إلا بعدما حصل على دعم سكان إقليم برقة الذين طالبوه بإنقاذهم من الجماعات الإسلامية التي تغولت بشكل كبير وسط تجاهل من السلطات المركزية.
الثلاثاء 2018/11/20
حفتر ليبي يطرح رؤية متقدمة ترفض الثأر والظلاميين معاً

لم ينجح خليفة حفتر في تجميد المؤتمر الوطني العام وحكومته في فبراير 2014. حينها لم يكن أحد يعلم أنه سيتحول  إلى رقم مهم في المعادلة الليبية. تلك المحاولة التي وصفت بـ”الانقلابية”، كانت نقطة تحول. بعدها صار “اللواء المتقاعد” محل استهزاء كثيرين وفي مقدمتهم رئيس الحكومة آنذاك علي زيدان الذي انتهى يه الأمر، مخطوفا من قبل الميليشيات.

ظهر حفتر آنذاك في خطاب متلفز، دعا خلاله إلى تحرك عسكري ضد السلطة الليبية الجديدة، معلنا تعليق عمل الحكومة وتقديم ما أسماه “خريطة طريق” جديدة لمستقبل ليبيا السياسي.

وجاء تحرك حفتر حينئذ على وقع احتجاجات متفرقة في كامل ليبيا ولا سيما في بنغازي والعاصمة طرابلس حملت شعار “لا للتمديد”، تطالب برحيل المؤتمر الوطني الذي يتمسك بالبقاء في المشهد، ما دفع الكثير من الليبيين، وفي مقدمتهم الإسلاميون، إلى اتهامه بمحاولة استنساخ ما حصل في مصر، في إشارة إلى ثورة 30 يونيو التي أنهت سيطرة الإخوان على البلاد.

ولد حفتر عام 1949، وينتمي إلى قبيلة الفرجان وكان ضمن مجموعة الضباط الليبيين التي أسقطت عام 1969 نظام الملك إدريس السنوسي، منهية بذلك عقودا من الملكية، وهي الثورة الليبية التي أرسى بها العقيد الليبي الراحل معمر القذافي حكمه لليبيا لنحو أربعة عقود.

درس حفتر الابتدائية بمدرسة “الهدى” بمدينة إجدابيا، وحفظ القرآن الكريم خلال نفس الفترة، ثم درس في الإعدادية بمدرسة إجدابيا الداخلية، ودرس بعدها المرحلة الثانوية بمدرسة “درنة” الثانوية.

بدأت حياته العسكرية حين التحق بالكلية العسكرية الملكية، أواسط الستينات، بمدينة بنغازي، التي عاش فيها بعد ذلك، ضابطاً بسلاح المدفعية بمدينة المرج، شرق البلاد.

قاد حفتر، بمشاركة أحمد قذاف الدم الكتيبة الليبية التي ساندت مصر أثناء حرب 1973 ضد إسرائيل، وقاد أغلب المناورات الكبرى التي أجريت في ليبيا، وحصل على النجمة الذهبية.

 خلال حربها ضد تشاد والتي بدأت عام 1980، قاد حفتر القوات المسلحة لبلاده. وانتصر هناك واحتل تشاد. خلال تلك الفترة وعلى امتداد أربع سنوات تعرض الجيش الليبي إلى الإهمال التام وصل إلى حد شحّ الغذاء، وهو ما اعتبره كثيرون مقصودا من القذافي الذي قد يكون خشي أن يعود حفتر منتصرا ما يفتح له الباب للسيطرة على ليبيا.

 وفجأة، ودون مقدمات، حدث انقلاب غيّر مجرى الأمور، حيث جرى أسر حفتر في تشاد مع المئات من الجنود الليبيين في معركة وادي الدوم  يوم 22 مارس 1987. وبعد الأسر انشق هو وعدد من رفاقه من الضباط والجنود عن القذافي. وأفرج عنهم لاحقا ليغادروا إلى الولايات المتحدة عقب وصول إدريس دبي إلى السلطة في تشاد ضمن صفقة أبرمت، ليصبحوا بعدها معارضة ليبية في المنفى، ولم يعد حفتر إلى ليبيا إلا في العام 2011  إبان الإطاحة بالقذافي.

شارك حفتر قبل ذلك بالتخطيط لمحاولة انقلابية ضد القذافي في أكتوبر عام 1993، وحكم عليه بعدها بالإعدام. وأصدر في العام 1993 كتابا بعنوان “رؤية سياسية لمسار التغيير بالقوة”.

عملية الكرامة

روما تختار إرضاء حفتر في مؤتمر باليرمو مؤخراً، مضحية بعلاقاتها مع تركيا التي انسحبت احتجاجا على عدم إشراكها في القمة الأمنية
روما تختار إرضاء حفتر في مؤتمر باليرمو مؤخراً، مضحية بعلاقاتها مع تركيا التي انسحبت احتجاجا على عدم إشراكها في القمة الأمنية

بعد أن أخفق تحركه العسكري في إلاطاحة بالمؤتمر الوطني وحكومته، غاب حفتر عن الأنظار، ليعود إلى تصدر المشهد من جديد بعد إطلاقه عملية الكرامة من بنغازي في مايو 2014.

هذه المرة كان الأمر مختلفا، ولم يتحرك إلا بعدما حصل على دعم سكان إقليم برقة الذين تجمهروا أمام بيته وطالبوه بإنقاذهم من الجماعات الإسلامية التي تغولت بشكل كبير وتمادت في عمليات اغتيال عسكريين ورجال شرطة وحقوقيين، وسط تجاهل من السلطات المركزية. وقد تجاوز عدد العسكريين ورجال الشرطة الذين تمت تصفيتهم من قبل جماعة أنصار الشريعة التي شارك بعض مقاتليها في حرب الإطاحة بالقذافي 500 شخص.

تزايد عداء الإسلاميين لحفتر بعد تلك الخطوة. وبدأت بعض وسائل الإعلام ولا سيما تلك المحسوبة على تيار الإسلام السياسي تصفه بـ”الجنرال المتمرد”، نافية نفيا قاطعا وجود إرهابيين في بنغازي، مؤكدة على أن من يحاربهم حفتر هم ثوار، وأنه يفعل ذلك لأنه عدو للديمقراطية، مستندين في الترويج لهذه الصورة على تاريخه العسكري.

لم تكن الأيام الأولى لإعلان عملية الكرامة سهلة على حفتر وبقية العسكريين الذين انخرطوا معه في العملية، في ظل غياب التأييد الدولي، واستمرار سلطات طرابلس الغرب في دعم وإمداد الثوار الذين جرى دمجهم شكليا في وزارة الداخلية تحت مسمى “الدروع”.

واستمرت الصعوبات حتى بعد تعيينه قائدا عاما للجيش من قبل البرلمان الذي جرى انتخابه في يونيو 2014 وانقلبت عليه الميليشيات الإسلامية تحت ما سمي حينئذ بـ”عملية فجر ليبيا”.

ضغط الإسلاميون وحلفاؤهم خلال المفاوضات الأخيرة قبل توقيع اتفاق الصخيرات، لإضافة تعديلات على المسودة الخامسة التي أعدها المبعوث الأممي الأسبق برناردينو ليون، ومن بين تلك التعديلات التي أضافها المبعوث السابق مارتن كوبلر المادة الثامنة التي يعتبرها معسكر الشرق تستهدف إبعاد حفتر من قيادة الجيش الليبي.

وتنص المادة الثامنة على تحول جميع المناصب السيادية والعسكرية إلى سلطة المجلس الرئاسي بمجرد توقيع الاتفاق السياسي.

 ورغم نفي رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج نيته استبعاد أي طرف إلا أن تصريحات  عضو المؤتمر الوطني صالح المخزوم أكدت مخاوف حفتر وأنصاره.

قال المخزوم الذي رفض تسليم السلطة للبرلمان، وكان أحد الموقعين على اتفاق الصخيرات، عقب أيام من التوقيع “لقد تخلصنا من حفتر بجرة قلم”، في إشارة للمادة الثامنة.

لكن مجلس النواب اشترط، حينئذ، إسقاط المادة حتى يزكي الاتفاق السياسي وحكومة الوفاق، وهو ما لم يتم حتى الآن.

وفي الأثناء، ركّز حفتر على تقوية موقفه فقام بالسيطرة على الموانئ النفطية في سبتمبر 2016 وطرد منها إبراهيم الجضران آمر حرس المنشآت النفطية السابق الذي أعلن ولاءه لحكومة الوفاق.

وعقب ذلك كثّف عملياته العسكرية في بنغازي ليعلن، في يونيو العام الماضي، تحريرها الكامل من الجماعات الإرهابية، لينتقل في ما بعد إلى الجنوب، حيث
نجح في طرد أكبر خصومه من الجماعات المتطرفة “سرايا الدفاع عن بنغازي” من قاعدة الجفرة، كما سيطر على قاعدة تمنهنت وبراك الشاطئ.

 أطلق حفتر في مايو الماضي عملية عسكرية كبرى لتحرير درنة آخر معاقل الإرهابيين في المنطقة الشرقية. وبعد أقل من شهر من المعارك نجح الجيش في استرجاع المدينة ليعلن حفتر تحريرها رسميا في نهاية يونيو.

تمشيط ليبيا من الإرهاب

الدوائر الضيقة ترجح وقوف حفتر خلف قانون العفو العام الذي تم بموجبه الإفراج عن معتقلي المدن التي يسيطر عليها، بمن فيهم سيف الإسلام القذافي
الدوائر الضيقة ترجح وقوف حفتر خلف قانون العفو العام الذي تم بموجبه الإفراج عن معتقلي المدن التي يسيطر عليها، بمن فيهم سيف الإسلام القذافي

يسيطر حفتر اليوم على مساحات واسعة من ليبيا وتقع كامل المنطقة الشرقية تحت نفوذه، وهي المنطقة التي تشمل الموانئ النفطية الرئيسية كما يسيطر على جزء من الجنوب. وبحسب تصريحات صادرة عن الناطق باسم القيادة العامة أحمد المسماري يسيطر الجيش على 90 بالمئة من ليبيا.

هذه الانتصارات المتتالية حوّلت المشير حفتر إلى رقم صعب لا يمكن تجاهله في أي تسوية وهو ما تعكسه الدعوات المتتالية التي يتلقاها لزيارة الدول الفاعلة في الملف
الليبي كفرنسا وإيطاليا وروسيا ودول الجوار، حتى باتت الدول تحرص على ضرورة حضوره لبعض المحافل التي تنظم بشأن الأزمة.

 ولم يخف رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي حرص بلاده على حضور حفتر لمؤتمر باليرمو، فقبل يوم من المؤتمر زار كونتي حفتر في معقله في منطقة الرجمة ببنغازي وأقنعه في الساعات الأخيرة بالحضور بعدما تردد أنه يرفض لقاء ممثلي الجماعات الإسلامية وحلفائهم الإقليميين، حيث تم الاتفاق على تنظيم قمة أمنية لن تحضرها سوى الأطراف التي يقبل الجلوس معها.

فضّلت روما إرضاء حفتر في المؤتمر الذي نظمته حول ليبيا في باليرمو، مضحية بعلاقاتها مع تركيا التي انسحبت احتجاجا على عدم إشراكها في القمة الأمنية. وعكس الانسحاب تهميشا إيطاليا غير مسبوق لتيار الإسلام السياسي الذي تحول إلى مجرد متفرج، حيث فشل في تمرير رؤيته الهادفة لإطالة المشهد الحالي وعرقلة إجراء الانتخابات بذريعة وجوب صدور الدستور أولا.

قلق من التحالف مع السلفيين

دور حفتر الهام يتنامى مترافقا مع تعالي أصوات تطالب برحيل الإسلاميين. ما يدفع إلى المقارنة مع الحالة المصرية، حين أنهى الجيش سيطرة الإخوان.
دور حفتر الهام يتنامى مترافقا مع تعالي أصوات تطالب برحيل الإسلاميين. ما يدفع إلى المقارنة مع الحالة المصرية، حين أنهى الجيش سيطرة الإخوان

تصاعدت المخاوف من تغول السلفيين في المنطقة الشرقية، بعد أن أقدمت أجهزة تابعة للجيش على التضييق على الفنانين والمثقفين، حيث منعت العام الماضي دخول الكتب، كما ألقى جهاز  البحث الجنائي القبض على مطرب يدعى وسيم عادل، الذي جاء إلقاء القبض عليه بعد ساعات من تداول رواد شبكات التواصل الاجتماعي لمقطع مصور يظهر فيه قائد ميداني في القوات الخاصة “الصاعقة” عبدالفتاح بن غلبون وهو يحرض عليه.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يظهر فيها بن غلبون، حيث سبق وأن ظهر في فيديو سابق، بعد أن تم توقيف منظمي حفل “إحياء ساعة الأرض” بجامعة العرب الطبية في بنغازي، مهاجمًا الاحتفال ومنظميه، واصفًا إياه بـ”الأمر المشين والمنكر الذي يندى له الجبين.

 السلفيون الذين ظلوا حتى 2014 في منأى عن النزاعات المسلحة، قاتلوا جنبا إلى جنب مع قوات الجيش خلال الحرب على الجماعات الإرهابية في بنغازي. وعقب تنامي الجدل حول نوايا هذا التيار قام حفتر بحل الكتائب السلفية المعروفة باسم كتائب التوحيد ودمجها وتوزيعها علي كتائب الجيش المختلفة في خطوة أراد بها تشتيت هذه القوة.

إلا أن الخطوة كان لها أثر عكسي إذ سمحت بتحقيق انتشار أكثر لهم، حيث سيطروا علي مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة.

لم يجد الإسلاميون من تهمة لحفتر تنفر الليبيين منه وتشكك في جهوده للقضاء على الجماعات الإرهابية التي أنكروها في البداية، ليعترفوا في ما بعد بوجودها، إلا محاربة الثورة والديمقراطية والسعي إلى إرجاع حكم العسكر إلى البلاد.

معارض بلا أحقاد

معارضته للقذافي لم تخلف حقدا في داخله على أنصاره الذين كان أول من دافع عنهم بعد الإطاحة بالنظام. ويتردد في بعض الدوائر الضيقة أن حفتر كان وراء سنّ مجلس النواب لقانون العفو العام الذي بموجبه تم الإفراج عن المعتقلين الموجودين في المدن الواقعة تحت نفوذه، بما في ذلك سيف الإسلام نجل القذافي.

وفي أكتوبر الماضي، قال المسماري “إن القيادة العامة لن ترضى بتضييع حقوق أي من

أقاليم ليبيا، والإخوان يريدون هذا الدستور لإطالة بقائهم في المشهد”، وهو ما بدا تشجيعا لسكان إقليم برقة في الشرق الذين يرفضون مسودة الدستور الحالية التي تجاهلت مطالبهم المنادية بالفيدرالية.

وعقب التوتر الأمني الذي شهدته العاصمة طرابلس نهاية أغسطس الماضي، تداول ناشطون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي صورا لملصقات على  الجدران ترحب بالجيش وحفتر، في دعوة ضمنية لإنقاذهم من سطوة الميليشيات التي لا تتوقف صراعاتها المسلحة على الغنائم والنفوذ.

بعد ذلك بأيام أصدر حفتر تصريحات لافتة على هامش حفل تكريمه من قبل قبيلة العواقير كبرى قبائل المنطقة الشرقية. فقد ركز خلال كلمته على الوضع المعيشي المتدهور لليبيين، منتقدا تنامي نفوذ الميليشيات في مؤسسات الدولة، خاصة في مصرف ليبيا المركزي الواقع بحسب الكثيرين تحت سيطرة الإسلاميين.

واليوم، يلقي الرجل الأقوى في ليبيا برسائل متناقضة بشأن طموحه السياسي. ففي حين يسعى رفقة أنصاره للإطاحة بالدستور الذي يمنعه من الترشح قبل سنتين من التخلي عن منصبه العسكري، يضع شروطا للقائد عام للجيش بصلاحيات واسعة خلال مفاوضات توحيد المؤسسة العسكرية التي تجري في القاهرة.

13