خمسة معطيات ليبية تختبر مؤتمر برلين

نجاح المؤتمر يحتاج إلى التعامل الإيجابي مع الواقع الليبي كما هو وليس كما يراد له أن يكون.
السبت 2020/01/18
من أجل ليبيا موحدة

ينظر الليبيون إلى مؤتمر برلين المقرر عقده الأحد 19 يناير، على أنه الفرصة الأخيرة أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لحل الأزمة في بلادهم، رغم أن هناك شبه قناعة بأن القوى الدولية (الغربية منها بالخصوص) فشلت خلال السنوات التسع الماضية في فهم حقيقة ما يدور على الأرض، ولم تتعامل مع ليبيا إلا كموقع مؤثر في الأمن الإقليمي أو ثروة يسيل لها لعاب الشركات الكبرى، وهو ما جعل كل المبعوثين الأمميين يفشلون في مهامهم، وكل المبادرات تؤدي إلى تعميق الصراع بدل الدفع به إلى الحل.

أدت فوضى الربيع العربي إلى حالة ليبية هي أقرب لما حدث في العراق في العام 2003، من حيث فسح المجال أمام الميليشيات والجماعات الإرهابية والمجرمين الفارين من السجون ولصوص المال وعملاء المخابرات الأجنبية لملء الفراغ الذي تركه انهيار النظام وأجهزة الدولة التي تم حلها واستبعاد كل من كان يحسب على المرحلة السابقة بالاغتيال أو الاعتقال أو التهجير أو العزل. فإذا بثالوث السلطة والثروة والسلاح ينتقل إلى أيادي أمراء الحرب والمتطرفين والانتهازيين ممن عملوا على شرعنة الواقع الجديد بالدوران في فلك الإسلام السياسي الفاقد لشرعية الشارع والباحث لنفسه عن فرصة للثأر من الدولة الوطنية التي لا يعترف بها من الأساس.

عوض أن تعمل على إصلاح خطأ إسقاط الدولة بإعادة فرض النظام وبسط الأمن والاستقرار، سعت العواصم الغربية إلى التنافس على خدمة مصالحها من خلال الطبقة السياسية والاقتصادية الجديدة التي تتكون أساسا من إسلاميين في واجهة الحكم وأمراء حرب ورجال أعمال فاسدين يبسطون نفوذهم على الأرض وعلى مؤسسات الدولة بما فيها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

كان واضحا أن ما يهم تلك العواصم هو الثروة لا غير، حيث لا يجتمع مسؤولوها ولا يتفق سفراؤها إلا إذا اقتربت الفوضى من حقول النفط أو الموانئ النفطية، أما الشعب الليبي فلا أحد يستمع إلى أنينه أو يسعى إلى تضميد جراحه.

دفعت الفوضى إلى إعادة تشكيل الجيش الوطني الليبي ليقوم بدوره في حماية بلده وشعبه وسيادة مقدرات دولته، فنجح في تحرير أغلب مناطق البلاد من الإرهاب، رغم أن سلطة الإسلاميين المفروضة على طرابلس كانت تدعم الجماعات المتطرفة من مال الليبيين.

واليوم اقترب الجيش من وسط العاصمة ليتمّ مهمته، مدعوما بالأغلبية الساحقة من أبناء وطنه، لكن المحور الإخواني في المنطقة وعلى رأسه تركيا خاف على مصير أتباعه وعلى مصالحه المرتبطة بهم، فاتجه إلى إرسال المرتزقة والسلاح إلى طرابلس أمام أنظار العالم المتمدن.

غدا الأحد، ينعقد مؤتمر برلين بخصوص الأزمة، ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال إن مشروع البيان الذي سيصدر عنه يتمحور حول ستة محاور، هي: وقف الأعمال القتالية والوقف الدائم لإطلاق النار، وتطبيق حظر الأسلحة، وإصلاح قطاع الأمن، والعودة إلى عملية سياسية، وإجراء إصلاح اقتصادي، واحترام القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان. إلا أن نجاح المؤتمر يحتاج إلى التعامل الإيجابي مع الواقع كما هو، وليس كما يراد له أن يكون، حيث هناك خمسة معطيات مهمة تميز الوضع الحالي في ليبيا ولا يمكن تجاهلها.

أول تلك المعطيات، أن الجيش الوطني الليبي قوة نظامية منبثقة عن إرادة الليبيين من خلال برلمانهم المنتخب. وهو يبسط نفوذه على أكثر من 90 بالمئة من مساحة البلاد. ويحظى بثقة أغلبية الشعب. وكان له الدور الأكبر في محاربة الإرهاب وتطهير أغلب المناطق منه. وتولى تحصين الثروة النفطية. وتصدى للجماعات الخارجة عن القانون. وأثبت وفاءه لقيم الاعتدال داخليا وخارجيا.

وثاني تلك المعطيات أن الطرف المقابل يعتمد على ميليشيات خارجة عن القانون، تشكلت منذ العام 2011 لاحتلال مواقع مؤسسات الدولة. وهذه الميليشيات مرتبطة بتنظيمات عقائدية متورطة في الإرهاب. وتؤكد المنظمات الحقوقية والتقارير الإعلامية الموثقة أنها تمتلك سجونا خاصة وتنفذ جرائم الاغتيال والاختطاف والقتل وسرقة المال العام. حيث شنت خلال الأعوام الماضية عمليات تهجير للسكان المحليين في عدد من المدن والقرى. وهجمت دون مبررات على القبائل. ودمرت عددا مهما من منشآت الدولة.

أما ثالث المعطيات، فيتمثل في ارتباط تلك الميليشيات والجماعات المسلحة بتنظيمات عقائدية على صلة بالإرهاب وعلى رأسها جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة التي ترتبط بدورها بمحور إقليمي هدفه بسط نفوذه على موقع ليبيا وثرواته.

يأتي على رأس هذا المحور النظام التركي الذي أعلن صراحة تدخله في الشأن الداخلي الليبي بالسلاح والمرتزقة ضاربا عرض الحائط بالقرارات الأممية وبالإرادة الليبية تحت شعارات لا تخلو من العنصرية والنزعة الاستعمارية.

ورابع المعطيات، هو اعتقاد لدى جانب مهم من الرأي العام الداخلي والخارجي بعدم شرعية أو مشروعية حكومة الوفاق التي تمّ فرضها على الليبيين من خلال اتفاق الصخيرات قبل أكثر من أربع سنوات، والتي فقدت أسسها القانونية ولم تحظ بالتزكية البرلمانية، وهي بالتالي غير دستورية، ومرفوضة من عموم الشعب، خصوصا وأن خمسة من أعضاء المجلس الرئاسي تركوا مواقعهم.

كما أن الأجل القانوني للحكومة كان لا يتجاوز عامين، وتم تمديده من خلال سياسة الأمر الواقع رغم عجزها على تنفيذ أيّ من الأهداف التي أنيطت بعهدتها من قبل اتفاق الصخيرات، إلى جانب تورطها في التبعية المعلنة للمشروع التوسعي التركي بعقد اتفاقيات غير قانونية تهدد السلم والاستقرار في المنطقة، وبتأجير المرتزقة واستقدامهم من الخارج لمقاتلة القوات المسلحة النظامية.

أما المعطى الخامس، فهو ما أثبتته حالة مدينة سرت بعد تحريرها مؤخرا، حيث لا يمكن أن تتحقق مصالحة وطنية حقيقية ولا يمكن أن يعود الأمن والاستقرار إلا في ظل سلطة الجيش الوطني. ولا يمكن الحديث عن تشكيل حكومة وطنية ودخول مرحلة انتقالية حقيقية ولا كتابة دستور أو تنظيم انتخابات رئاسية أو برلمانية تحت حكم الميليشيات، ولا يمكن أن تخرج ليبيا من النفق، إلا بإخراجها من دائرة الصراع الأيديولوجي الإخواني، ومن حسابات المصالح التركية الاستعمارية المعتمدة في تحقيق أهدافها على الإسلام السياسي وبنادق المسلحين الخارجين عن القانون.

فهل سيقف مؤتمر برلين عند هذه المعطيات؟ غدا نكتشف الحقيقة.

7