خمسة فرنسيين يوحّدون الديانات برحلة حول العالم

الخميس 2014/08/07
الأديان لم تكن يوما دافع تفرقة بقدر ماهي تحض في جوهرها على التعايش والتسامح

رين (فرنسا) - الأديان على اختلافها لم تكن يوما باعثا للتفرقة والتناحر والتمييز بين بني البشر؛ هي فكرة طالما راودت الكثيرين، وآمن بعضهم بها في سرّه وعلنه، فمنهم من ارتضاها هديا يسير عليه في حياته اليوميّة وحمل على عاتقه مهمة إعلاء قيمة التسامح النابعة من لدنها، ومنهم من ذهب باحثا عنها في تفاصيل حياة الشعوب والجماعات المختلفة في جلّ أنحاء العالم من أجل تقديم المثال الجيّد، شأن رحلة فريدة من نوعها، قام بها خمسة شبان فرنسيين من أديان مختلفة إثباتا لإمكانية التعايش رغم الاختلافات.

قام خمسة فرنسيين من أديان ومعتقدات مختلفة، برحلة حول العالم بحثاً عن قواسم مشتركة توحد البشر وتتجاوز الاختلافات التي يمكن أن تخلقها انتماءاتهم الدينية، من الصين إلى الأرجنتين مروراً بكينيا وحتى الفاتيكان.

وفي جولة استمرت عشرة أشهر، وانتهت بداية هذه الصائفة، وشملت حوالي أربعين بلداً، قام إيلان واسماعيل وصامويل وفيكتور وجوسلان، الأعضاء في جمعية “كويكزيستيه”، بزيارة عدد كبير من الجماعات من شتى الأديان والمعتقدات في العالم، من الإحيائيين في بوركينا فاسو إلى الشيناتويين في اليابان باحثين عن الروابط التي يمكن أن توحّد بني البشر بعيدا عن اختلافاتهم العقائديّة.

وفي هذا السياق، أوضح إيلان سيالوم، أحد الخمسة القائمين بالرحلة، قائلا “إنّ المرء يحتاج للذهاب إلى الآخر ليعرف نفسه”، مشيراً إلى أن هذه الجولة حول العالم أعطته دافعاً للتجذر أكثر في ديانته اليهودية.

ومن ناحيته، قال صامويل غرزيبوفسكي: “على الصعيد الشخصي، كلما كان لدينا احترام لإيمان الآخرين، زاد احترامنا لإيماننا”.

وصامويل، هذا الكاثوليكي، هو صاحب فكرة تأسيس جمعية “كويكزيستيه” سنة 2009، عندما كان في سن الـ16 حينها. وقد نبعت لديه هذه الفكرة عندما كان يتابع تطورات النزاع الإسرائيلي– الفلسطيني، إبان الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة في ذلك الوقت، والتي لاقت حينها تأييداً في بعض الأوساط الفرنسيّة.

الهدف من الرحلة لم يكن التسلية، بل قادهم إلى التعرف على المبادرات المتخذة في مختلف البلدان لصالح الحوار

ومن جهة أخرى، قال إسماعيل مجذوب، وهو شاب مسلم: “لسنا بحاجة إلى الصراعات الدينية والتمييز على الأساس العقائدي في فرنسا، حيث أنّه لدينا ما يكفي من التوترات الاجتماعية”.

كذلك أعطى جوسلان ريث، الذي يصنف نفسه ضمن خانة “اللاّأدريين”، حصيلته للرحلة قائلا: “لقد أثبتنا أن خمسة شبان فرنسيين من ديانات مختلفة بإمكانهم العيش سويا، ومواجهة الاختلافات، بل بالعكس قدّمنا مثالا جيّدا عن التعايش والتنغام”.

هذه الرحلة التي قلّ نظيرها في العالم، أراد الشبان الذين قاموا بها أن يقدّموا مثالا حيّا نابعا بالأساس من إعلاء “قيمة القيم”، كما يسمونها، وهي التسامح. هذه القيمة التي لم ينتهوا عند معاينتها لدى الشعوب والمجتمعات المختلفة، أو حتّى في علاقتهم ببعضهم البعض لدى تجوالهم وتحوّلهم من بلد إلى آخر، بل عمدوا عند عودتهم إلى فرنسا إلى التعريف بها ونشرها لدى الأوساط الفرنسيّة.

فبعد عودتهم من كندا، التي كانت محطّتهم الأخيرة، بدأ الشبان الخمسة في منطقة بريتانييه، جولة في فرنسا استمرت شهرين، بهدف مشاركة خبراتهم في مجال التسامح والتعايش بين الأديان مع مواطينيهم الفرنسيين، “الذين هم في أشدّ الحاجة إلى مثل هذه الخبرات”، على حدّ تعبير إسماعيل.

وفي هذا الإطار قال صاموييل أنّ “الهدف من رحلتهم حول العالم لم يكن التسلية وتمضية الوقت، بل قادهم التعرف إلى المبادرات المتخذة في مختلف البلدان لصالح الحوار بين البشر أياً كانت معتقداتهم وقناعاتهم”. وقال فيكتور غريزيس، من جهته، “لقد تأثرنا كثيراً بصدق الناس الذين التقيناهم”، مؤكّدا أنّه غير راض عن العادة الفرنسية القائمة على إلغاء الدين من الحياة العامة، خشية أن يؤدي ذلك إلى التقوقع حول الذات. وقد بدا هذا الموقف غريبا إلى حدّ من طرف شاب يدّعي أنّه “ملحد”.

الشبان آمنوا في نهاية رحلتهم بأن انتشار الشر بسهولة في العالم أجمع، يقابله انتشار أوسع وأسهل للخير أو للسلام

وتجدر الإشارة إلى أنّ النظام الفرنسي العلماني، يكفل حرية المعتقد ووقوف الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان. وقد أراد دعاة العلمانية التي أرسيت كنظام للدولة الفرنسية في 1905، من خلال هذا التنصيص، تطويق نفوذ الكنيسة الكاثوليكية على الحياة العامة والتأكيد على ضرورة بقاء الدين حكراً على الحياة الشخصية.

هذا وقد ألتقى الشبان الخمسة لدى عودتهم من جولتهم العالمية، وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي أظهر لهم حماسة كبيرة إزاء مشروعهم هذا.

وجلب الشبان الخمسة، وجميعهم طلاب حاليّون أو سابقون في باريس، من جولتهم تسعة أقراص صلبة للقاءاتهم مع أكثر من 400 شخص من مختلف البلدان والديانات. ومن بين المبادرات التي أثرت فيهم كثيراً مشاركتهم في “الليلة الطويلة للأديان”، وهي مبادرة في دور عبادة مختلفة في برلين.

ويقول اسماعيل، صاحب العشرين ربيعا وهو أصغر الشبان الخمسة سنّا، في هذا الصدد “بعد هذه المبادرة في العاصمة الألمانية، تراجعت الأعمال المعادية للمسلمين أو لليهود”.

وقد شعر كل واحد من الشبان الخمسة في لحظة من اللحظات بالوحدة، كما حصل مع إسماعيل في أميركا اللاتينية حيث تنتشر الديانة الكاثوليكية على صعيد واسع، أو فيكتور الذي حاول تفسير “إلحاده” لأشخاص مسلمين في مصر كانوا يجيبونه “كلا، أنت مسيحي”. ومن بين المحطات التي أثارت أملاً لدى الشبان الخمسة، زيارتهم لقرية فلسطينية ومستوطنة يهودية وجدا أنّ الدين لا يمثّل عائقا أمام تعايش أهلها.

ويذكر أنّ هؤلاء الشبان ، كتبوا على الموقع الخاص برحلتهم عند عودتهم: “إذا ما كان الشر الموجود هنا ينتشر بسهولة في العالم أجمع، فإن الأمر قد يكون نفسه بالنسبة للخير أو للسلام”.

13