خلّ الأدباء الوفيّ

يحتلّ الكلب في الرواية حيّزًا ما، ربّما يقلّ عن الحيّز الذي يحتلّه في الواقع، لكنّه يظلّ محتفظًا برمزيّته كمثال للوفاء، وربّما محيلًا إلى إمكانية كسر المثل القائل إن المستحيلات الثلاثة هي الغول والعنقاء والخلّ الوفي.
الأحد 2019/03/03
تمثال الكلب غرايفريارز بوبي في أدنبرة

في العاصمة الإسكتلندية أدنبرة تمثال لكلب اشتهر بالوفاء لصاحبه الراحل، يقصده العديد من السيّاح سنويًّا، وهو يقع قريبًا من مقهى “إيليفانت” الشهير الذي كتبت فيه الروائية الإسكتلندية جي كي رولينغ روايتها “هاري بوتر” التي تحوّلت إلى أشهر سلسلة سينمائية في العالم. تحكي عن الكلب الإسكتلندي غرايفريارز بوبي الأساطير، وكيف أنّه ظل وفيًّا لصاحبه الذي كان حارسًا ليليًّا ولم يبرح قبره، ولازمه لسنوات حتّى مات، وتكفّل المخيال الشعبيّ بإسباغ صفات بطولية على الكلب إلى درجة أنّ صورته المضخّمة طغت بحضورها على اسم صاحبه نفسه، وتمّ استلهام وفائه في أعمال أدبية وفنيّة.

وفي التراث العربي كذلك يعرف الكلب بالوفاء، وفي حكاية شهيرة تنسب للشاعر علي بن الجهم، أنه وصف الخليفة المتوكل بالكلب في الوفاء، حين أنشد مادحًا إياه: “أنت كالكلب في حفاظك للودّ وكالتيس في قراع الخطوب”، ولم يعاقبه المتوكّل لأنّه أدرك أنّ الشاعر يمدحه من خلال استقائه معرفته ببيئته المحيطة، ومعيار القيم الدارجة التي تحيل إلى مكوّنات البيئة الصحراوية ومفرداتها الخشنة.. وتكمل الحكاية أنّ المتوكّل أحسن وفادة الشاعر الذي بعد أن أقام في بيئة حضرية، اختلفت مفرداته ورقّ أسلوبه.

وفي الرواية العربية، وظّف الراحل عبدالرحمن منيف الكلب كشخصية روائية نالت حظّها من الشهرة، كغيرها من شخصيات منيف ذات الحضور المؤثّر، وكان الكلب “وردان” صديقًا وفيًّا ومستمعًا لا يشكو لصاحبه زكي الندّاوي الذي كان يبثّه شجونه وغضبه من واقع الحال، والخيبة التي كان يحملها في وجدانه، ومرارة الهزيمة التي لم يستطع تجرّعها وتحمّل قسوتها، فكان الكلب مناجَى وأذنًا صاغية، كأنّه كان يشكو إليه ومن خلاله ظلم بني البشر وانكساره من الهزيمة التي ألحقت به عبرهم بطريقة ما.

هناك روائيون آخرون حضر الكلب في رواياتهم بصيغ مختلفة، يكون الجامع بينها الصدق والوفاء، أو كأنّه إسفنجة تمتصّ الشكوى وتتقبّل ما يلقى عليها من معاناة مبثوثة بين السطور. نجد مثلًا أن العراقي عبدالهادي سعدون اختار عنوانًا مستفزًا لروايته “مذكّرات كلب عراقي”، وهناك إبراهيم نصرالله الذي اختار لروايته الفائزة بالبوكر في 2018 “حرب الكلب الثانية”.. بالإضافة إلى روائيين آخرين ضمّنوا رواياتهم الكلاب كشخصيات روائية.

كما وظف الروائي الأميركي بول أوستر في روايته “تمبكتو” الفكرة الشائعة المتعلقة بوفاء الكلاب وصداقتها للبشر، مستلهمًا حكايات ضحّى فيها بعض الكلاب بحياته وفاء لصاحبه، ومستخدمًا فكرة الصداقة العابرة لحدود الزمان والمكان، إلى حدود الموت وما بعده، وبقاء الارتباط غير المحدود بعد الموت، بحيث يكون دافعًا للموت نفسه بطريقة ما نشدانًا للتواصل مع الصديق الراحل في عالم متخيل.

وضع أوستر عنوانًا غريبًا لروايته “تمبكتو”، ويعني به المكان الذي يرحل إليه الميت في ثقافة الكلاب، ويؤنسن بطلها “السيد بونز” الذي يكون كلبًا للشاعر “ويلي” المتشرد المتصعلك الذي يغادر باكرًا، ويبقيه وحده في مواجهة شرور العالم. وجمع بين الفاقد والمفقود، بين الكلب والإنسان في حالة الفقدان، وكيف ينتابه رعب وجودي خالص، وأنه إذا حذف صاحبه ويلي من العالم، فإن النتيجة على الأغلب ستكون أن العالم نفسه سيتوقف عن الوجود. ولفت إلى أن ذلك هو المأزق الذي واجهه السيد بونز حين مات سيده، ولفظ أنفاسه الأخيرة في الشوارع.

يحتلّ الكلب في الرواية حيّزًا ما، ربّما يقلّ عن الحيّز الذي يحتلّه في الواقع، لكنّه يظلّ محتفظًا برمزيّته كمثال للوفاء، وربّما محيلًا إلى إمكانية كسر المثل القائل إن المستحيلات الثلاثة هي الغول والعنقاء والخلّ الوفي، بحيث يكون الكلب الخلّ الوفي بشهادة التاريخ والأدباء.

10