خمسة عقود على هزيمة يونيو: حلقة مسلسل الهزائم

رغم الأثر الكبير الذي تركته هزيمة يونيو على العالم العربي، إلا أنها لم تغيره بصورة جوهرية، كان العالم العربي ولا يزال عالقا في شرك التخلف التنموي الذي يدفعه من هزيمة إلى أخرى ومن تيار راديكالي إلى آخر.
السبت 2018/06/09
مشروع استيطاني احتلالي محكوم بإنجاز التطهير العرقي للعرب

تمر هذه الأيام الذكرى الخمسون على هزيمة يونيو للعام 1967. وكما في كل عام نقرأ عناوين صحافية مثيرة تتعلق بالحدث من قبيل “حرب الأيام الستة التي غيرت العالم العربي”. صحيح أن ثلاثة جيوش عربية، سوريا ومصر والأردن، قد هُزمت بصورة مخزية أمام إسرائيل في تلك الحرب، ولكنها لم تكن الهزيمة الأولى من نوعها. سبقت هزيمة يونيو، أو “النكسة” كما أطلقت عليها الأنظمة المهزومة، الهزيمة غير المباشرة الأولى والتأسيسية لهزائم العرب أمام إسرائيل، أي هزيمة 1948 والتي نتجت عنها النكبة الفلسطينية.

في ذلك الوقت فشلت الدول العربية في منع إنشاء الدولة الصهيونية وطرد الفلسطينيين من أرضهم أمام الميليشيات الصهيونية المدعومة من بريطانيا. كان ذلك فشلا مدويا هو الآخر إذ عجزت الدول العربية عن استغلال تفوقها الكبير على مستوى العدد والجغرافيا. ويعود الفشل، كما في كل الظواهر السياسية والاجتماعية، إلى أسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

تتعلق الأسباب الموضوعية بطبيعة المشروع الصهيوني الـذي لم يكن مرتبطا فقط بمحاولات مجموعات معزولة من الميليشيات الصهيونية إيجاد وطن قومي لليهـود يحميهم من التمييز والتطهير العرقي الذي مارسته دول أوروبية بحقهم، بل ارتبط بصورة جوهرية بالمشروع الإمبريالي الجديد خصوصا مع الدخول في مرحلة تفكيك المستعمرات وانسحاب القوى الاستعمارية من المنطقة. وبالتالي كان مقدرا للدولة الصهيونية أن تحظى بالدعم العسكري والمالي والسياسي من الدول الإمبريالية.

وقد ظهر ذلك واضحا في الأحداث التي سبقت النكبة وخصوصا في قرار التقسيم في العام 1947 والذي أنشأ دولتين متساويتين تقريبا لليهـود والعـرب على أرض فلسطـين. ويلـوم التيار الليبرالي العرب على رفض قـرار التقسيم، ويضرب ذلك الرفض كمثال على تعنت “العـقل العربي” وغياب الواقعية السياسية. بالطبع، يتجاهل هذا الرأي السياق الذي أتى فيه رفض قرار التقسيم حيث كانت نسبة اليهود في ذلك الوقت 30 في المئة من مجمل سكان فلسطين ومعظمهم جاؤوا في موجات الهجرة خلال السنوات القليلة السابقة لصدور قرار التقسيم. وبالتالي، لم يكن لأي شعب، مهما بلغ به الضعف والتشتت، أن يتنازل عن أرضه لحفنة من المهاجرين بهذه البساطة. الأهم طبعا أن قبول العرب بقرار التقسيم لم يكن ليمنع النكبة الفلسطينية التي لم تكن بسبب رفض قرار التقسيم، بل بسبب طبيعة المشروع الصهيوني كمشروع استيطاني احتلالي محكوم بإنجاز التطهير العرقي للعرب في فلسطين من أجل نشوئه، كما عبر عن ذلك المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه.

ولكن، رغم كل الشروط الموضوعية، لم تكن الهزيمة محتومة. فبقدر أهمية العوامل الموضوعية المذكورة، يكتسب العامل الذاتي أهمية خاصة. يشير أغلب المؤرخين إلى أن الحرب التي سبقت النكبة الفلسطينية شهدت غياب التنسيق العسكري والسياسي، بل ونشوب صراعات بين الدول العربية، وهي سمة سوف تطبع النظام الرسمي العربي حتى يومنا هذا.

برز التيار القومي العربي كرد فعل مباشر على نكبة فلسطين التي أظهرت عجز النظام العربي والطبقات الحاكمة. ولكن خلف هذا السبب المباشر كانت هنالك تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة ساعدت في بروز موجة الراديكالية القومية. إذ شهدت مرحلة الخمسينات تغيرات مجتمعية ونموا في عدد السكان في مختلف الدول العربية. وتصاعدت مع تلك التطورات الحاجات الاقتصادية والاجتماعية للسكان بصورة عامة ولجيل ناشئ من الشباب بصورة خاصة. وشكل ذلك تحديا للنظم العربية ومصدرا للتشكيك بشرعيتها استغلته مجموعات في الجيش للسيطرة على السلطة.

انتشر الخطاب القومي العربي الذي راح يركز على العاملين الموضوعي والذاتي، وخصوصا عجز الطبقات الحاكمة عن حل معضلة التخلف التنموي والتبعية الاقتصادية والسياسية. ورغم هذا الخطاب الذي بدا طموحا وشديد الثقة، لكنه لم يتمكن تفادي هزيمة جديدة لا تقل وطأة عن هزيمة 1948، إذ هُزمت ثلاثة جيوش عربية في غضون أيام معدودة في حزيران من العام 1967. كما هو حال الطبقة الحاكمة في حرب 1948، كشف التيار القومي العربي بقيادة جمال عبدالناصر في حرب حزيران عن الضعف الهيكلي الذي يحيق به، وأن محاولاته على مدى عقدين لتجاوز مشكلة التخلف الهيكلي بالضد من الغرب قد خلقت نقـاط ضعف داخلية هيكلية هي الأخرى.بقدر ما كان عبدالناصر مشغولا بإنجاز نهضة عربية اقتصادية واجتماعية، كان مشغولا أيضا بالحفاظ على حكمه وبتعزيز آليات القمع الداخلي ومـع البدائل السياسية. وأخيرا، ظهر أيضا أثر غياب التنسيق السياسي والعسكري الذي طبع أداء الجيوش العربية في نكبة فلسطين. المفارقة أن يحدث ذلك ضمن صفوف المعسكر الذي كان يدعو دوما إلى الوحدة العربية ولكنه عجز، عندما دقت ساعة الحقيقة، عن إيجاد أدنى آليات التنسيق والعمل المشترك.

التاريخ في العالم العربي يكرر نفسه حتى في التفاصيل، إذ كانت ردة الفعل على هزيمة يونيو هي إضعاف الطبقات الحاكمة باسم القومية العربية وكشف عجزها وفسادها، فضلا عن إطلاق موجة جديدة من الراديكالية ولكن هذه المرة بنكهة إسلامية.

رغم الأثر الكبير الذي تركته هزيمة حزيران على العالم العربي، ولكنها لم تغيره بصورة جوهرية كما تريد أن تخبرنا العناوين الصحافية والتلفزيونية البراقة. كان العالم العربي ولا يزال عالقا في شرك التخلف التنموي الذي يدفعه من هزيمة إلى أخرى ومن تيار راديكالي إلى آخر.

9