خمسة عقود من المعارضة لم تخرجه من أمازيغيته

السبت 2013/10/05
آيت أحمد.. نضال طويل من أجل الديمقراطية والتعددية

سبعة عقود بالتمام والكمال قضاها مناضلا ضد الاستعمار الفرنسي، ومعارضا للنظام السياسي في الجزائر. وهو من القلة القليلة التي بقيت حية ترزق من جيل ثورة التحرير، الشاهدة على تاريخ البلاد الحديث والمثقلة بأسراره وأسرار السلطة.

بدأ ناقما على الاستعمار، وانتهى متمردا على النظام. وهو الآن يقضي بقية العمر في منفاه الاختياري بلوزان السويسرية، بعيدا عن الحزب المعارض الذي أسسه في أعقاب الاستقلال، وعن الأضواء التي يريد حزب السلطة إشعالها مجددا من أجل استقطاب الرجل لمصلحة السلطة أو مصلحة البلاد، فالمهم أنه لا زال مطلوبا وهو في أرذل العمر.

هو المناضل التاريخي والمعارض السياسي الجزائري، حسين آيت أحمد، الذي يعد من الرعيل الأول المفجر لثورة التحرير، وأول من شق عصا الطاعة على سلطة الاستقلال، بتأسيسه لأعرق حزب معارض في الجزائر المستقلة. لكن وبعد خمسة عقود من مقارعة السلطة، بقيت "جبهة القوى الاشتراكية " حزبا جهويا أسير منطقة القبائل. وسيبقى الجزائريون يحملون لرمزهم غصة في حلوقهم، لأنه لم يتخلص من معاداته لهويتهم العربية، رغم أن المسألة سويت في مخيالهم ولم تعد أية إثنية تناضل لإلغاء الأخرى، إلاّ آيت أحمد كرس حياته السياسية من أجل تكريس التعددية العرقية والإثنيات لطمس الهوية العربية للجزائر.


القوى الاشتراكية تفتقد «كاريزماه»


العارفون بشخصية آيت أحمد يقولون إنه أمازيغي متمرد لم تمح سنوات عمره الأفكار التي اقتنع بها وهو في ريعان شبابه، كالتوق للحرية، ورفض أساليب القمع والتسلط، حتى ولو كان مصدرها، الرفاق الذين قاسمهم مرارة السجن أثناء الاستعمار.

وحتى المطالب السياسية والهوية البربرية ومعاداة هيمنة العربية كهوية أولى للجزائريين، لم يتراجع عنها قيد أنملة. بل هي إحدى مقومات جبهة القوى الاشتراكية، التي وجدت نفسها شبه " يتيمة " بعد أن قرر الأب الروحي لها مطلع العام الجاري، الترجل عن غرفة القيادة لصالح جيل جديد من القيادة الشابة، الباحثة عن المزيد من الاستلهام من مدرسة آيت أحمد وشخصيته الكاريزمية، التي حافظت على وحدة الحزب واستقراره وسمحت له بالصمود أمام الهزات العنيفة التي ضربته في مناسبات عدة، وأفضت إلى رحيل شخصيات كبيرة وتكتلات كاملة من جبهة القوى الاشتراكية بسبب خلافاتها مع قيادتها المتمسكة بخط الرجل وأفكاره، والذي بقي ثابتا رغم تغير العالم من حوله.

تاريخيا كانت سنة 1949، أول أزمة يتسبب فيها آيت أحمد في صفوف الحركة الوطنية، التي كان يهيمن عليها آنذاك حزب الشعب بسبب إثارته لمسألة الهوية الأمازيغية، مما دفع القيادة حينها، إلى تعويضه بأحمد بن بلة على رأس اللجنة السرية للحزب، واستمرت الخلافات بين الرجل ورفاقه حتى وهم في سجن فرنسي بباريس. سيما بعدما أبدى بن بلة طموحاته للسلطة والانقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة، وكان آيت أحمد يجد سنده في الراحل محمد بوضياف الذي كان يقاسمه أفكار التعددية السياسية والديمقراطية.

مسيرة آيت أحمد مع مسألة الهوية الأمازيغية ومعاداة العربية لم تتوقف هناك ويذكر أحد الشهود من جيل الثورة الذين عاشوا ظروف تمرده عقب الاستقلال: "اِلتقيت بشيخين من جمعية العلماء المسلمين، درسا بجامع الزيتونة بتونس، أحدهما يسمى لخضر بوجملين والثاني لا أعرف إسمه، وكانا يبكيان فاستغربتُ الأمر ما جعلني أسألهما عن سبب البكاء، فأجابا بأنّ مستقبلهما ضاع، لأنّ محند أولحاج وحسين آيت أحمد، منعا استعمال اللغة العربية، وأجبرا الناس على استعمال الأمازيغية فقط".


استقالة من أول مجلس تأسيسي

محطات بارزة
من مواليد 26 أغسطس 1926بقرية عين الحمام بولاية تيزي وزو، ينحدر من عائلة محافظة، وكان جده الشيخ محند الحسين أحد مريدي الطريقة الرحمانية وشيوخها. وعند بلوغه سن الرابعة دخل الكتاب لحفظ القرآن الكريم، وعندما بلغ السادسة تحول إلى المدرسة الفرنسية، ثم التحق بثانوية تيزي وزو، ثم بن عكنون بالعاصمة، إلى غاية حصوله على شهادة البكالوريا.

- بعد هروبه من الجزائر عام 1966 واصل دراسته وحصل على الإجازة في الحقوق من لوزان، ثم ناقش أطروحة دكتوراه في جامعة نانسي بفرنسا عام 1975 وكان موضوعها: " حقوق الإنسان في ميثاق وممارسة منظمة الوحدة الإفريقية ".

- اِنضمّ مبكرا إلى صفوف حزب الشعب الجزائري، منذ أن كان طالبا في التعليم الثانوي، وبعد مجازر الثامن من مايو 1945 كان من المدافعين عن خيار العمل المسلّح للحصول على الاستقلال.

- في المؤتمر السري لحزب الشعب الجزائري المنعقد 1947 كان من الداعين إلى تكوين منظمة خاصة تتولى تكوين الكوادر العسكرية لتطوير العمل المسلح.

- أشرف مع أحمد بن بلة على عملية بريد وهران التي تمت في مارس 1949.

- بعد إثارته لما يعرف بالأزمة البربرية سنة 1949، تمت تنحيته عن رئاسة المنظمة الخاصة ليعوضه أحمد بن بلة.

- انتقل بعد ذلك إلى مصر كممثل للوفد الخارجي لحركة الانتصار بالقاهرة سنة 1951رفقة محمد خيضر.

- شارك بصفته تلك (ممثل للوفد الخارجي لحركة الانتصار) في الندوة الأولى للأحزاب الاشتراكية الآسيوية المنعقدة في رانغون ببرمانيا في جانفي 1953، وقد دعمت الندوة الكفاح التحريري بالمغرب العربي.

- بعدها اتجه إلى باكستان والهند وأندونيسيا حيث تشكلت لجان مساندة لقضية الاستقلال الجزائري.

- في 1955 شارك آيت أحمد في مؤتمر باندونغ، وانتقل إلى نيويورك للدفاع عن القضية الجزائرية أمام هيئة الأمم المتحدة، وأسس هناك في نيسان 1956مكتبا لبعثة جبهة التحرير الوطني.

- بعد مؤتمر الصومام المنعقد في شهر أغسطس1956، عيّن عضوا في المجلس الوطني للثورة.

- في 22 تشرين الأول 1956 كان رفقة كل من بن بلة ومحمد خيضر ومحمد بوضياف، ومصطفى الأشرف، على متن الطائرة المتوجهة من الرباط إلى تونس وتم اختطافهم من طرف فرنسا.

- رغم وجوده بالسجن فإنه عيّن وزيرا للدولة في التشكيلات الثلاث للحكومة المؤقتة.

- في 1962 أطلق سراحه مع زملائه بعد وقف إطلاق النار.


آيت أحمد انتخب نائبا عن ولاية سطيف في أول مجلس تأسيسي بعد الاستقلال، في مهمة محددة وهي إعداد دستور للجزائر المستقلة يوضع أمام الشعب للاستفتاء. إلا أن لجوء الرئيس أحمد بن بلة إلى تبني دستور مواز في سينما إفريقيا بالعاصمة، أفقد المجلس التأسيسي مهامه وصلاحياته واستقال آيت أحمد من المجلس التأسيسي رفقة مجموعة من النواب بمن فيهم رئيس المجلس فرحات عباس. وبقي هناك معارضا لحكم بن بلة، بل أعلن عن حركة تمرد عسكرية رفقة العقيد قائد الولاية الثالثة محند أولحاج وبتغطية سياسية من طرف حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي أسسه في 29 سبتمبر/ أيلول 1963.

ودامت حركة التمرد أشهرا فقط قبل أن يتخلى عنه محند أولحاج أثناء مع يعرف بحرب الرمال مع المغرب وانتهت عملية التمرد بمقتل ما لا يقل عن 400 مجاهد من الولاية الثالثة والرابعة وباعتقاله في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1964 وإصدار حكم بالإعدام في حقه، لكنه استفاد من تخفيف رئاسي للعقوبة من قبل أحمد بن بلة، قبل التوصل إلى اتفاق بين حزبي جبهة التحرير الوطني، وجبهة القوى الاشتراكية يقضي بالذهاب تدريجيا نحو التعددية السياسية، وأعلن عن الاتفاق في 16 جوان/ حزيران من عام 1965 أي ثلاثة أيام فقط قبل الانقلاب على بن بلة.

في 30 أبريل/ نيسان 1966 فر آيت أحمد من سجن الحراش بالعاصمة، ويقال بأنه بتسهيل من بومدين، الذي عز عليه بقاء شخصية بحجم آيت أحمد نزيل السجن، لا هو يستطيع العفو عنه لأنه كان حديث العهد بقيادة البلاد بعد الانقلاب الذي نفذه ضد بن بلة، ولا هو يستطيع تنفيذ العقوبة عليه لتاريخه ووزنه ودوره في ثورة التحرير. واضطر للعيش في المنفى بأوروبا دون التخلي عن النشاط السياسي الذي أضاف له النشاط العلمي ومواصلة الدراسة الجامعية إذ تحصل على ليسانس في الحقوق من جامعة لوزان، وناقش أطروحة في الحقوق في نانسي بفرنسا عام 1975 وظل مدافعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما ألف آيت أحمد عدة كتب حول الحركة الوطنية والكفاح المسلح منها "الحرب وما بعد الحرب"و"الآفرو فاشية" وهو عنوان أطروحته، و"مذكرات مكافح" وأخيرا قضية مسيلي".


بومدين تواطأ من أجل تهريبه


خلال أحداث الربيع الأمازيغي عام 1980 لعبت جبهة القوى الاشتراكية دورا بارزا في تأطير الأحداث وإعطائها طابعا سياسيا وتجنيب انزلاقها إلى العنف. وفي خضم التحركات السياسية ضد النظام جرى في 16 ديسمبر 1985 لقاء لأول مرة منذ الاستقلال بين آيت أحمد وبن بلة بلندن بترتيب من المحامي علي مسيلي، وقد وقعا على تصريح مشترك مندد بممارسات الاستبداد والقمع ودعيا إلى إقامة دولة ديمقراطية. وفي عام 1987 تلقى آيت أحمد بألم خبر اغتيال رفيقه المحامي علي مسيلي بباريس.

وعند اندلاع أحداث أكتوبر 1988 استبشر آيت أحمد خيرا ببداية التعددية السياسية العلنية وقرر العودة إلى الجزائر في ديسمبر 1989. وأعاد تنشيط جبهة القوى الاشتراكية حيث انتخب أمينا عاما للحزب خلال المؤتمر الأول المنعقد في 15 مارس/ آذار 1991 خلفا للهاشمي نايت جودي الذي أودع ملف اعتماد الحزب لدى الداخلية في 24 سبتمبر/ أيلول1989.

ونشّط الحياة السياسية التعددية من خلال الدعوة إلى مسيرات سلمية بالجزائر العاصمة لاسيما تلك المسيرة التي قادها في 27 ديسمبر 1990 ضد قانون اللغة العربية وتلك المسيرات ضد قانون الأسرة، وكذا المطالبة بدسترة اللغة الأمازيغية وترسيمها.

كما شارك آيت أحمد في الدور الأول للانتخابات التشريعية لعام 1991 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، واحتل فيها حزبه المرتبة الثانية، وفي 2 يناير 1992 دعا إلى مسيرة حاشدة بالعاصمة داعيا الأغلبية الصامتة للتصويت في الدور الثاني ضد الدولة الأصولية والدولة البوليسية، إلا أنه تفاجأ بوقف المسار الانتخابي واستقالة الشاذلي بن جديد، وهو الأمر الذي ندد به وعارضه بشدة.


تنديد بإلغاء المسار الانتخابي


عند مجيء محمد بوضياف إلى الجزائر واعتلائه رئاسة المجلس الأعلى للدولة لم يلب آيت أحمد دعوته ويده الممدودة بالرغم من العلاقة القديمة والوطيدة بين الرجلين منذ الثورة التحريرية.

إلا أنه دعا إلى ندوة وطنية حول المصالحة على نموذج جنوب إفريقيا، وبعد اغتيال محمد بوضياف، اختار المنفى الإرادي في جنيف من جديد في تموز 1992.

ومن منفاه بسويسرا لم يتوقف آيت أحمد عن النشاط السياسي والديبلوماسي ضد خيار وقف المسار الانتخابي وإزاء الأزمة التي نشبت بعد ذلك ودخول الجزائر في العشرية السوداء مستعينا بالعلاقات التي نسجها مع أحزاب ومنظمات غير حكومية أوروبية وأميركية في إطار الأممية الاشتراكية، التي ينتمي إليها حزب جبهة القوى الاشتراكية.

وقد كللت تلك الاتصالات بعقد ندوتين بروما تحت رعاية الجمعية المسيحية سانت إيجيديو في يناير 1995 وقد توجت الندوة الثانية بالتوقيع على ما سمّي عقد روما أو العقد الوطني ووقعه آيت أحمد إلى جانب أنور هدام عن جبهة الإنقاذ المحظورة، وعبد الحميد مهري عن جبهة التحرير الوطني، والرئيس السابق أحمد بن بلة، والحقوقي علي يحيى عبد النور وعبد الله جاب الله الإخواني، واليسارية لويزة حنون.

وهو العقد الذي اتخذت منه السلطة ممثلة في الرئيس اليامين زروال موقف الرفض والعداء، وظل آيت أحمد يدعو إلى ترسيخ حوار سياسي دون إقصاء ولا شروط مسبقة مع القوى السياسية الممثلة في عقد روما، بما فيها قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ من أجل وقف العنف وإراقة الدماء.

كما ظل يدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية للتقصي في المجازر الإرهابية في الجزائر للإجابة عن تساؤل ظل يردده وهو من يقتل من؟ رغم ذلك شارك آيت أحمد في الانتخابات التشريعية والمحلية لعام 1997 في موقف براغماتي، بالرغم من معارضته الشديدة لمؤسسات المرحلة الانتقالية التي قادها زروال آنذاك.

وعندما دعا هذا الأخير في 1998 إلى انتخابات رئاسية مسبقة في نيسان 1999 قرر آيت أحمد المشاركة فيها رفقة 6 شخصيات، إلا أن الوعكة الصحية التي ألمّت به أثناء الحملة الانتخابية جعلته يتخلى عن السباق وينقل إلى سويسرا للعلاج والراحة. وأمام تنامي فكرة مرشح الإجماع المتمثل في الرئيس بوتفليقة، وعندما تم جمع معطيات أوحت للمترشحين أن الانتخابات غير مفتوحة وأن عملية التزوير لصالح الرئيس بوتفليقة وشيكة قرر رفقة باقي المترشحين الانسحاب عشية إجراء الانتخابات وترك المترشح بوتفليقة وحده في الميدان.

إلا أنه واصل نشاطه من المنفى خاصة النشاط الديبلوماسي الموازي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية كما شارك في إقامة دعوات قضائية لاسيما ضد اللواء خالد نزار بفرنسا.

وبعد أن عاش حزبه فترة من الركود السياسي ومقاطعة الانتخابات منذ 2002 قرر آيت أحمد إعادته إلى الساحة السياسية من خلال المشاركة في آخر انتخابات تشريعــية ومحلية في 2012.

15