خمسون يوما من حكم الملك سلمان: سياسة حاسمة في الداخل والخارج

الجمعة 2015/03/13
لقاء الملك سلمان بأوباما يعطي ديناميكية للتحالف الاستراتيجي الأميركي السعودي

يسجل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز اليوم، يومه الخمسين من حكم المملكة، بعد فترة تجلت خلالها ملامح عديدة لآمال وتطلعات الملك الجديد على مستويات عدة، وتأكد أنّ انتقال عرش السعودية ليلة الثالث والعشرين من يناير الماضي من الملك عبدالله إلى الملك سلمان لم يكن مجرّد انتقال للسلطة من يد إلى أخرى، بقدر ما يمثل دخول المملكة مرحلة جديدة انطلقت عمليا مع إجراء العاهل الجديد تغييرات جذرية طالت أغلب مفاصل الدولة وتعدّت تغيير الأشخاص إلى تعديل المؤسسات الداخلية وأيضا تعديل مستوى السياسة الخارجية.

أعفى العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز، وزير الإسكان من منصبه بعد يوم من توجّهه إلى السعوديين، والعالم، بخطاب حدّد فيه بوضوح معالم عهده على المستوى المحلي والعربي والدولي.

ما تضمّنه خطاب الملك سلمان، وما سبقه من تغييرات ونشاط مكثّف داخل البيت السعودي، جعلا المحلّلين يختصرون مدة الـ”مئة يوم الأولى من الحكم”، المعمول بها دوليا لتقييم إنجازات الحكومات الجديدة وتقدير سلبيّاتها وإيجابياتها، إلى خمسين يوما، بل إنّ الواقع السعودي الجديد مضى في تجاوز هذه القاعدة الزمنية منذ الأيام الأولى في عهد الملك سلمان، إلى حد أنّ بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، قال في وقت سابق “لقد أنجز الملك سلمان خلال 10 أيام أعمالا يقوم بها الزعماء الجدد عادة خلال مئة يوم”.

بل إنه يمكن القول إن السعودية لم تكن بحاجة سوى أسبوع واحد بعد وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز، لتبدأ مرحلة جديدة مكتملة الانتقال من حكم إلى آخر في تاريخ دولة يتجاوز الثمانية عقود. بل إن خارطة السياسة الداخلية والخارجية للسعودية في عهد الملك سلمان بانت معالمها منذ خطابه الأول بعد مبايعته، وإعلانه عن تعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز وليا للعهد والأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد وتعيين الأمير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع ورئيسا للديوان الملكي، خلفا لخالد التويجري.

شهدت الأيام الخمسون تميزا داخليا لم يتوقع الكثيرون في المملكة أن يحدث بهذه السرعة. لكن الملك سلمان، المعهود عنه دقة الإنجاز والمتابعة، أعاد ضبط البوصلة لتشير نحو هدفه “أن تكون المملكة نموذجا ناجحا ورائدا في العالم على كافة الأصعدة”.

وأعقب التعيينات الرئيسية، تغييرات محورية في المؤسسات الداخلية، في المملكة، بشكل سريع ومتواتر، ومتزامن مع نشاط هام على صعيد السياسة الخارجية للرياض. وهو نشاط قيّمه الملك سلمان، في خطابه، الذي ألقاه مؤخّرا، وكان بمثابة خارطة طريق ووثيقة عمل لسياسة المملكة الداخلية والخارجية، في القادم من الأيام.

ملامح خمسين يوما من السياسة السعودية في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز تعكس تقدما سريعا على كافة الملفات

ويشير الخبراء المختصّون في الشأن السعودي إلى أنه لم يكن مفاجئا ما جاء في هذا الخطاب، وما سبقه من قرارات، فالملك سلمان، هو خلاصة كافة الملوك السابقين، الذين كان ملازما لهم وسندا كبيرا لأغلبهم، ومستشارهم الدائم، بدءا بوالده مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز وصولا إلى الراحل الملك عبدالله.


استراتيجية العمل الداخلي


تؤكّد التغييرات الجوهرية والواسعة التي شملت تركيبة مجلس الوزراء، وامتدّت لتشمل الهيكلة الإدارية للدولة بإلغاء هيئات وتأسيس أخرى أنّ التغيير الذي حدث ليل الثالث والعشرين من يناير برحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز يتعدّى مجرّد كونه انتقالا للعرش من ملك إلى آخر، ليكون بمثابة عهد جديد للدولة السعودية.

وهذا العهد يتقدّم فيه معيار الكفاءة في إسناد الأدوار والمناصب وتلغى بموجبه دوائر القرار الموازي وينحو فيه القرار الاستراتيجي في مختلف المجالات؛ السياسي منها أو الاقتصادي أو الأمني، منحى الحسم والحزم عبر تركيزه بيد الملك ودائرة من ثقاته ومقرّبيه. كما مسّت التغييرات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كثيرا ما كانت مثار جدل بين السعوديين، بفعل تجاوزات بعض منتسبيها، وأيضا طالت التغييرات قطاع النفط والتعليم وغيره.

وبعد العملية الأولى لتشذيب البيت الداخلي، جاء خطاب الملك سلمان ليرسم ملامح المرحلة القادمة، حيث طمأن من خلاله السعوديين بشأن الاقتصاد ومكافحة الفساد ومكافحة الإرهاب وسرعة تلبية احتياجات الشعب للسكن.

وكان الخطاب الذي ألقاه الملك من قصر اليمامة محلّ ترحيب من قبل جميع السعوديين، وخصوصا رجال الأعمال والمستثمرين الذين توجّه إليهم الملك سلمان، داعيا إيّاهم إلى المساهمة في تأسيس اقتصاد قوي تتعدد فيه مصادر الدخل مع الحد من تأثير اقتصاد النفط على مسيرة التنمية.

وقال الملك سلمان في خطابه الشامل إنه وجه مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لمضاعفة الجهود للتيسير على المواطنين، والعمل على توفير سبل الحياة الكريمة لهم، معتبرا أن ذلك أقل الواجب المنتظر منهم، وأنه “لن يقبل التهاون”.

بان كي مون: أنجز الملك سلمان خلال 10 أيام ما يقوم به الزعماء الجدد عادة خلال مئة يوم

تلك الرسالة حددت بعضا من المهام لمجلسين أنشأهما الملك سلمان منذ أكثر من شهر، وهما يشكلان مقرا للكثير من الإجراءات الطويلة ومختصرا لتعددية المجالس السابقة، عن ذلك يقول المحلل السياسي السعودي عماد المديفر إن “إنشاء مجلس الشؤون السياسية والأمنية هو قفزة نوعية للرفع من فاعلية العمل السياسي والأمني ضمن هذا السياق الذي تبناه الملك سلمان في المضي قدما نحو التطوير والبناء، ما يعني أن مواجهة المخاطر والمهددات لم تعد محصورة فقط بالمواجهة المادية، بل تمتد إلى الفكر والأيديولوجيا، ما يعكس عمقا في الرؤية، وقوة وفاعلية وسرعة في التحكم والإدارة واتخاذ القرار، تتناسب ومعطيات المرحلة".


نشاط دبلوماسي مكثف


من بين المحطات الأبرز خلال الخمسين يوما الماضية لحكم الملك عبدالله، على مستوى السياسة الخارجية، لقاؤه مع وفد أميركي كبير من جمهوريين وديمقراطيين برئاسة باراك أوباما. وأعطى هذا اللقاء ديناميكية جديدة في التحالف الاستراتيجي الأميركي السعودي، وضعت فيها الرياض نفسها في مركز القوة، فيما يخص الملفات الإقليمية التي كانت محل خلاف بين السعوديين وإدارة أوباما، إضافة إلى نقاش شامل حول الملف النووي الإيراني، ومكافحة الإرهاب، وأزمات العراق وسوريا واليمن.

إلى جانب ذلك نشّط الملك سلمان الدبلوماسية السعودية وحشد المواقف في نقاشاته لتجاوز أزمات المنطقة، بل وشهدت أولى أيام عصره الجديد توقيع اتفاقيات مهمة دخلت بموجبها السعودية إلى النادي النووي للأغراض السلمية، مع الأرجنتين وكوريا الجنوبية.

وأحصت وسائل إعلام أكثر من 13 زعيما ومسؤولا لدول عربية وغربية التقاهم الملك سلمان في غضون خمسين يوما من حكمه، وجرت جميع اللقاءات خلال زيارات للعاصمة الرياض واستهدفت في مجملها تعزيز العلاقات الثنائية بين تلك الدول والسعودية والتطلع لتضامن عربي وإسلامي واسع، وكانت غايتها الرئيسية كذلك محاولة تبيان توجهات السياسة الخارجية السعودية في عهده.

محطة أخرى خلال الخمسين يوما تضمنت لقاءين آخرين، وهما لقاء الملك سلمان بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ولقاؤه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ضمن مساع لوضع حدّ لاستفزازات إيران ومساعيها نحو إطلاق مشروعها “القومي” الخاص بالهلال الشيعي.

محطة أخرى خلال الخمسين يوما تضمنت لقاءين آخرين، وهما لقاء الملك سلمان بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ولقاؤه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وخلال الأسابيع الأولى من حكم الملك سلمان، حاولت وسائل إعلام معادية للسعودية أن تؤثر على صناعة القرار داخل المملكة، وتحاول جر بعض الرأي العام في السعودية إلى أن الملك سلمان سيغير سياسة السعودية الراسخة والثابتة إلى تسامح خاصة مع تيارات وضعتها الرياض ضمن التيارات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

لكن الرد الملكي على ذلك قطع كل الأوهام، حين قال، في اتصال مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إن “علاقة السعودية ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين. وإن موقف المملكة تجاه مصر واستقرارها وأمنها ثابت لا يتغير”. ومثلما أكّد على علاقة الرياض الراسخة بالقاهرة، أكّد الملك سلمان، في أكثر من مناسبة، على أن تعزيز البيت الخليجي أولوية في السياسة السعودية.

ولا يشكّك الكاتب السياسي السعودي محمد الساعد في أن السعودية في عهد الملك سلمان ستعيد ترتيب البيت الخليجي، إلا أن ذلك، وفق ما صرّح به لـ”العرب” سيحتاج إلى بعض الوقت، وستخرج السعودية، وفق رأيه، من نطاقها الخليجي إلى فضاء أرحب ربما يكون فضاء عربيا وإسلاميا.

وأضاف الساعد أن “طموحات بعض دول الخليج أخذتها بعيدا عن حجمها، الأمر الذي مكّن دول التخوم غير العربية من التقدم عبر بوابـاتها السيـاسية نـحو الفضـاء الخليجي”.


مداواة اليمن في الرياض

علاقة السعودية ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بين البلدين الشقيقين


الأزمة اليمنية من الملفات الحساسة والجوهرية التي كانت على طاولة الملك سلمان عندما استلم مقاليد الحكم؛ وكانت الرياض حاضرة في مختلف الأحداث التي شهدتها اليمن، سواء من خلال الاستعداد العسكري، على حدود البلدين، أو من خلال تأكيدها على دعم الشرعية المتمثّلة في حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي.

وتجلّى ذلك مؤخرا عندما وافق العاهل السعودي على طلب تقدم به هادي يقضي باستضافة الرياض لمؤتمر حوار يضم الأطراف السياسية اليمنية، تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي.

وعلّق الكاتب محمد الساعد في تقييمه للسياسة السعودية منذ تولي الملك سلمان الحكم إلى اليوم، قائلا إن “ملامح خمسين يوما من السياسة في السعودية، تعكس تقدما سريعا على كافة الملفات، وإعادة تموضع أكثر قوة وصلابة في الملفات الملامسة للسعودية، مثل الملف اليمني والتنظيمات الإرهابية”.

من جانبه اعتبر المحلل السياسي السعودي عماد المديفر أن نجاح الاستخبارات السعودية في تحرير القنصل السعودي في عدن عبدالله بعد ثلاثة أعوام من اختطافه من قبل تنظيم القاعدة في اليمن، يعطي دلالة على كفاءة التغييرات السريعة في عهد الملك سلمان خاصة على مستوى تنظيم الجهود في الشق الأمني.

هكذا يبدو أنّ الإجراءات العملية والخطوات الدبلوماسية والسياسية التي اُتّخذت على مدى الخمسين يوما الأولى من حكم الملك سلمان بن عبد العزيز قد أغلقت الباب أمام أي تشكيك من شأنه أن يروج إلى أنّ المملكة ستتخلى يوما عن ثوابتها، بل على العكس من ذلك ثبتت فكرة لطالما كانت راسخة لدى المتابعين للسياسة السعودية، مفادها أنّ تغيّر الملوك يضفي حركية وديناميكية جديدة على السياسات السعودية ولا ينزاح بها عن ثوابتها وعمقها العربي والإسلامي.

7