خمس روائيات فلسطينيات يكشفن كيف كتبن رواياتهن

منذ مطلع الألفية الثالثة يبشرنا النقاد والكتّاب العرب، بأننا نعيش في “زمن الرواية”، وهناك منهم من تحدث عن “الطوفان الروائي” أو “تسونامي” الرواية العربية. وبالفعل فقد حصل ازدياد كبير في عدد الإصدارات الروائية على الصعيد العربي عامة، والفلسطيني على وجه الخصوص، قياسا مثلا بالإصدارات الشعرية التي كانت لها الصدارة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ولا يستطيع أحدنا أن ينكر حالة “الغواية” التي أصبحت تشكلها الرواية بالنسبة إلى جيل الشباب، خاصة من النساء. “العرب” تستطلع آراء خمس أديبات شابات ممن يعشن في مدن فلسطين التاريخية عن واقع الرواية وغوايتها.
السبت 2016/05/28
ميرفت جمعة ونسمة العكلوك: أصواتنا ليست عورة

مثلت الرواية متسعا للعديد من الكاتبات العربيات ليفرضن أصواتهن العميقة في مجتمعاتهن، وليس أكثر من المجتمع الفلسطيني كمثال يعاني الأمرين؛ الاحتلال والذكورية، وهما قضيتان حفزتا الكاتبات على تناولهما بشكل كثيف.

أدب بلا شوائب

الروائية أثير صفا التي تعيش بمدينة الناصرة عاصمة الجليل الأدنى في فلسطين المحتلة بدأت حديثها معنا بالقول “يُؤتى الأدب من عدة أبواب، وكل يُفضى إليه من باب، فلكل شيخ طريقة، أما أنا فكان بابي «الرواية»، هذا إن صحت فرضية النوع الأدبي في حال كان النص ما بعد حداثي. لن أخوض في تحليل الأبعاد النفسية التي دعتني إلى كتابة هذا النوع الأدبي تحديدا، ولن أشطح في فلسفتي وألجأ إلى الكليشيه القائل بأنه هو الذي اختارني ولست التي اختارته، سأكتفي بالتعويل على تلك الدهشة الطفولية التي لازمتني منذ قرأت أول رواية حين كنت صغيرة”.

وتضيف صاحبة “تغريدة”، التي رشحت للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لدورة 2014 “في النهاية كل شيء يُعزى إلى السياق الذي من شأنه أن يجعل منك روائيا أو شاعرا أو كليهما أو لا شيء مما سبق، السياق الذي يجعلك تكتب رواية بشكل «فانتازي» مغرق في الخيال أو «بيكاريسكي» موحل في الواقع. وحصل أن كتبت ليقترن وجودي وهويتي وملامحي بالكتابة، فمن دونها كنت أشبه بجوكندا غير مستفِزة”.

لكن عن حالها ككاتبة امرأة في مجتمع عربي، ترى صفا أن معنى أن تكون المرأة روائية في مجتمعاتنا هو أن تتمّ مغازلتها، وأن تدعى إلى الحوارات والمناقشات، لأنها امرأة تكتب لا لقيمة استُخلصت من مادتها الأدبية، بل يُنظر إلى المرأة على أساس أنها هي المادة. فهذا هو الحال، كما تقول، دون تزويق ولا التفافات، وهذه هي الذكورية المبطّنة في وسط ثقافي يستنكرها شكليا. تتأسف الكاتبة لهذا الواقع المنزلق في طقوس أدبية بلا أدب. لهذا تصرّ أنها حذرة جدا في كل ما يتعلق بإعلاء كونها امرأة على حساب النص، لأن في ذلك انتقاصا منها كما تشير، فهي لا تؤمن بأن هناك ما يسمّى بالرواية النسوية إلا إذا تعاملت الكاتبة مع نصها على هذا الأساس، وتعامل معه جمهور المثقفين أيضا على الأساس نفسه.

المرأة أساس المادة

تتابع أثير صفا قائلة “في روايتي «تغريدة» وهي روايتي الأولى حرصت على ألا أركب القضية، القضية الفلسطينية، التي صارت سبيلا إلى الشهرة بشكل أقصر وأكثر ضمانا، ولكني أؤمن بالأدب صافيا بلا شوائب ولا قوالب، وتعبيري عن واقعي الفلسطيني داخل الكيان سيأتي لا محالة، ولأني أخذت بنصيحة النبي يعقوب «لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ» فقد صممت روايتي الحديثة على غرار المدن القديمة لتؤتى من كذا مدخل، ولتكون بابا يفضي إلى أبواب، ونوعا أدبيا يعبر بين الأنواع”.

واقع بوجهين

من جهتها تحدثنا الروائية الشابة ميرفت جمعة من رام الله بالضفة الغربية، عن خطواتها الأولى في أرض الرواية، فتقول “أن أكون كاتبة فلسطينية فهذا يعني أنني محظوظة جدا، لكوني أعيش على خشبة مسرح متنقّل أحمله معي حيث أذهب، وحتى في مناماتي العميقة أجدني أعيد أحداث حياتي الاستثنائية في هذا المكان الحميم، أي أن روحي مغروسة فعليا في أرض الرواية، وذلك لخصوصية المكان وكثافة تفاصيله وثراء تاريخه، خاصة حين نتحدث عن مدينة القدس، وكل ما يلزم بعد ذلك كي تكتب رواية، هو أن تتحرك خطوة واحدة إلى الأمام في هذه الأرض المدهشة”.

ونتابع حديثنا مع صاحبة “ما وراء الجسد”، فتقول “في بلادي فقط تعيش قرب بحر وتداعب وجنتيك رطوبته وتشم رائحته، ولا تلامس أقدامك رماله الساخنة، إن كل ما يسبب الألم هنا يحفز على الكتابة، والألم المبطن للتفاصيل اليومية أشدّ تحفيزا، لذلك تحديدا اخترت الكتابة في حقل الرواية، لرغبة عميقة في نفسي لأن أفتح أبواب فلسطين المقفلة لكل عاشق لها، ولكل من يرغب في أن يحجّ إلى القدس، وتمنعه متاريس الاحتلال، لذلك وجب أن أكون سخية في نقل تفاصيل المكان، من رأسي إلى خيال القارئ، وعملية فرد التفاصيل الدقيقة على حصيرة البوح تتطلب معايشة يومية وانتقاء الأجمل وغربلة العادي وتكثيف الزمان، وبعض التفاصيل يلزم حملها بكل دقة وحذر، وكأنها آنية ثمينة متوارثة منذ المئات من الأجيال، وبعض التفاصيل تتطلّب مني شحذ الذهن وبري الذاكرة دون أن أغفل شيئا من التوابل والروائح والأصوات المنمنمة التي تعشش في الذاكرة. من هنا فإن معايشة القارئ لأحداث وشخوص الرواية تجعله يتذوق طعام فلسطين ويرتوي بمائها وينام تحت إبطها فيألف رائحتها، فأن أكون روائية في فلسطين يعني أن أفتح عيني على وسعهما، وأدع دهشة المكان تتسرب إلى الداخل.

ومن الخليل كبرى مدن فلسطين، كان حوارنا مع الروائية الشابة ثورة حوامدة، التي بدات حديثها قائلة “أَعطِنِي حريتي/ كي أعيش.. كَما تعيش. مازلت أذكر ذلك اليوم الذي كتبت فيه مطلع هذه القصيدة، وما زلت أيضا، حتى الآن، لا أذكر صدقا هل كان المقصود بذلك النص المحتل الذي سلبني أرضي، وسرق مني أبسط حقوقي، أم العادات التي بدأت تقزم من حدود تحركاتي وعلاقاتي بالأطفال -الذكور- الذين كانوا في زمن مضى أصدقاء الطفولة وأصبحوا اليوم شبانا يافعين”.

الكتابة من الداخل إلى الداخل

وتضيف صاحبة “لا قمر بعيد” قائلة “دخلت عالم الرواية بعد قراءات كثيرة لروايات فلسطينية وعربية، المساحة أكبر في الرواية للتعبير والاسترسال وليست كما الشعر، رغم أن الشعر كان صديق البدايات. لكنني وجدت في شخوص الرواية التي أرسمها بدقة سهما دقيقا للخوض في دهاليز المجتمع الذي يحوي من المتضادات ما يجعل «العيب» والحرام يلتقيان يوما. وهنا تجب الإشارة إلى الدور التنويري للرواية، والذي يمكن من خلاله إحداث تغييرات فكرية، والتخفيف من انحطاطات المجتمع، حتى وإن كانت نظرية إلى حدّ معين. وتظهر بوضوح هنا المساحة الكبيرة التي يمكن للروائية الفلسطينية على وجه الخصوص الحديث والخوض فيها، وهنا يتجلى دورها، وكيف لها أن تثبت ذاتها وتلتقط بقلمها أصدق الصور الحياتية الواقعية، لكونها تناضل على جبهتين؛ المجتمع وعاداته الشرقية من جهة، والاحتلال ومضايقاته لحرية التعبير والحركة من جهة أخرى”.

في روايتها الأولى “لا قمر بعيد” الصادرة في القاهرة عام 2015، تحدثت الكاتبة عن المجتمع المحافظ الذي تعيش فيه؛ علاقاته المتداخلة، ونظرته إلى النساء، وهموم الفتيات والحدود التي ترسم لهن منذ الصغر، بحجز آمالهن العريضة في فارس لا تكدر جواده كبوة، كما تطرقت حوامدة إلى تقاليد الزواج والممنوعات والمحظورات على الإناث، بصفتهن “عرض” حسب اللفظ الفلسطيني الدارج،

ويجب أن تصان الفتاة حتى تتزوج. أما في ما يتعلق بروايتها القادمة فهي من عمق البيئة التي تعيشها؛ واقعية جدا، وتخوض في قضايا عالقة وشائكة، اجتماعية كانت أم سياسية.

قضايا متوازية

يأتينا صوت الروائية الشابة صابرين فرعون من مدينة القدس المحتلة، مؤكدة لـ”العرب” في بداية حديثها، على أن التعهد والالتزام جزء مهم في رسم ملامح العمل الأدبي من بدايته وحتى آخر نقطة فيه. مبينة أن الفكرة تأتي ببساطة من خلال التقاط عدسة الكاتب “الذاكرة المؤقتة والحواس” لموضوع ما، يصوره من زاوية مُطلة ومُلمة بالتفاصيل الصغيرة تدعو الآخرين إلى المشاركة والتفاعل بما يتلاءم مع كاريزما شخصياتهم وروحهم النافذة من الواقع إلى المتخيل، لكونه بديلا وامتدادا للواقع، فبات الملفوظ زخرفة فنية للمدلول، والمدلول هو الطريق الطويل لفهم الذات والتصالح مع الأنا ومع المحيط.

تقول “في روايتي «قلقلة في حقائب سفر»، قمت بإعادة بناء ودمج الواقع بالمتخيل، شاركتني فوضاي في الكتابة، فأنا لا أكتب في وقت محدد ولا أعبث ولا أركز على عنصر معين دون الآخر، التفتّ إلى تشخيص النص وردة فعل القارئ في تأويله واستحضاره للكليات والحيثيات. لأني كنتُ مهيأة وجدانيا للبوح بصوتين متوازيين؛ أحدهما رمزي والآخر مباشر، وهما يكملان ما أصبو لإيصاله، كتبت مقاطعها على مراحل. كتبتُ بصوت أنثى تنبعث منها طاقة الأمومة، زوجة الشهيد التي بلا اسم تمثلني وتمثلهن في القول، إن أصواتنا ليست عورة تجب تغطيتها أو تكميمها أو حتى إعدامها، فكانت رسالة لمجتمعي، الذي كثرت فيه جرائم العنف ضد المرأة.. إن هناك حربا تخوضونها توازي القضية الأم في مواجهة الاحتلال؛ وهي تصالحكم مع نصف المجتمع، مع اللائي حملنكم سبعا أو تسعا، وحقوقهن لا تقتصر على الفراش والزوجية فقط”.

أثير صفا وثروة حمادة وصابرين فرعون: كاتبات يناضلن بين ذكورية المجتمع ووحشية الاحتلال

وتضيف صاحبة “قلقلة في حقائب سفر”، موضحة أن النص النثري لا يقيدك، ويفسح المجال للبوح والسرد والإطالة، ولكن هذا لا يعني أنها ستكتب النثر وتقول إن هذا شعر مثلا، لأن الشعر يتميز بسلاسته وجزالة لفظه ووقعه على النفس، أما النثر فيفضي إلى التركيز على التفاصيل والدلالة.

تتابع “الرواية الفلسطينية لها خصوصياتها، لكونها تمثل مراحل الخصب والضعف المجتمعي، حيث كل جزء هو حكاية في حدّ ذاته. ويبقى الأدب سلاحا ذا حدين، لكونه يعبر عن المجموع وليس التجربة الفردية فقط، في محاولة لفهم واستيعاب كل آراء الآخرين، أفترض أني الآخر كما أني صاحبة النص أو جزء مشارك في التجربة، من هنا أكتب بكل الألسنة موظفة الأدب في تهذيب ذاتي، التي قد تعارض فكر الآخرين مثلا، وأسعى لإيصال رسائل المثقف إلى العالم للتأكيد على أن اسم الوطن مرآة لا تنكسر فيها صورنا”.

ومن العاصمة البلجيكية بروكسل، نتحدث مع الروائية الغزيّة الشابة نسمة العكلوك -حيث تقيم حاليا-، فتقول “علاقتي مع الكتابة هي علاقة حب، بدأت منذ طفولتي، حين كنت أتشوق للنوم بجانب جدتي وإخوتي الصغار، ملتفين حولها مستمعين لحكاياها، وكذلك المجلات والكتب التي كان يحضرها إخوتي إلى المنزل، أقرأها «من الجلدة إلى الجلدة» لمرات عديدة ولم يتجاوز عمري حينها التسع سنوات، من هنا بدأت خطواتي الأولى نحو الحكاية، لتتطور لاحقا من خلال القراءات المتعددة للأدب الكلاسيكي والحديث، وإن سألت نفسي لماذا اخترت الرواية دون الأجناس الأدبية الأخرى، أشعر وكأن الرواية هي من اختارتني”.

وتضيف صاحبة “في رداء قديم”، أنها تميل للرواية “الفانتازية” والنهايات المفتوحة التي تقبل التأويل، وتحتمل أكثر من فرضية، وإن كانت هذه الطريقة تستفز القارئ في بعض الأحيان. لا بدّ وأن تحمل كتاباتنا الهمّ الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه، والواقع المعيش يترك أثره علينا دون اختيار منا غالبا.

كل شيء يعزى إلى السياق الذي من شأنه أن يجعل منك روائيا أو شاعرا أو كليهما أو لا شيء مما سبق

وتوضح؛ الشخصيات التي نخترعها، هم أبطال يحملون نفس الهم. فلا يمكن أن نفصل بين واقعنا وواقع الرواية، حيث أنهما وجهان لعملة واحدة مع اختلاف الحدث والتفاصيل، كما تقول، وقدرتنا على التحكم بمجريات الأحداث بما يناسب مزاجيتنا، مع مراعاة الهدف الذي نسعى إليه، ومنطقية الفكرة والتفاصيل، بحيث تحفز كلها عقل القارئ ولا تستغبيه، وإن كانت لا ترضيه.

تقول العكلوك “أحاول، وليس سهلا، أن أعرض الشخصيات والتفاصيل بحيادية دون أن أفرض رأيي على مجريات الأحداث، وأدع هذه المهمة للقارئ ليستقبلها على طريقته ويتبنى الفكرة التي يريدها”.

15