خمسة مداخل نحو إسلام حداثي

الاثنين 2014/11/17

كانوا مئة شخص تقريباً، رجالا ونساء، هم نخبة من القيادات المسلمة في أميركا، عقلاء عقيدة تعاني الكثير من اللغط، أقاموا صلاة الجمعة الماضية بالكاتدرائية الوطنية بواشنطن، في تعبير عن رسالة السلام بين الأديان، وكانت خطبة الجمعة درسا بليغا في الحاجة إلى التعايش والاعتراف المتبادل بين مختلف المذاهب والأديان.

كان الحدث كبيراً بكل المقاييس، وصادما لبعض الحساسيات، وكانت الرسالة عميقة تقول: إن إسلاماً يليق بالقرن الواحد والعشرين لا يزال ممكنا، بعيداً عن إسلام البداوة والهمجية والنهب والاغتصاب وتدمير القباب والمزارات والمآثر والبنايات، بعيدا عن إسلام القدامة وعصر المماليك. ومرّة أخرى رأينا ضوءا صغيرا في العتمة ولو من بعيد. وهذا ليس مستغربا في آخر التحليل، فقد اعتدنا أن نرى نفس المنظومة الدينية الواحدة تنتج مواقف همجية هنا وإنسانية هناك. فأين المشكلة.

هناك معطى هام، إذا كانت نفس الفكرة تقود إلى الموقف ونقيضه في نفس الآن فهذا يعني أن الفكرة حمالة أوجه، وأن تمثل الناس للفكرة أهم من الفكرة ذاتها. بهذا المعنى يمكننا أن نفترض أنّ المشكلة ليست في الدين ذاته، لكننا لا يجب أن نقف عند (ويل للمصلين) يجب أن نقر أيضا بأنّ المشكلة ليست في المقابل بعيدة عن الدين. المشكلة تحديداً في الفكر الديني، في الموروث الديني، في الخطاب الديني، أي في الخطاب الذي ينتجه الإنسان حول الدين.

إنّ نفس الحكاية الواحدة، نفس القصة الواحدة، تحتمل دائماً قراءات وتأويلات متعددة ومتضاربة. مثلا، قد نقرأ قصة قتل قابيل لأخيه هابيل من زاويتين متضاربتين: زاوية أولى سلميّة تمجد موقف هابيل الذي رفض أن يواجه عنف أخيه بعنف مضاد حين قال له (لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك)، لكن هناك أيضا زاوية ثانية تعتبر هابيل شخصا مهزوما ولذلك انقرضت سلالته “السلمية” من الوجود، ولربّما نستحضر مبدأ نسخ الشرائع لنقول إن شريعة هابيل منسوخة بموته وبقاء أخيه. كما أن السيرة النبوية التي تتيح تعدّد الزّوجات إذا نظرنا إلى عدد زوجات النبي، هي نفس السيرة التي تمجد الزّواج الواحد إذا اعتبرنا بأنّ النبيّ لم يتزوّج على خديجة أي امرأة أخرى إلى غاية مرور أكثر من عامين على وفاتها. وكذلك فإنّ فتح مكة الذي يمكن النظر إليه كحدث عنيف، قد يبدو من زاوية أخرى إيذانا بنهاية الفتوحات والغزوات باسم الدين، (اليوم أكملت لكم دينكم…)، (إذا جاء نصر الله والفتح…)، إلخ. الأمر كله مرتبط بالتأويل الذي يكافح من أجله الإنسان في آخر الأمر.

مطارحتنا في الموضوع أنّ الإسلام الذي أنتج خطابات قدامية تحرض على الحقد والكراهية والتعصب، بوسعه أن ينتج في المقابل خطابا حداثيا مفعما بقيم الحريات الفردية وحقوق الإنسان. وفعلا فنحن لا ننكر ثقل الموروث الديني الفقهي الذي يجعل المهمة صعبة، لكننا مقتنعون أيضا بأن تفكيك وإعادة تركيب الفكر الديني يمكنه أن يمنحنا فرصة مؤاتية لإنتاج خطاب حداثي مدني علماني من داخل الإسلام، وأرى أن الإسلام يمنحنا خمسة مداخل ممكنة:

المدخل الأول، الفصل بين الغيب والشهادة: حيث أن العقيدة الإسلامية قائمة على الفصل التام بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وهو فصل اعتمده الخطاب القرآني وقام عليه الفكر الإسلامي. إذ يبقى الله في الإسلام متعاليا، منزها، مجرداً، ليس كمثله شيء، لا يحتل حيزا في الزمان ولا في المكان، إلخ. وتبقى الآخرة كما حددها الخطاب القرآني وبلورها الفكر الإسلامي غير موجودة في مكان ما من هذا الكون الذي نعيش فيه، ليست امتدادا لهذا الكون، لكنها في مكان من نوع آخر، في بُعد آخر، في اللامكان. وبالجملة فإن عالم الغيب مفصول كليا عن عالم الشهادة.

المدخل الثاني، نسبية الأحكـام: حيث يقوم الخطاب القرآني على قابلية الأحكام للنسخ والتعطيل والإلغاء. وطبعا فإن الأحكام المنسوخة كثيرة يصعب تعدادها، وهي قد تُنسخ بسبب نزول حكم جديد (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها…)، وهذا أمر يقره الفقهاء، أو بسبب انتفاء العلل وتبدّل الأحوال، مثل الآيات التي تدعو إلى الهجـرة والتي من المنطقـي أن يكـون حكمها قد نُسخ تلقائيا عقب فتح مكـة. وفي كـل الأحـوال فإن النسخ إما للسبب الأول أو للسبب الثاني يعني أن الأحكام جميعها تتمتع بنوع من القابلية الأصلية للنسخ.

المدخل الثالث، الدين لله والدنيا للجميع: حيث قامت مدينة النبي على الفصل الواضح بين أمور الدين (حيث الله أعلم بها)، وأمور الدنيا (حيث الناس أدرى بها). وقد أوضح الرّسول ذلك في عبارة بليغة تقول: “أنتم أعلم بأمور دنياكم، فما كان من أمر دينكم فإليّ”.

المدخل الرابع، السّنّة هي كلّنا: حيث أن السنّة ليست من اختصاص الرسول على وجه الحصر. ومن أشاع هذا؟ فقد روي عن الرسول نفسه أنه قال: “من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة”. ما يعني أنّ أيّ إنسان قد يسنّ سنّة حسنة تبعاً للظروف والمتغيرات والأحوال. وفي رواية أخرى “من سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً”.

المدخل الخامس، يتطور الديـن بفعل قـدرته على التجاوز الذاتي: وليس أدل على ذلك من أن الصحابة والتّابعين لم يتقيّدوا بأي شيء اسمه سنّة الرّسول أو سيرته. ولو كان الأمر على غير ذلك النّحو لما جمعوا القرآن أصلاً، ولما رتّبوه بهذا الترتيب من الحمد إلى المعوذتين، ولما دوّنوه في مصحف واحد، ولما وضعوا للسّور أسماء ثابتة، ولما فرّقوا بين السّور بالبسملة، ولما أضافوا التّنقيط والتّنوين، ولما أقرّوا التأريخ بالتقويم الهجري القمري، ولما نقلوا العاصمة من المدينة أو من أم القرى إلى دمشق ثم بغداد ثم ثم.. ولما جمعوا في الأخير أحاديث الرّسول ودوّنوها في أصحـاح، وقـد قـال الـرّسول بنفسه “لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحـه”. وبالجملة، لو تقيّد الصحابة والتابعون بسنّة الرسول وسيرته لما وُجِد عندنا اليوم شيء اسمه النص الديني.

تلك خمسة مداخل نقترحها لأجل بناء إسلام حداثي مدني علماني يليق بالقرن الحادي والعشرين. وللكلام بقية.


كاتب مغربي

9