خليل المزين: السينما في غزة مغامرة فردية غير مأمونة العواقب

درس المخرج الفلسطيني خليل المزين الإخراج السينمائي في روسيا، ثم أخرج العديد من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة والطويلة، التي شاركت في كثير من المهرجانات العربية والعالمية وحصلت على مجموعة من الجوائز، إضافة إلى عمله كمدير لمهرجان كرامة غزة لأفلام حقوق الإنسان (السجادة الحمراء 2015).
الثلاثاء 2015/08/25
"سارة 2014" أول أفلام خليل المزين الدرامية

انشغل المخرج الفلسطيني خليل المزين في الفترة الأولى من عمله السينمائي بالفيلم التسجيلي أو الوثائقي، ثم انتقل إلى الفيلم الدرامي وحقق نجاحا ظهر واضحا مع عرض فيلمه “سارة 2014”. عن هذا يقول إن السينما كانت بدايتها وثائقية، وفي سياق تطورها لم تصبح روائية بل بقيت كما هي، إذ كل ما حصل كان اجتهادا في الرؤية والمعالجة الفنية أو التناول.

بالنسبة إليه شخصيا بدأ بفيلم روائي قصير اسمه “ميلاد لوحة”، وقد كان مشروع تخرجه من أكاديمية السينما في موسكو، وفي هذا يرى أن الفكرة هي التي تحدد إذا ما كان الفيلم يصلح أن يكون روائيا أو وثائقيا، وليس بالضرورة أن تكون مخرجا وثائقيا ثم تصبح بعد ذلك روائيا أو العكس.

ومع ذلك فإن ما دفعه للعمل في الفيلم الوثائقي الظروف الخاصة بطبيعة الحياة في غزة، وتنوع القصص الواقعية وتعددها ووجود أرشيف ضخم من الصور يمكن الاستفادة منه في العمل، إضافة إلى أنه أقل تكلفة من الفيلم الروائي.

وعن سؤالنا حول المشهد القائم في غزة وعلاقته بالسينما، لا يعتقد خليل المزين أن المشهد السينمائي ينفصل عن المشهد الثقافي العام الذي كان ولا يزال رهينة للواقع المعيش من أحداث وتطورات سياسية في فلسطين بشكل عام وقطاع غزة بشكل خاص، فسنوات الاحتلال الطويلة والحروب والانقسام والتطرف والمفاهيم القبلية التي صبغت المجتمع بمفاهيم عتيقة، كانت من أسباب تراجع المشهد الثقافي والسينمائي، باستثناء بعض الأفلام الروائية والوثائقية القليلة.

وكان هناك بعض الأعمال الوثائقية التي تم تنفيذها في غزة وحققت نجاحا في المهرجانات السينمائية وعرضت على القنوات التلفزيونية، لكنها في السياق العام تبقى ضمن إطار صورة العزلة التي تعيشها الثقافة بشكل عام والسينما بشكل خاص، فالعلاقة مع الفنان سواء كان سينمائيا أو تشكيليا أو موسيقيا مرتبطة بجملة من القضايا، وليس فقط بآلية الإنتاج ونقص الدعم المالي وإنما الإطار العام حيث “السلطة المتنفذة ذات اللون الواحد” هي التي تفرض شروطها. وعن دور العرض القديمة التي اختفت من غزة، يقول المزين إن غزة تعتبر من المدن الفلسطينية التي ظهرت فيها دور العرض السينمائي مبكرا، ففي عام 1944 قام الحاج رشاد الشوا بافتتاح سينما “السامر” بغزة في شارع عمر المختار، ووفر لهذه الدار كل ما يلزم من معدات لتشغيلها وقام بشراء قماش من مدينة المجدل كي يتمّ استخدامه لشاشة العرض.

المتتبع لتاريخ السينما في فلسطين منذ عام 1936 يجد أنها في الغالبية كانت على نفس النمط

وفي عام 1948 تقلصت مساحة غزة إلى المساحة الحالية وأصبحت 360 كلم، وتحملت أعباء المهاجرين الفلسطينيين وتقاسمت معهم سلتها الغذائية.

في هذه الأعوام (أعوام الهجرة) قامت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين بمشروع يهدف إلى تثقيف الناس والترفيه عنهم من خلال الأفلام، فتنصب شاشة للعرض مع “برجيكتور” وكانت تعرض أفلاما مصرية، وقبل عرض الفيلم تقدم بعض الإرشادات التي تحث الناس على تنظيف أسنانهم والاستحمام وشرب الحليب والتطعيم.

وقد استمر هذا البرنامج سنوات طويلة في كل أنحاء قطاع غزة وتحديدا في مخيمات اللاجئين، وكان الناس ينتظرون يوم العرض بفارغ الصبر، وبمتعة كبيرة يفترشون الأرض، وأثناء عرض الفيلم قد تحدث شجارات جانبية، وأحيانا يصرخون على أحد الأبطال (فريد شوقي) لتنبيهه بأن الشرير (توفيق الدقن) قد جاءه من الخلف ليضربه.

ربما هذه الرغبة الكبيرة من الناس في المخيمات لمشاهدة هذه الأفلام، وعدم وجود بديل مثل التلفزيون دفع العديد من رجال الأعمال إلى المبادرة والمساهمة في فتح صالات عرض سينمائية أخرى، وظهر هذا مع بداية الخمسينات، وكانت غزة تتبع الإدارة المصرية وقد شهدت انفتاحا كبيرا على مصر، وبوجود جمال عبدالناصر انتعش القطاع بشكل كبير في شتى المجالات، فافتتحت دور عرض أخرى منها سينما “عامر” الصيفية، وتوافد الفنانون المصريون والفرق الفنية مثل فرقة “أضواء المدينة” المصرية، ما جعل غزة مكانا ثقافيا مهما.

وأثناء العدوان الثلاثي على مصر 1956 أوقف الحاج رشاد الشوا عروض الأفلام خلال فترة العدوان تضامنا مع مصر، لكن في عام 1967 تحول مسار القضية الفلسطينية بشكل جذري خاصة بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي عام 1969 افتتحت دار عرض سينما جديدة هي سينما “النصر”، وكانت من أهم دور العرض السينمائي في فلسطين والشرق الأوسط وزودت بأفضل الأجهزة، وفي هذه الفترة كانت غزة تعيش ظاهرة ما يسمى “الفدائيين”.

خليل المزين: سنوات الاحتلال الطويلة والحروب كانت من أسباب تراجع المشهد السينمائي

في البدايات أي بعد الهزيمة يرى خليل المزين أنه حدث نوع من الازدهار بعد أن قضت إسرائيل على ظاهرة الفدائيين، بهدم البيوت وفتح أبوابها للعمال الفلسطينيين فانتعش الوضع الاقتصادي وبدأ أصحاب دور العرض السينمائي باستيراد أفلام الأكشن والأفلام الهندية والصينية وغيرها.

ومع ذلك يرى من ناحية أخرى أن بداية التدهور حدثت مع تراجع الأفكار اليسارية والقومية والعلمانية، وبروز تيارات الإسلام السياسي، وبداية التحريض في الجوامع ضد كل ما هو ثقافي وتنويري، وخاصة السينما التي كانت قد وصلت إلى أوجها، حيث كانت قد انتشرت في أنحاء القطاع؛ برفح سينما “النهضة”، “السلام” و”صابرين”، وفي غزة سينما “النصر”، “الجلاء” و”عامر”، وفي خان يونس سينما “الحرية” التي تمّ إحراقها في ما بعد وتحويلها إلى دار الكتاب والسنة مع بداية الثمانينات.

واستمرت هذه الموجة من التحريض وقويت مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى وتراجعت خلالها بشكل كبير دور العرض السينمائي، بعد أن تعرض جزء منها للحرق والتخريب من قبل الجماعات الإسلامية في تلك الفترة وتحوّل بعضها إلى منشآت سكنية.

وفي عام 1994 بدأت مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني إذ شهدت غزة نهضة في كل مناحي الحياة بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وأعيد افتتاح وترميم سينما “النصر” وسينما “عامر” في غزة، ولكن للأسف في عام 1996 قامت الجماعات الإسلامية بحرق سينما “النصر” و”عامر” و”السلام” في رفح وسرقة معداتها.

في الآونة الأخيرة أصبح هناك تفصيل وتحديد أكثر في نوع الفيلم وانتمائه، حتى أصبحنا نشاهد مهرجانات متخصصة أكثر في أفلام الحركة وأخرى رومانسية واجتماعية وكذلك بدأت هناك قنوات تأخذ هذا المنحى، حسب توصيف المزين لحال السينما في غزة الآن.

والأكثر أهمية أن فلسطين في غالبية إنتاجها المتواضع كانت تستمد مواضيع أفلامها من واقعها المعيش، والمتتبع لتاريخ السينما في فلسطين منذ عام 1936 يجد أنها في الغالبية كانت على نفس النمط وارتبطت أيضا في الأحزاب والتنظيمات الأيديولوجية والسياسية، لما لها من ثقل في المجتمع خاصة أنها تمتلك المال والأفراد وتسيطر على كل مناحي الحياة.

ويرى خليل المزين أن هذا لا يختلف كثيرا عما كانت تنتجه دائرة الثقافة في منظمة التحرير في فترة الستينات والتي كانت تحث الناس على العمل الفدائي المقاوم، لكن الفرق مع ما يقدم الآن هو في اللون والأيديولوجيا. ورغم ذلك كانت هناك تجارب عديدة ومتميزة كان لها صدى واسع في أوساط الجمهور، منها فيلم “عرس الجليل” للمخرج ميشيل خليفة والذي شكل صدمة للجهور الفلسطيني، وفي اليوم الثاني لعرضه بصالة “رشاد الشوا” في عام 1999 بدأت الجوامع تحرض ضد الفيلم وضد مخرجه شخصيا، واعتبرته خارجا عن عاداتنا وتقاليدنا، وطبعا هذا كلام فارغ من مضمونه.

16