خليل النعيمي يكتب "القطيعة" رواية تحتج على دنيا الاستبداد

الخميس 2014/05/08
النعيمي يستعرض بعضا من تجاربه الشخصية في علاقته بأسرته وأصدقاء العائلة

رواية “القطيعة” لخليل النعيمي الصادرة عن منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، تستوحي عوالمها التخييلية من “الجزيرة السورية”، ومن مدينة الحسكة بالذات بأحيائها الفقيرة، إبان أعوام الوحدة التي تمّت بين مصر وسوريا سنة 1958، من وجهة نظر سارد يحمل اسم الكاتب نفسه.

يمكن تلمّس بعض معالم المتن الحكائي لرواية “القطيعة” في حكاية بسيطة تستعيد طفولة السارد وتاريخ بلدته، ويطبع فواعلها تنازعٌ وإقصاءٌ متبادل: فهناك، من جهة شخصية “عباس”: الفقير الكادح؛ وهناك، من جهة ثانية شخصية ابن جليوي: الإقطاعي المستبد. عباس لص بسيط وشريف، وفق توصيف السارد، يشتغل أجيرا لدى ابن جليوي، الذي يملك الخابور والشواطئ والأرياف، والعالم كله له. وبالتالي يملك المال والسلطة والعساكر. ولا يتوانى في منع الماء والعمل والحياة نفسها، وقتما شاء، لكل من سوّلت له نفسه التفكير في قليل من الكرامة أو الاحتجاج على الظلم والتسلط، كشأن المصير الفاجع الذي انتهى إليه عباس، مطرودا من العمل، ومقتولا بالرصاص.. في النهاية، لأنه أراد الخروج عن الطوع.

في خضم هذا التصادم، بين طبقة متسلطة تهيمن على البلاد والعباد، وبين فئات مقهورة لا تجد ما تسدّ به الرمق سينشأ السارد ويتشكل وعيه الشقي فيقرر خوض معركة قاسية، وغير متكافئة، من أجل الاستمرار في الدراسة. وضمن هذه الأجواء يستعرض السارد بعضا من تجاربه الشخصية في علاقته بأسرته وأصدقاء العائلة “من غجر الجزيرة” البؤساء، متوقفا عند بعض تجاربه الحسية العابرة.

ولئن كانت “الوحدة” قد فتحت، خلال الفترة الممتدة من 1958 إلى 1961 أملا في إذكاء “الشعور القومي العربي” و”لعبت دورا كبيرا في تحريض الجماهير، وإثارة مشاعرها، لمناهضة الاستعمار” فإنها سرعان ما غدت مبررا لـ”مصادرة الحريات والقمع السياسي، وإلغاء تعددية الأحزاب وترسيخ مفهوم الحزب الواحد..” وطبيعي أن تبوء هذه الوحدة، في النهاية، جراء ذلك، بالفشل والانهيار.

يمكن تلمّس بعض معالم المتن الحكائي لرواية "القطيعة"

نظن أن المضمر في رواية “القطيعة” أقوى صوتا من المصرّح به، والكاتب لا يكتفي باستحضار “الذي كان” بل يفلسفه على أكثر من مستوى، بدءا من العنوان وباقي المناصات من شروح وهوامش، مرورا باللغة والميتاحكي، وصولا إلى مفهوم الكتابة والرواية ذاتها. فعن أية قطيعة يتحدث خالد النعيمي؟ أهي قطيعة حياة أم قطيعة كتابة؟ أم هي قطيعتهما معا؟ وإذا صحّ هذا، أو غيره، فأين يمكن تلمس معالم هذه القطيعة؟

لربما تكون هذه الأسئلة غير دقيقة، من حيث كونها تستهدف البحث عن معنى في رواية لا يعنيها المعنى كثيرا، وإنما لازم المعنى. ومع ذلك فإنها اختارت أن تنحاز إلى “القطيعة” بما هي مفهوم له صلة بفلسفة العلوم والأبستمولوجيا. ولعل من تجسيداته النصية ذلك “الخروج عن البلاد والعباد” الذي دشنه السارد، ومعه صديقه عباس، في خضم سياق تاريخي موتور، لولا الانحرافات التي جعلت القطيعة تصطدم بعوائقها الذاتية مما أعاد إنتاج القيم ذاتها بطريقة تلتقي فيها المأساة بالملهاة، بمعنى أن اليقين المزعوم الذي انطلق منه السارد في وعيه الزائف بذاته: “أنا خالد النعيمي..” في بداية النص ما انفك يتلاشى، لحساب الشك حتى غاب تماما مع نهاية النص، ليجد نفسه من جديد في مربع البدايات، متسائلا، حائرا، في تساوق تامّ مع حركية التاريخ “من أنت خليل النعيمي؟ من أنت؟”.

ولأن القطيعة ليست مجرد رغبة فقط، أي أن القطيعة لا تحدث لمجرد أن هناك من يريد إحداثها، فإن الكاتب يعمد إلى أن يقوم بها بـ”خروج” زماني ومكاني، وبانفلات من نمطية أجناسية روائية كاسحة، تماما كمن يضع الإصبع بين تروس عجلة مسننة، والحال أن الإصبع إصبعه والعجلة عجلته، بتعبير جيرار جونيت. وتلك مغامرة غير محسوبة، مادامت اللارواية هي بدورها رواية، والتمرّد على قواعدها لن يعدو سوى تجسيد لممكنات روائية غير مطروقة.

وكما كانت “الوحدة” إيذانا بـ”قطيعة” مع نظام استبدادي صارت هي أيضا، مع الوقت، استبدادا جديدا. كذلك فإن البحث عن سردية مغايرة في رواية “القطيعة” يصطدم بعائق بنائي وجمالي لا سبيل إلى حل تناقضه إلا بمزيد من التناقض. والواقع أننا إزاء رواية مكتوبة بشكل جيّد إلا أنها بمنظور التلقي غير القطائعي “غير جيّدة”. إنها رواية جليلة كما قال عنها أمين محمود العالم وهو يستعير مصطلحات الفيلسوف إيمانويل كانط. رواية وقائعها قليلة وعوالمها خانقة مزعجة بلا جمال تقريبا. دون أن يعني ذلك أنها لا تقول شيئا وإنما تقوله بصيغة مغايرة.

هي إذن مرافعة طويلة واحتجاج قوي قيمته في نبرته الخطابية الساخطة وفي لغته العنيفة الرافضة، الراقية والمنحطة حسب المقامات، وكأنها غير معنية لا بالسرد ولا بالوصف، ولا بالحبكة ولا بالتفضية. فأطروحتها هي أطروحة “القطيعة” وتصفية الحساب مع التاريخ والجغرافيا والذات والكتابة.

14