خليل شوقي الممثل الذي ترك شخصياته تعيش بيننا

السبت 2015/04/25
مسرحي عظيم كان عنوانا للخفة

كان على “قادر بيك” ألا ينصت إلى أحد. هو يتكلم والآخرون ينصتون إليه. لقد أحبه البغداديون باعتباره كائناً قادماً من عمق تاريخ النكهة والرائحة والأنفة والأريحية العراقية. إنه الصورة المثلى لما يكون عليه العراقي حين يتخطى عتبة الشعور بالحاجة إلى الآخر، إلا في حدود الخدمة المتأنية التي لا تترك أثرا عاطفيا.

كائن العزلة الذي يشعر بترفعه بالرغم من أنه لم يقطع خيطا واحدا من تلك الخيوط التي تصل بينه وبين مجتمعه. كان ابن مجتمعه، لكن في نبله القاسي.

رجل يتحدر من أنفة بغداد

كان خليل شوقي قد أسعد الكثير من البغداديين بأنفته في مسلسل “الذئب وعيون المدينة” الذي مثله ثمانينات القرن الماضي، وهو يجسد شخصية عبدالقادر بيك، وريث عصر لم يعد له وجود إلا في ذاكرة مَن تبقى من كبار السن. فمَن ولد قبل الآخر، شوقي أم قادر بيك ومَن سيبقى خالدا دون الآخر؟

في نشأته الفنية كان شوقي شكسبيريا. ذلك لأنه في تمثيله لدور قادر بيك وسواه من الأدوار المميزة كان مزيجا من هاملت والملك لير. علينا أن نصدق جنونه في التمثيل وهو يضفي على الكائن الوهمي الذي يرعى سكناته وحركاته الكثير من الطابع الشخصي.

كان قادر بيك وشوقي هما الشخص نفسه الذي لا يمكن تفكيكه وإعادته إلى ما كان عليه قبل أن يمتزج الوهم بالحقيقة، ويأخذ قادر بيك هيأة الرجل الذي يمثله فيما يذوب شوقي في ذرات الهواء الذي يتحرك فوق خشبة مسرح وهمي.

كان خليل شوقي ممثلا مسرحيا استثنائيا، بعد أن كان قد جرب الإخراج والتمثيل السينمائيين. وما لم يكنه في أمسه صار عليه أن يؤديه وقد أمسك به تلفزيونيا من خلال استبدال خشبة المسرح بخشبة الحياة المباشرة.

كنا في الطريق إلى “أم قيس” وهي منطقة سياحية تقع في غور الأردن وكان يجلس إلى جانبي حين سألته عن عبدالقادر بيك فأشرق وجهه بضحكة مجلجلة وقال “الملعون صار أشهر مني، بعد أن كان وسيلتي للتفوق على عملاقين هما بدري حسون فريد وسليم البصري”.

سيرة مسرحي عظيم

درس خليل شوقي (1924 - 2015) فن التمثيل في معهد الفنون الجميلة ببغداد وتخرج منه عام 1954. بعدها تم تعيينه في مصلحة السكك الحديدية مشرفا على وحدة الأفلام، حيث قام بإخراج عدد من الأفلام الوثائقية والإخبارية، التي مهدت الطريق أمامه للدخول إلى عالم التلفزيون في سنة تأسيسه 1956 حيث تفتحت مواهبه كاتبا دراميا ومخرجا وممثلا. في السنة نفسها مثل دور البطولة في فيلم “مَن المسؤول” ثم تتالت مشاركاته في الأعمال السينمائية “أبو هيلة” 1962، و”الظامئون” 1972، و”يوم آخر” 1979، وغيرها من الأفلام وكان قد أخرج في العام 1967 فيلمه الروائي الوحيد “الحارس”. غير أن خليل شوقي كان ممثلا مسرحيا بالدرجة الأساس.

سيرته في المسرح تشكل جزءا مهما من تاريخ المسرح الجاد والتقدمي في العراق. ففي سنة 1947 كان من مؤسسي الفرقة الشعبية للتمثيل التي لم يكتب لها سوى أن تقدم عملا مسرحيا واحدا لتختفي من بعده

سيرته في المسرح تشكل جزءا مهما من تاريخ المسرح الجاد والتقدمي في العراق. ففي سنة 1947 كان من مؤسسي الفرقة الشعبية للتمثيل التي لم يُكتب لها سوى أن تقدم عملا مسرحيا واحدا لتختفي من بعده. غير أن الحدث الأهم في حياته المسرحية قد وقع عام 1965 يوم تم تأسيس فرقة المسرح الفني الحديث. كان ذلك الحدث قد انطوى على الولادة الحقيقية للفنان الكبير الذي صاره في ما بعد. يومها دخل إلى الحاضنة المسرحية التي هي أشبه بمنجم الماس. كان هناك من حوله يوسف العاني وسامي عبدالحميد وقاسم محمد.

سلالة من المخرجين والممثلين والمؤلفين المسرحيين الكبار، كان شوقي باعتباره سكرتيرا إداريا للفرقة يديرها بخفة. وإذا ما كان قد أخرج للفرقة مسرحية (الحلم) التي كتبها قاسم محمد فإنه لم ينل شهرته ممثلا مسرحيا إلا بعد أن مثل دور البطولة في مسرحية (النخلة والجيران) المستلهمة من رواية غائب طعمة فرمان عام 1969.
لقد سحر نقاد الفن المسرحي يومها والجمهور ببلاغة النغم التلقائي الذي كان يجمع شوقي بالممثلة الرائدة زينب، حتى ظن الكثيرون أن شوقي كان يرتجل جمله. أما حين مثّل خليل شوقي دور البخيل في المسرحية الطليعية (بغداد الأزل بين الجد والهزل) عام 1974 فقد ارتقى السلّم إلى نهايته. كان الممثل العراقي الأول من غير منازع.
كانت المسرحية عبارة عن تجهيز مسرحي، سبق فكرة التعرف على فكر ما بعد الحداثة وكانت إنجازا فنيا عظيما، غير أن ذلك الإنجاز ما كان في إمكانه أن يكون عظيما لولا ذلك الجهد الخلاق الذي بذله خليل شوقي وهو يتنقل بمشاهديه بين صفات إنسانية مختلفة.

الكبير الذي رعى عائلة تشبهه

مثله مثل الكبار من نوعه. لا أحد في إمكانه أن يجرؤ على التفكير في مَن يمكن أن يذكر به. كان خليل شوقي رب عائلة مثاليا. ابنته الكبرى “مي” كانت ممثلة رائعة والأصغر منها “روناك” كانت ولا تزال مجتهدة في التمثيل والإخراج. وحين نعرف أن أحفاده هم الآخرون مولعون بالتمثيل المسرحي يمكننا أن نتساءل بفخر “أيّ جد رائع كان خليل شوقي؟”.

مواهبه تفتحت كاتبا دراميا ومخرجا وممثلا. فمثل دور البطولة في فيلم (مَن المسؤول) لتتالى مشاركاته في الأعمال السينمائية (أبو هيلة) 1962، و(الظامئون) 1972، و(يوم آخر) 1979، وغيرها من الأفلام وكان قد أخرج في العام 1967 فيلمه الروائي الوحيد (الحارس)، غير أن خليل شوقي كان ممثلا مسرحيا بالدرجة الأساس

عكس عبدالقادر بيك كان خليل شوقي ديمقراطيا في حياته. وكان مثاليا في أخلاقه، فلا يقبل في الحوارات أن يُساء إلى أحد، بغض النظر عن آرائه السياسية. وقد لا أبالغ إذا ما قلت إن السياسة، وهو المؤيد لليسار العراقي، لم تكن ميزانه في الحكم على الوقائع والأشخاص. كان مترفعا عن الصغائر. ألذلك وجد في قادر بيك ما يشبهه؟ سيكون فعلا عبثيا إن بحثنا عن عناصر الشبه بين الممثل والشخصية التي مثّلها والتي صارت أكثر شهرة منه. فلا يكون مفاجئا حينها أن يبقى قادر بيك مقيما في العراق فيما يقيم خليل شوقي في لاهاي الهولندية.

لقد ترك شوقي شبحا يشبهه في خيال العراقيين.

في طريقنا إلى “أم قيس” كان قد حدثني عن شقائه بقادر بيك، ذلك الرجل الذي كان يرغب في نسيانه. قال لي بيسر “لم أكن إلا ممثلا” وكنت أدرك أنه كان يهرب من صفة الخالق. لقد استحضر الرجل عبر سيرته في التمثيل مئات الشخصيات، غير أن عددا قليلا من تلك الشخصيات كان قد علق به. خليل شوقي كان كل شخصياته غير أن واحدة منها لم تكنه.

وصيته وقد مات منفيا

أوصى خليل شوقي ألا يدفن في العراق فكان قبره في هولندا. وهو ما يعني أنه ترك لشبيهه حرية أن يقيم في العراق مثلما يشاء. لَكُمْ عبدالقادر بيك ولِي نفسي التي سأتخفف تدريجيا من ملحقاتها العاطفية. كان شوقي بغداديا بما لا يدعو إلى الشك. لم يغادر بغداد حين غادرها الشيوعيون، غير أن بغداد الأزل حين غادرته يوم مزجت جدها بهزلها دفعته إلى أن ينتمي إلى قافلة المنفيين. صار شيئا من الذكرى. وصار الآخرون يحتفلون به باعتباره نوعا من الماضي. ولم يكن ذلك الاحتفال يليق به، ممثلا لا تزال خشبة المسرح العراقي تتذكر خطواته المرهفة.

لقد مات خليل شوقي في منفاه مثل حدث طبيعي، وهو ما لا يمكن الاعتراض عليه، غير أن عبدالقادر بيك لا يزال حيا يرزق، وهو يذكر العراقيين في كل لحظة ذل أن هناك أنفة عراقية ينبغي ألاّ يخذلوها.

13