خليل الزياني مدرب أعلن لآسيا قدوم الأخضر قبل أن يصبح يابسا

السبت 2015/01/24
خليل الزياني أيقونة بطولات المنتخب السعودي

ليس للأمجاد أن تتحقق صدفة دون جهد أو عمل أو أرباب يحسنون صناعة الفرح، خاصة وأن كرة القدم اليوم أصبحت عالما بتعريف الدول، ومنتخباتها تختصر على رجال العلاقات العامة والدبلوماسية فرصة تحسين الصورة خارجيا، وأضحت منبعا اقتصاديا من خلال استضافة البطولات التي تتجه معها أنظار الملايين لتلك الديار.

كان عهد السعوديين بالفرح على صعيد منتخبهم الأول ماضيا، ولم يُنس، كان زمنا جميلا، والآن يريدون إعادة ولو أنصاف تلك الأفراح المتتالية التي خطها الأخضر منذ العام 1984 وتوقفت عنوة في مراحل قبل أن تلفظ آخر نفس لها في العام 2007.

دلالة ذلك حين عرف العالم منتخب السعودية في عصره الذهبي الذي بدأ في سنغافورة 1984، وأحسن صياغته في حضوره الأول بكأس العالم 1994، ومن تلك العقود الذهبية عادت ذاكرة الأجيال السابقة إلى أمجاد بعد أن غدا أخضرهم يابسا تكسره أضعف الرياح بفعل عوامل عدّة.

منبع الشعاع الأخضر، صنعه رجال صدقوا مع وطنهم وأخلصوا له فأفلحوا ونثروا البهجة ورفعوا اسم بلادهم عاليا، كان مدربهم علامة مضيئة في الإخلاص والحب والمقاربة بين ألوان اللاعبين جمعهم في فسيفساء لوحة اسمها “السعودية”.

كان يركض قبل اللاعبين بحماس في أرجاء الملعب، وكان أكثرهم فرحا بالانتصارات، وإن اختفى عن عدسات المصورين، يقود فرقته التي تعزف فوق أنغام مختلفة، كان يضرب خصومه بنتائج قاسية، وقوده في كل ذلك حب وقلب صادق، ومسعى لا يعرفه اليوم الراكضون خلف أموال الاحتراف من مدربين ولاعبين.


هرم الكرة السعودية


قال رجل عتيق بعد انهيار الأخضر السعودي وتوالي الصدمات على الجمهور بنبرة حزن: “الأخضر فقد قوة فيصل بن فهد، وقلب خليل الزياني” كلمات هذا العتيق الذي شبّ على الفرح والانتصارات، يعلم كيف كان خليل الزياني، الذي غالبا ما يجمع حضوره وغيابه بعد خمسين عاما قضاها في حياكة ثوب أخضر يليق بالسعوديين الفخر به.

كان المعلق السعودي الشهير علي داوود يعلق باسم منتخب بلاده، في كأس آسيا 84، كان يرمي وردا بحروفه على طاقم المنتخب، ويتغزل كثيرا بخليل الزياني الذي قاد بلاده نحو أول ظهور مظفر بالذهب ونيل كأس البطولة محطما وفق قوله: “طقم الصين” في النهائي.

في تلك الحقبة عرف المطربون السعوديون بلدهم فانطلقت حناجرهم تشيد بالأخضر، في وقت كان الزياني يطوف بمضمار الملعب وكأنه هو من سجل هدف التتويج، كان قلبه ينبض بمجموعته الحرفية المحترفة قبل عصر الاحتراف.

خليل المتفق عليه

الزياني لم يكن محترفا للتدريب، فقد تمت إعارته من مجال عمله في المؤسسة العامة للموانئ بطلب من رعاية الشباب لعامين كمدرب للصقور السعوديين

لم يكن للزياني ابن الشرقية، أن يصل إلى قمة الأخضر دون مقدمات تميز، حيث سبق توليه تدريب منتخب الوطن خلفا للمخضرم البرازيلي ماريو زاغالو، تدريب نادي الاتفاق السعودي وحقق معه خلال عام 1983 لقبي كأس الملك وولي العهد، فتأهل بسيرة البطولات إلى المنتخب، قبلها لعب الزياني في نادي الاتفاق منذ العام 1962 وكقائد للفريق الأول منذ العام 1965 وحتى العام1972، فحقق مع الاتفاق كلاعب كأس ولي العهد في العام 1965 وكأس الملك في العام1968، بينما بدأ التدريب كمساعد مدرب للفريق الأول منذ عام 1973، وتولى الأمور الفنية في العام 1976 فدرب الزياني فريق الاتفاق موسمي 1976 و1977، واستجاب بعد سنوات لمهمة الطوارئ، التي أصبح فيها الاستشاري الفني الأول والشخصية الرياضية الثانية على مدى عقود تالية بعد رئيس رعاية الشباب آنذاك الأمير الراحل المعروف بحزمه فيصل بن فهد، وتدخل بذات الأدوات السابقة التي كانت بيد زاغالو، وزاد عليه بعضا من الألوان، وزاد عليها الأهم؛ قلبه وحبه لوطنه.

كان الزياني آنذاك لم يبلغ من العمر أكثر من 37 عاما، قضى جلها في حب الرياضة، لعب كرة السلة والطائرة قبل أن يستقر في ملعب كرة القدم.

الزياني لم يكن محترفا للتدريب، لقد تمت إعارته من مجال عمله في المؤسسة العامة للموانئ بالمنطقة الشرقية بطلب من رعاية الشباب لعامين كمدرب للصقور السعوديين، وتأهلوا في ذات عام إشرافه إلى أولمبياد لوس أنجليس. عمل عميد المدربين السعوديين “أبوإبراهيم” كما يحب أن يكنّيه ذوو التخصص، لصناعة فريق الأحلام السعودي ونجح، وجعل من يخلفه في حرج أن يصعدوا بفرقهم نحو القمة بأقل الإمكانات والأموال، بل وكان رجل الحكمة في توظيف كل الإعلام قبل النجوم إلى “أخضر عنيد”.

يعدّ الكابتن خليل الزياني، من أفضل مكتشفي المواهب الكروية والرياضية عموما، يحسب له حسن إتقانه في القرب منهم، يعمل على حل كل مشاكلهم وسلامة مسيرتهم نحو عشق كرة القدم، فبدأ تلك المهمة كشافا من حارات الشرقية، كما اكتشف هو قبلها بعقود من مباريات مظاليم الحارات، حين كان لاعب محور، كان شبلا آنذاك ثم تأسد على مقاعد المدربين.

الزياني يرى أن المنتخب السعودي بنسخة العام 2015 يحتاج إلى ثقافة رياضية أكثر من حاجته إلى التدريب

زادت شهرة الزياني من حينها وحتى اليوم، فزاد بريق حضور المدربين الوطنيين، لأنهم خير من يعمل لأجل البلد، والقادرون على صهر الألوان في فريق واحد، وهو ما جعله مطلب الأندية السعودية بعد عامين من الإشراف على تدريب المنتخب، فعاد إلى فريقه وعشقه الاتفاق وحقق معه بطولة الدوري العام 1987 بخسارة واحدة فقط، وفي العام التالي عاود صعود المنصات بتحقيقه لقب بطولة الخليج للأندية وكذلك بطولة الأندية العربية.

انتقل أبوإبراهيم إلى نادي القادسية، وتمكن معه من تحقيق بطولة كأس ولي العهد السعودي في العام 1992 ودرب لاحقا أندية النهضة، والهلال لفترات قليلة، لكن تلاميذه لاحقا أصبحوا أهم الأسماء التدريبية ومنهم النجم عالي الكعب سامي الجابر، ومدرب النهضة الحالي الذي يتصدّر فرق الدرجة الأولى في السعودية سمير هلال.


تحولات الأخضر


فتح خليل الزياني صندوقا ذهبيا للمنتخبات والأندية السعودية، وحيث أنه ذو الأولويات في تحقيق الإنجازات، فقد عاود أخضره الذي صنعه بفرقة الصقور تكرار إنجاز 84 ببطولة آسيا 88، التي أقيمت في قطر بذات اللاعبين الذين تدفق عطاؤهم لأجل بلدهم، ومن ثمّ التأهل إلى كأس العالم لأول مرة في أميركا 94، وعادوا بعد عامين لعشقهم الآسيوي ظافرين ببطـولة آسيا 96 في الإمارات.

أما اليوم، فلم يعد الزياني فرحا بأخضر الذهب الذي صنعه ومن بعده، بعد أن أصبح منتخبا يفتقد قلبه، في عصر احتراف اللاعبين وتدفق الملايين عليهم دون حضور فعال على مستطيل أخضر كان يرتعد من ركض أشبال وشباب علمهم الزياني كيـف يصنـعون الفرحة.

يقول الزياني: “حصلت على شرف تدريب المنتخب السعودي وكانت فرصة طيبة للخروج من الدوري المحلي والإقليمي، وشعرت أني انتقلت من مرحلة إلى مرحلة أكبر وازددت علما وثقة بالتجربة، وهذا لا يعني أني كنت أعمل بمفردي، بل كانت معي أجهزة مساعدة فنية وإدارية وكان خلفنا مسؤولون يدعموننا، وكان اللاعبون هم الأساس، وخير من ساعدني في هذه المهمة للفوز”.

طريق الزياني ابن المنطقة الشرقية إلى قمة تدريب الأخضر سبقها مشوار مع نادي الاتفاق الذي حقق معه إنجازات رياضية كبيرة

يقول الزياني عن منتخب بلاده بنسخته اليوم: “جيل 2015 ما قبله وما بعده، جيل عليه أن يحمد ربه، تمتع بمزايا جيدة ومزايا مادية احترافية جيدة، فيجب أن يستغلوا الفرصة ويطوروا أنفسهم وأن يطوروا الكرة السعودية، يجب عليهم أن يهتموا بالتدريب وأن يستفيدوا من المدربين الذين يحضرون للتدريب في السعودية، ولاعبونا يحتاجون إلى ثقافة رياضية وهذا هو المطلوب”.

أما الأخضر الذي عرفه الزياني، فقد أصبح منتخبا يقف على كرسي اتحاد كرة قدم مهزوز لم يقف الزياني عليه، وألوان أندية طغت على مظلة الأخضر المرفوعة سابقا، فلم يعد الزياني مودودا، ذلك الذي كان يحمل كأس بطـولته صـالح النعـيمة ومـاجد عبدالله.

ولم يعد محمد عبدالجواد يحمل محيسن الجمعان بعد هدف يهتف له الجمهور، بل أصبحت السهام تأتيه من ألسن تعشق “أكشنة الدوري” وتزيد من نار البعد عن البطولات بـ”كورة” مهترئة، لا يقذفها إلا إعلام سعودي منتصف الليالي، لم تدخل “في المرمى” بل كانت تسللا لجيل لم يذق طعم الفرح كما كان خليل الزياني يطعمه، وأصبح الأخضر الذي قال عنه طلال مداح “بركان يتفجر غضب” وأصبحت لقطة الختام أن أخضر أبوإبراهيم ورفاقه ذهب وغاب، ولا ندري هل سيعود يوما أم لا؟

15