خميس الجهيناوي سياسي هادئ يصبح واجهة تونس في الخارج

الأحد 2017/11/26
دبلوماسي الملفات الحارقة من تل أبيب إلى طرابلس إلى طهران

تونس – أحدث ما أراد وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي إرساله من رسائل عن إيجابية دور تونس في هذه المرحلة، قوله إن بيان اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير حول إيران وتدخلاتها هي وأذرعها في العالم العربي، إنما يعبر عن موقف تونس تماما. وأن بلاده تحاول القيام بدور ما في هذا الملف.

وقد تسرّب أن إيران طلبت بالفعل وساطة تونس مع السعودية ودول الخليج، على النقيض مما تظهره من عنجهية وعجرفة في مواقفها المعلنة.

فقد زار محمد إيراني، المدير العام لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الإيرانية تونس خلال الأسبوعين الماضيين مبعوثا خاصا من طرف وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف وسلّم الجهيناوي رسالة طلب فيها التدخل بين طهران والرياض وبحث إمكانية إجراء محادثات مع الجانب السعودي “خلف الكواليس” لحل الخلافات بين البلدين.

الجهيناوي يدير هذا ويدير معه العديد من الملفات الدقيقة. يعرف الشخصية السياسية التونسية ويرصد توازنها بفضل أسلوب سلس ومتوازن في بحثه للقضايا الحساسة، واهتمامه بالعديد من المسائل العالقة التي تصبّ في علاقات تونس مع الخارج وخصوصا المرتبطة منها بدول الجوار وأساسا الملف الليبي الإشكالي.

يقدم النموذج المثالي للدبلوماسية النشطة التي تتحرك باقتدار في كل الاتجاهات. سلاحه في ذلك زاد كبير لخبرة سنين طويلة راكمهما في هذا المجال.

رؤية الجهيناوي مركّزة في هذا الاتجاه منذ تعيينه في هذا المنصب العام الماضي مع حكومة الحبيب الصيد. فالملف الليبي وما يثيره من مخاطر وتطوّرات لا يمكن إلا أن يكون منطلقا للجهيناوي في جلّ الحوارات التي يخوضها والمهمات التي توكل إليه، لا بل إنه يظل القاعدة الأساسية لتحرّك الرجل في كل الاتجاهات غايته في ذلك تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين من أجل مصالحة وطنية تجمعهم حول مستقبل بلدهم.

الدور الإقليمي الحيوي

بدا ذلك واضحا خلال آخر اجتماع تشاوري احتضنته القاهرة مؤخراً جمع وزراء خارجية كلّ من تونس خميس الجهيناوي والجزائر عبدالقادر مساهل ومصر سامح شكري وجاء في إطار متابعة للمبادرة التي أطلقها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي للتسوية السياسية الشاملة في ليبيا.

وهنا أثنى الجهيناوي على موقف تونس الثابت من الأزمة الليبية انطلاقا من المبادئ التي تضمنها “إعلان تونس للتسوية السياسية الشاملة في ليبيا” الموقّع في فبراير من هذاالعام. يقول الجهيناوي إن “وجودنا في القاهرة اليوم دليل على حرص الدول الثلاث على مواصلة هذا المسعى لمصاحبة أشقائنا الليبيين في سعيهم من أجل إيجاد حل سلمي لهذه الأزمة”.

الملف الليبي بكل صوره المتشعّبة والمتداخلة يمثّل محور بحث دائم للخارجية التونسية ممثلة في شخص الجهيناوي. متابعون لأغلب حوارات الوزير التونسي ولقاءاته الإعلامية يرصدون ذلك ويقرون بأنه من الطبيعي أن تكون ليبيا هاجس السياسة الخارجية التونسية الأول الذي لا حياد عن تجديد البحث فيه بشكل معمق.

في هذا الإطار يقول الجهيناوي في حوار أجرته معه صحيفة تونسية إن “ليبيا ليست دولة جوار فقط. بل لها امتداد مهم جدا على أمننا واقتصادنا. من أجل ذلك كنا حريصين على التوصّل إلى حل سياسي تحت مظلة الأمم المتحدة”.

منسق الدبلوماسية الخارجية لتونس يقر أيضا بأن ليبيا، الدولة الجارة، مهمة وعضو في جامعة الدول العربية وعضو في اتحاد المغرب العربي ومن واجبنا انطلاقا من روابطنا الأخوية والتاريخية والحضارية والجوار الذي يجمعنا تقديم المساعدة لكل الليبيين ودعمهم من أجل تجاوز خلافاتهم.

الملف الليبي وما يثيره من مخاطر وتطورات لا يمكن إلا أن يكون منطلقا للجهيناوي في جل الحوارات التي يخوضها والمهمات التي توكل إليه. بل إنه يظل القاعدة الأساسية لتحرك الرجل في كل الاتجاهات غايته في ذلك تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين من أجل مصالحة وطنية تجمعهم حول مستقبل بلدهم

البحث عن اتحاد مغاربي مفقود

صورة المغرب العربي بتمظهراتها المختلفة، ومثلما يتصورها الجهيناوي، أيضا لا تغيب عن الوزير التونسي، وهي أيضا محور بحث وتقصّ مع مواطنه أمين عام اتحاد المغرب العربي الطيب البكوش الذي يسعى معه دائما لبحث سبل دفع العمل المغاربي وإحياء نشاط الاتحاد والمساعي التي يقوم بها الأمين العام لتنشيط مؤسساته وتفعيل آلياته.

أكد الجهيناوي ذلك في العديد من المرات خلال اجتماعات تشاورية على تمسك تونس باتحاد المغرب العربي كخيار استراتيجي مشيرا إلى الأهمية التي توليها تونس للعمل المغاربي المشترك بما يستجيب لتطلعات شعوب المنطقة.

المتابع لشخصية الجهيناوي يرصد ديناميكية تحرّك الرجل في كل الاتجاهات وبحثه المتواصل عن رؤى وتطلعات تهدف إلى تمتين علاقات تونس مع الخارج وكسر الجمود الذي خلّفته حكومات ما بعد الثورة، خصوصا بعد دخول حركة النهضة الإسلامية على خط المسار السياسي لتونس.

الجهيناوي وجه من وجوه الدبلوماسية “المتحركة” لتونس بكل تصوّراتها ومآلاتها وأحيانا إرهاصاتها.

اشتهر الجهيناوي لدى الرأي العام التونسي بجدل صاخب أثير حوله بعد تحمله مسؤولية في العام 1996 للإشراف على مكتب تونس في تل أبيب، لكن الجهيناوي تجاوز سريعا تأثير ذلك على مستقبله السياسي بل واستغله للتأكيد على أن الأساس في كل عمل يوكل إليه، وهو المنتمي إلى جهاز الدولة، هو خدمة الصالح العام لبلاده ورعاية شؤون مواطنيها أينما وجدوا ولا شيء غير ذلك.

الدبلوماسية مع كل الأسماء التي اشتغلت في الخارجية التونسية خصوصا بعد ثورة 14 يناير ظلت ميزان الحرارة الأساسي لقياس علاقات تونس مع الخارج وأساس الواجهة الناصعة للدولة.

صحيح أنها انتكست في فترة من الفترات بعد تولّي حكومة الترويكا لمقاليد السلطة وطالها التشكيك مع وزير النهضة آنذاك رفيق عبدالسلام، لكنها عادت إلى مسارها الطبيعي مع الجهيناوي.

الدبلوماسية بحسب الجهيناوي هي ما يعادل 40 بالمئة من عمل الحكومة. نسبة مؤثرة تعكس جهودا مضنية يقوم بها الوزير التونسي ويؤديها بكل اقتدار وثقة في النفس بأسلوب هادئ.

جرأة رجل القانون

يعرف الجهيناوي بشجاعته والأهم من كل ذلك طريقته في الإصغاء لمحاوريه. هكذا هي صورة الدبلوماسية التونسية ممثلة في شخص الجهيناوي. بدا مسلحا لكسب الرهان. رهان يخوضه في ظرف صعب وتحديات تلوح أصعب، لكن ثقة الرجل تبدو كبيرة مثلما يؤكد لتجاوز هذا الظرف. ظرف تزدحم فيه الملفات والقضايا الداخلية والإقليمية والدولية وتتوالد فيه الأسئلة الحارقة حول التحديات التي تواجه تونس.

المناصب التي تقلدها كسياسي بارع تكشف عن تخصص الرجل في الجانب القانوني أولا. فهو محام ودبلوماسي تونسي من مواليد 1954. عمل سفيرا لبلاده في المملكة المتحدة وبعدها في روسيا. عيّن بعد الثورة التونسية في منصب كاتب دولة لدى وزير الخارجية التونسي في 2011، ثم في 2015 كان مستشارا للسبسي مكلفا بالدبلوماسية. وفي بداية العام الماضي عين وزيرا للخارجية في حكومة الحبيب الصيد.

حصل الجهيناوي على إجازة في القانون العام وعلى شهادة الدراسات العليا في القانون العام أيضا وشهادة الدراسات المعمقة في العلوم السياسية وفي العلاقات الدولية. وبدأ حياته المهنية بوزارة الشؤون الخارجية حيث شغل العديد من المهام في السلك الدبلوماسي، ليعيّن سفيرا مفوضا فوق العادة لدى جمهورية أيرلندا.

تمت ترقية الجهيناوي بعد الثورة إلى رتبة وزير مفوض فوق العادة، وتعرف عنه مساهماته الأكاديمية في مجال البحث، حيث ألقى محاضرات في العديد من المؤسسات لا سيما جامعة وستمنستر وأكاديمية لندن الدبلوماسية وكذلك أمام معهد الدفاع الوطني والأكاديمية العسكرية والمعهد الدبلوماسي بتونس والأكاديمية الدبلوماسية بموسكو.

الجهيناوي يقدّم عملية استرداد الدبلوماسية المفقودة لتونس بعد تولي الرئيس السبسي للسلطة بالقول إن “رئيس الجمهورية وضع استراتيجية دبلوماسية متكاملة لاسترجاع تونس لثوابتها الأساسية في علاقاتها الخارجية”

التصور والاستباق

“الدبلوماسية اليوم استراتيجية تستوجب القدرة على التصور والاستباق” مقولة يبني عليها الخبراء والمهتمون بمجال العلاقات الخارجية للدول تصورهم لبحث آليات تطوير النشاط الدبلوماسي ليصبح مواكبا لكل التطلعات الحديثة دون أن تضيع بوصلته ويفقد موروثه القديم.

وكغيرها من الدول الساعية إلى الانتقال الديمقراطي فإن تونس لها من التقاليد والثوابت الدبلوماسية الشيء الكثير وقد أكدت جدواها في خدمة مصلحة البلاد، لكنها كادت تضيع وتتلاشى.

فقدت تونس العديد من العلاقات بعد الثورة. كان ذلك نتيجة حتمية بعد تولّي أحزاب محسوبة على تيار الإسلام السياسي للحكم ممثلة في حركة النهضة الإسلامية. لكن مع الرجوع إلى الثوابت، رغم تتالي الحكومات، كان لا بد من إعادة الاعتبار للمتغيرات الجديدة في العمل الدبلوماسي ومنها إدراج مجالات واهتمامات أخرى متنوعة ثقافية وتجارية وخدماتية واتصالية ضمن رؤية متكاملة يقع تنفيذها بذكاء ومرونة.

يقول الجهيناوي في تفسيره لعملية استرجاع الدبلوماسية المفقودة لتونس بعد تولي السبسي للسلطة “رئيس الجمهورية وضع استراتيجية دبلوماسية متكاملة لاسترجاع تونس لثوابتها الأساسية في علاقاتها الخارجية. لذلك بدأ بزيارة الدول القريبة من تونس مثل الجزائر ومصر والأردن ثم دول الخليج وزار أيضا فرنسا والولايات المتحدة”.

ويقر أنه فعلا وبفضل هذه الزيارات نجح السبسي في استرجاع هذه العلاقات حيث بدأ جولته الخليجية بالشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية وكانت زيارة ممتازة بكل المعايير.

تونس دون رتوش

تونس الباحثة عن استقرار سياسي ودعم لتجربة اقتصادية في طور من التعافي النسبي مرت بمراحل صعبة منذ نهاية أحداث الربيع العربي، وتعاقبت عليها حكومات عديدة ما انعكس ضعفا على الاستقرار الأمني الذي أدى إلى حدوث اضطرابات عميقة في جهاز الدولة.

الجهيناوي دائم التأكيد على أن السياسة الخارجية التونسية بفضل الخبرة الطويلة لرئيسها السبسي والتركيز المتواصل لرئيس الحكومة يوسف الشاهد على ضرورة أن يحظى هذا الجانب بأولوية استعادت ثوابتها ومصداقيتها وهي تعمل بأسلوب أكثر مبادرة ووثوقا الآن.

صورة المغرب العربي بتمظهراتها المختلفة، لا تغيب عن الوزير التونسي، فهو من المؤمنين بفكرته، ويسعى دائما لبحث سبل دفع العمل المغاربي المشترك وإحياء الاتحاد من جديد

تونس يخرجها الجهيناوي للعالم “دون رتوش”، فيما أساس عملها في الداخل تعكسه مخرجات عملية تقوم بها الحكومة الحالية بقيادة الشاهد لأجل للنهوض بواقع اقتصادي متعثر يحاول التعافي من الأحداث الأليمة التي شهدتها البلاد سنة 2015. يقول الجهيناوي “أستطيع أن أجزم أن الدبلوماسية التونسية وفّقت إلى حد كبير في إزالة ما لحق بصورة تونس من انطباعات سلبية وأحسن دليل على ذلك الارتفاع المتزايد لعدد الوافدين على تونس في السنتين الأخيرتين وتنامي نيات الاستثمار المعلنة في البلد”.

مهما يكن من تصورات لواقع العلاقات الخارجية لتونس الحالية مع جيرانها والمحيط العربي الواسع أولا ومع العالم في باب أشمل لأهميتها ومستوى الحساسية الذي تحظى به في هكذا مراحل دقيقة تعيشها البلاد، فإن الصورة التي يرسمها صانعها الجهيناوي المتزن بخطابة لسان وثقة في المجادلة والحوار تبدو ناصعة ولا تحتاج تزويقا وإعادة ترتيب.

تونس، كغيرها من البلدان العربية التي راهنت على البناء وكما يقرّ بذلك العديد من المتابعين للشأن السياسي في تونس بأنها “ولاّدة” لأجيال قادرة على الدفع باتجاه تطوير الحياة السياسية في بلد طامح إلى الاستقرار سياسيا، تعول على الجهيناوي وغيره من السياسيين في الحكومة من أجل المستقبل الأفضل لها ولشعبها.

8