خمسون عاما تفصلك عن تعديل جيناتك بمئة دولار فقط

الاثنين 2016/10/03
يمكن اختيار الجينات حسب الذوق

في العالم العربي ما يزال موضوع هندسة الجينات يثار حوله الكثير من اللغط والشكوك، فالمخاوف الأخلاقية قوية والآراء متباينة، لذلك من المفيد تقديم عرض علمي يحررنا من الكثير من الأوهام المحيطة بنا، ويمكّن من إطلاعنا على تقنيات واعدة حقا في المستقبل، بحيث فسحت الهندسة الجينية التركيز على جزيئات علاجية أو مضافات حيوية، يمكن أن تصل بالتحديد إلى الخلايا المريضة أو الأعضاء المستهدفة، مما يتيح بعد ذلك تحسينها وتعديلها عبر التدخل المباشر في الحمض النووي المكون الوراثي لكل الكائنات الحية.

وإذا كان أول تقطيع الجينوم الذي تحقق في عام 2000 قد كلف حوالي 3 مليارات دولار، فهو اليوم لا يتجاوز 3 آلاف دولار، وسيصل في نهاية هذا العقد إلى 100 دولار، مما يُمكن جميع البشر من معرفة شاملة لخصائص حمضهم النووي، وبكل اختلالاته وأمراضه المحتملة، كما يحصل عادة من فحص الدم الروتيني اليوم. لكن الأهم يكمن في قدرة تقنية المقص الوراثي على قطع ولصق الحمض النووي، ثم القدرة على تهجينه كما يقع تماما عندما نُصحح خطأ إملائيا أو نحرك جملة ببرنامج حاسوبي للمعالجة النصية، بحيث أصبح كل شيء متاحا بفعل الجراحة الإحيائية، مما يسمح بتحفيز وتعطيل أو إضافة مورثات جينية أو خلايا جنسية بحسب الطلب، بل يتعدى الأمر اليوم إلى تعديلها ونقلها أو تهجينها، وفسح المجال أمام آفاق غير محدودة في علوم الحياة، وإن كانت غير معروفة ومتوفرة كلها حاليا في أدبيات الهندسة الوراثية.

يعد نظام الجراحة الوراثية الجديد بمثابة السكين السويسري أو “آيفون” البيوتكنولوجيا، حيث شكل نظام كريسبر كاس 9، في الأصل تتابعات للحمض النووي تستخدمها الكثير من البكتيريا للدفاع عن نفسها، ويكمن هدفها في محاربة البكتيريا للالتهابات الفيروسية بنظام مناعة قادر على تدميرها، فالبكتيريا بهذا المعنى تحتوي على تسلسلات متشابهة عديدة في حمضها النووي يطلق عليها اسم كريسبر.

وهي اليوم كناية عن تقنية تسمح لعلماء الجراحة الوراثية بتصحيح وغربلة جينات باستخدام جزيئات الحمض النووي الموجه التي تستهدف الجينات في موضع يسمى كريسبر الذي يرمز إليه بـ”التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد”، أي أنها بوسعها التعديل في حمضنا النووي، بحيث يفسح المجال بعد ذلك لسكين (كاس 9)، وهو إنزيم مختص في تقطيع الحمض النووي، يسمح بفصل الحمض النووي المصاب بالفيروس، وبالتالي يصبح المجال مفتوحا للتحكم في الطريقة التي يتم بها إصلاح الحمض النووي بعد قطعه، وتحفيز الخلايا من جديد بعد ترتيب الحمض النووي، وحتى التلاعب بها عن طريق إلصاق قطع جديدة من الحمض النووي في مكان القطع، وبالتالي إجراء تعديلات في غاية الدقة، وبسرعة فائقة على شرائط الحمض النووي والخلايا.

في البداية كلف تقطيع الجينوم 3 مليارات دولار، اليوم لا يتجاوز 3 آلاف دولار وسيصل في نهاية هذا العقد إلى 100 دولار

وتشير العالمتان إيمانويل شاربونتتيه وجنيفر دودنا إلى أنها أقوى تقنية في القرن الحادي والعشرين تتيح لأول مرة في حياة الإنسان تغيير وقطع الحمض الريبي بطريقة سهلة وبسيطة، متفوقة على سائر تقنيات التشخيص قبل الزرع أو تقنية الزرع بالأنبوب، حيث يتساءل العلماء لأول مرة عن إمكانية تطبيق نظام كريسبر على الأجنة البشرية الحية إذا كانت تحمل أمراضا وراثية لحمايتها من أمراض خطيرة.

لكن فئة أخرى ترد بقوة قائلة إن استعمال هذه التقنية مبكر جدا، ما دام التعديل يطال جينات أخرى غير مطلوبة، ومن ثم كيف سنتعامل إذا حدث تعديل في سمات الجنس البشري، يعتبره علماء الدين اعتداء على المشيئة الربانية، لأن ذلك سينتقل إلى الخلف بالتدريج وبغير رجعة، بحيث سيظهر كائن بشري جديد ذو صفات وملامح جديدة، وبالتالي بروز تحوير نهائي في الجنس البشري.

لذلك عمدت الجمعية الملكية البريطانية والأكاديمية الوطنية الأميركية والصينية للعلوم إلى الدعوة لتأجيل التطبيق على أجنة بشرية حية، لكن العالم الصيني جونجيو هوانج برر بقوة تطبيق كريسبر على أجنة ميتة للوصول إلى تطبيقات أكثر دقة، بينما دعت شاربونتييه ودودنا مكتشفتا نظام كريسبر-كاس9 إلى ترشيد الاستخدام وبتعقل.

غير أنه يتضح أن التجارب السريرية اتخذت أبعادا متقدمة في فك ميكانيزمات الأمراض العصبية (التوحد، أورام الدماغ، الخلايا العصبية) والسرطانية، بحيث سهل تقطيع مقاطع من الحمض النووي وضع صورة جينية لعدد كبير من أمراض الإعاقة الذهنية، كما أنه مع نظام كريسبر -كاس 9، أصبح من السهل دراسة مختلف تعبيرات الجينات العصبية محليا.

ولأول مرة أعلن فريق صيني في 21 يوليو 2016 أنه سيطبق نظام كريسبر- كاس 9 على أحياء مرضى مصابين بسرطان رئة متقدم، بحيث سيقوم العالم الصيني لو يو بدفع الخلايا التائية للتعرف على الأورام السرطانية، وهي مجموعة من الخلايا اللمفية الموجودة في الدم، تلعب دورا أساسيا في المناعة الخلوية، حيث تقتضي العملية أن تتعامل الخلايا التائية لأول مرة مع الخلايا المريضة كعدوة للجسم البشري، وبالتالي الهجوم عليها، ثم استخدام نظام كريسبر بعد ذلك لتقطيع مورثة تطلق عليها ب.د.1، بحيث تطلب هذه المورثة من الخلايا التائية الإذن للهجوم على الخلية، ثم يعمد بعد ذلك إلى مضاعفة الخلية المعدلة، وزرعها مجددا في جسم المريض.

باحث في جامعة السوربون

7