خليل الرز: التشدد الفكري والديني طارئ على تقاليد السوريين

الجمعة 2014/07/25
خليل الرز: لا أفضل الترجمة على الكتابة

دمشق- ينتصر خليل الرز للرواية بكافة مقوماتها، فهو يسبك شخوصه والأحداث المحيطة بها بانيا عالما خاصا، يكتسب فيه اليومي شعرية مستمدة من مأساة حاضرة، تختبئ خلف الكلمات. الرز من مواليد الرقة 1956، درس اللغة العربية، ثم درس الأدب في “معهد الاستشراق” بموسكو، صدر له “سولاويسي” و“بالتساوي”. كان لـ”العرب” اللقاء التالي معه، للحديث عن مغامرة الكتابة وعن عدة مسائل أخرى.

يعتبر خليل الرز أن الرواية جنس فني فتي، مقارنة بمعظم الفنون الأخرى، فهي لا تملك نموذجا مسبقا كاملا يفرض عليها حدوده، لذلك تمكنت من النمو دون عراقيل ولا مقدّسات. إنها ابنة الحداثة والثورة الصناعية وعصر الأنوار، عصر انفتاح العالم على ذاته. وقد حققتْ هجانتها الخاصة، دون تردّد، باستثمارها السريع لمهارات الآداب والفنون الأخرى، وباستيعابها للتاريخ والعلوم، والأساطير والأوهام.


الرواية والواقع


في روايته الجديدة “بالتساوي”، لم يتناول خليل الرز ما تمرّ به سوريا من أحداث، إذ يرى أن تناول الأحداث الساخنة مجازفة كبرى في الكتابة، وربما كانت الاستجابة الفورية لها تمثل نوعا من التحرّق إلى تبرئة الذمة حيالها، بموقف مبدئي واضح لا أكثر. فهو يعتقد أن المادة الأولى للكتابة مادة باردة لا تحرق الأصابع. بعيدا عن مقولة “الفن مرآة للواقع”، فالفن، ومنه الكتابة، يستلّ مادته الخام من الواقع، لكنه يختلف عنه في العمارة والإيقاع وزاوية النظر. إن أي كارثة واقعية تفقد استثنائيتها لمجرد شروعك بالإفادة منها في الكتابة، فلكي تفعل ذلك لا بدّ من تبريد هذه الكارثة، إما بالاعتياد عليها، إذا طال أمدها كثيرا، أو بمرور الزمن على انتهائها.

البقاء المزمن تحت خط الفقر والجهل، وانعدام الكرامة، يسببان العودة اليائسة إلى الانغلاق الديني

يؤكد الرز أن هناك أمثلة جيدة كثيرة في تاريخ الرواية، على تريث الكتاب في الإشارة إلى أحداث كبيرة عايشوها، مثل فلوبير في “التربية العاطفية”، همنغواي في “وداعا أيها السلاح” و”لمن تقرع الأجراس”، وداريل في “رباعية الإسكندرية”، وكونديرا “كائن لا تحتمل خفته”، وكرتيس “الراية الأنكليزية”، وكثيرون غيرهم. فالرواية ليست، بالدرجة الأولى، تاريخا للكوارث التي تهز المجتمعات، بل هي تاريخ، إذا شئتَ، لمصائر أفراد شرطيين في تفاعلهم على خلفية ما، قد تكون الحروب، وقد تكون ظرفا آخر مختلفا تماما. قراءة روايات خليل الرز أشبه بالصراع، فعلى قارئها أن يتمتع بالحنكة والصبر.

وعما إذا كان الأدب السهل مبتذلا بالضرورة، أو هو أدب بمعايير مختلفة تفرض عليه شكلا معينا من السرد والتعبير، يقول الرز: “دائما هناك كتاب يشتغلون على ما وقع اختباره من مهارات السرد، وما حَقّقه من انتشار بين أوسع شريحة من القراء. فتراهم ينجزون نصوصا سلسة مسلية، تراعي بالدرجة الأولى شعبية المواضيع، في الحب وصوره الحسّية، أو في السياسة وقضاياها الرنّانة الكبرى، أو في الاثنين معا. فتكون مواضيعهم حريصة بشكل دائم على بعث الشعور بالراحة والمتعة لدى القراء، وربما على محاباة ميولهم الراهنة وأفكارهم الشائعة أيضا”.

لا يعتبر خليل الرز أن هذه النصوص مبتذلة، فمعظم كتابها محترفون جيدون، وجديرون بالاحترام، في رأيه. يقبل عليهم القراء، وتهتم بهم دور النشر الكبيرة، وهم يتصدّرون، عادة، المشهد الروائي. وهو يتقاطع طبعا، هنا وهناك، مع هذه الخبرات، لكنه يغامر، ربما، في التملّص من الوصفة التقنية المسبقة على شكل صراط مُفضَّل ينتظر منه القارئ الدارج أن يمشي فيه.

فيحاول، ما استطاع، أن يكون معنيا بما راكمته الرواية في تاريخها الطويل نسبيا، من مهارات السرد. فما تحقق، خاصة في القرن التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، يحمل معنى حيويا في ثناياه، ومن الضروري تأمّله. يهم الكاتب طبعا أن تحقق روايته المتعة للقارئ، ولكنه لا يبالغ كثيرا في الاهتمام بالقراء، فالإحصاءات المتعلقة بالإقبال على القراءة وطباعة الكتب والترجمة في العالم العربي، معروفة ومخجلة.


الحبكة الروائية


يؤكد الرز أن هناك أمثلة جيدة كثيرة في تاريخ الرواية، على تريث الكتاب في الإشارة إلى أحداث كبيرة عايشوها، مثل فلوبير في (التربية العاطفية)

نلاحظ تداخل الأصوات، بالإضافة إلى تداخل الأماكن والحوارات، في الشخصيات التي يكتبها خليل الرز. وعن معايير بنائه لشخصياته، وحبكته الروائية، يوضح الكاتب أنه لا توجد معايير ثابتة كليا في الكتابة. فالشخصية الروائية عموما شخصية متخيلة، يمكن أن تكون نواتها الأولى شخصا واقعيا محدّدا، أو توليفا لخصال بشرية واقعية، أو حتى مستلهمة من شخصية المؤلف نفسه، “أنا مدام بوفاري” يقول فلوبير.

يقول الرز: “أحيانا لا يقتنع المؤلف بشخصيته الفنية، فيحضر بشكل صريح في نصّه، كما فعل هنري ميلر في كل الروايات التي قرأتها له بالعربية. وعلاوة على ذلك، إن الشخصية الروائية، كما أراها وأشتغل عليها، لا تتوقف فقط عند حدود سيرتي الذاتية، وخبرتي الحياتية بالناس والعالم، بل تتعدّاها إلى معرفتي بتاريخ الرواية كجنس أدبي، وإدراكي للفروق، الخفية أحيانا، التي طرأت على بعض الشخصيات في نصوص روائية مختلفة، كُتبت في حقب زمنية مختلفة، بأقلام كتاب مختلفين، من أمم مختلفة”.

هذا الأمر أنشأ، وما يزال، نوعا من سلالات شخصيات روائية فوق إثنية، تداولها الكتاب جيلا بعد جيل، كما لو أنهم في حوار إبداعي متصل حولها على مرّ السنين. أما تداخل الأصوات والأماكن والحوارات، فلا يلجأ إليه الكاتب من باب استعراض معرفته بمهارات القص الحديثة، بل لأن هذه المهارات، التي ذكرها الآن، لها وظائف تعبيرية محددة في رواية “بالتساوي” مثلا، فهي إما لإظهار الاضطراب الذي تعاني منه الشخصية، أو من أجل إبراز تفصيل صغير من زوايا مختلفة. وأحيانا يكون استحضار مهارات التداخل السردي ضروريا، في لحظة متوتّرة من القصّ، وذلك للتعبير عن لغط الحواس لا أكثر.


دروس في الكتابة


يقال إن شخصيات تشيخوف، خاصة المسرحيّة منها، تهذي أحيانا، وإن ما كتبه يحوي جذورا للعبث، خليل الرز ترجم بعض أعمال تشيخوف، وعن مدى تأثيره هو أو كتاب آخرين به، يصف الرز علاقته مع الأعمال الأدبية الأخرى قائلا “لا أعرف كيف يمكن أن تكتب دون أن تفيد من خبرة الكتابة، التي راكمها قبلك كتاب كبار، تناقلوا وطوّروا، على مرّ الأزمان، مهارات الجنس الأدبي الذي تشتغل فيه. ونحن في رأيه لا نستطيع أن نبدأ من الصفر، وإذا فعلنا فلن تكون كتاباتنا، بالمقارنة مع ما أُنجز، سوى خربشات شخص موهوب، وضيق أفق في أحسن الأحوال.

قراءة روايات خليل الرز أشبه بالصراع، فعلى قارئها أن يتمتع بالحنكة والصبر

ويصرّ الرز على أنه ابن ثقافته، وكتابته تعدّ محاولة دؤوبة، لا تتوقف، في فهم وهضم دروس معلمي الرواية والقصة العظام، في مختلف الآداب والعصور. فأساتذته كثر، وعلاقته مع كل منهم علاقة تلميذ بمعلم، وهم في ازدياد، نظرا إلى أنه كلما قرأ شيئا جميلا لم يقرأه من قبل. منهم تشيخوف طبعا، وقبله دوستيوفسكي، وبعده أندرييف، ونابوكوف، وفلوبير، وبروست، وكونراد، وجويس، وفيتزجيرالد، وفولكنر، وكورتازر، وكونديرا، وساراماغو، وآخرون”.

قدم خليل الرز نماذج مختلفة عن الأنثى في رواياته، وفي ظل تنامي التيار المتشدد في سوريا، يحدثنا الكاتب عن المرأة والمجتمع السوري قائلا: “التشدّد طارئ على تقاليد الشعب السوري، وهو نتيجة مباشرة لما جرى عندنا في السنتين الأخيرتين، وأعتقد أنه سيزول بزوال أسبابه. أما الميل إلى التديّن فبدأ، منذ عقود، مع فشل مشروع الأنظمة العربية العلمانية، القومية والماركسية، في إنشاء دولة مدنية ديمقراطية قابلة للحياة. لم يجد الناس، عندئذ، حلولا لوجودهم المزمن تحت خط الفقر والجهل وانعدام الكرامة، سوى العودة، يائسين مرة أخرى، إلى وعود الله".

15