خناقة "حمّو بيكا".. مصر العشّة ولا القصر؟

لا تنشغل الدولة، حين يتاح لها عقل كبير، بتفاهات المصادرة، ووضع معيار للتحكم في أذواق الناس، وفرض ذائقة لا تستهوي قطاعا يرفض هذا الاستبداد، وينتج ما يرغب في استهلاكه.
الثلاثاء 2018/11/20
ثنائية التصالح بين العشّة والقصر تجلّت في "جمعة الغضب"، 28 يناير 2011

لكي تنتسب إلى “نادي المثقفين”، قبل نحو خمسين عاما، كان عليك أن تنتقد أحمد عدوية وتسخر من جمهوره، وتتأفف وتترفع وترفع ثيابك مخافة أن تتلوث بفائض “انحطاط” الذوق العام. وإذا استمعتَ إليه خفية أو مصادفة، وخاطبتْ إحدى أغنياته هوى في نفسك، لجأتَ إلى تقية ثقافية تجبرك على الصمت، ما لم تتمتع بشجاعة نجيب محفوظ الذي نشأ على تراث الغناء العربي، ولم يقبل أي انتقاد لأم كلثوم، ومنح اسمها لكبرى ابنتيه، وسمّى الصغرى فاطمة، وهو اسم شخصية أدّتها أم كلثوم في فيلم “فاطمة”، ولكنه لم يخجل من الإعجاب بصوت عدوية، ونسف المسافة بين ما يصدّقه وما يعلنه. ثم صار عدوية جزءا من تراث الغناء الشعبي، متحديا مؤسسات ثقافية وإعلامية رسمية أغلقت في وجهه، ومنتصرا على تيارات محافظة تبارت في النفاق، وتطارد حاليا المغني الشعبي “حمّو بيكا” وغريمه “مجدي شطّة”، وتفتعل معركة نقابية وإعلامية لإلهاء جمهور حسم انحيازه، ولا ينتظر وصاية تفرض عليه لونا غنائيا في فضاء مفتوح أكثر اتساعا من خيال الرقيب والنقيب.

ثنائية “مصر العشة ولا القصر” انتقدها أحمد فؤاد نجم في يناير 1972، في قصيدة “ورقة من ملف قضية”، وتبدأ باستفسار المتهم عمن يكون المحقق، فيجيبه:

ـ إحنا نيابة أمن الدولة

ـ دولة مين؟

ـ دولة مصر

ـ مصر العشّة ولا القصر؟

لكل مصر، في مصر، منظومة من العادات والقيم وطرائق العيش ووسائل الاستمتاع بالحياة والتحايل عليها إذا لزم الأمر، ودائما ما يلزم. وهذا النسق من التفاهم والتعايش والتناغم يضرب عميقا في اللاوعي، منذ غيّر أخناتون دين الشعب، من عبادة الإله “آمون” التي تسمح بتعدد الآلهة، إلى فرض دين للدولة وتوحيد الآلهة في “آتون”. ولم يهنأ الملك بجمع السلطتين السياسية والدينية في شخصه، للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ البلاد، وفي العام السابع عشر لحكمه (عام 1362 قبل الميلاد) دمّرت ثورة شعبية مدينة “أخيتاتون”، العاصمة الإدارية الجديدة بعد نحو مئتي عام من استقرار العاصمة في طيبة (الأقصر). وقضت الثورة على أخناتون وأمه “تي” وزوجته “نفرتيتي”، ولم يعثر لهم على مومياء أو مقبرة.

ثنائية التصالح بين العشّة والقصر تجلّت في “جمعة الغضب”، 28 يناير 2011، بإسراع مواطنين بسطاء، لا أظنهم تخطوا يوما بوابة المتحف المصري، إلى حراسته في غياب الشرطة. هم أنفسهم الذين كان يسعدهم الإطلال من سور دار الأوبرا، على نجوم السينما في حفليْ افتتاح وختام مهرجان القاهرة السينمائي قبل نقل الحفلين إلى منفى في أطراف القاهرة، ضمن مخطط لتفريغها. وهم الذين كانوا يغادرون منطقة الأوبرا، بعد انطفاء الألعاب النارية وإغلاق الأبواب على النخبة، ويذهبون إلى أفراحهم الشعبية، ويصفقون لمغنين شعبيين لا يظهرون في التلفزيون، ومنهم “حمّو بيكا” الذي انتشرت أغانيه في وسائل التواصل والمواصلات، ولم أكن أعرفه، فقال لي السائق إنه “حمو بيكا”، وتخيلت أنهما شخصان؛ فتاريخ مصر متخم بالثنائيات، في السياسة والثقافة والفنون: عدلي يكن وسعد زغلول، أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، طه حسين وعباس العقاد، أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، نجيب محفوظ ويوسف إدريس، صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، فؤاد حداد وصلاح جاهين، الأهلي والزمالك، أوكا وأورتيجا. لكل عربة دائما جوادان، في مشهد يرحب بالاختلاف، ويحتمل المعارضة الهزلية، ففي ظل مجد عبدالوهاب غنّى إسماعيل ياسين مونولوج “يا حلة العدس الدافي”، في معارضة ساخرة من أغنية “يا وردة الحب الصافي”. ولم تخلُ الساحة من أغنيات يسهل الآن على أي محافظ أن يرميها بالابتذال، ولكن مؤلفيها وملحنيها ومغنيها نجوا من هذا الاتهام، واتسعت لهم صدور جماهير تؤمن بفضيلة التعدد.

إذا استحسن جمهور في مصنع أو حيّ شعبي مغنيا تلقائيا، فمن غير الآدمي إرهابه ليخرس، ولا يليق اتهام الجمهور بفساد الذوق

أكثر الزرع مقاومة لقسوة الظروف يسميه الفلاحون “الزرع الشيطاني”، فهو ينبت بعيدا عن زمام الغيط، ولا ينتبه إليه أحد في مراحل النمو، ولا يوليه فلاح رعاية، ولكنه ينهض عفيّا، ينتقم لعصاميته وإهماله، ويتفوق على زرع معتنى به من سقاية وتسميد وأدوية للآفات. في قائمة النوع الثاني يأتي أساتذة فلسفة الفنون والنقد ومعلمو نظريات التمثيل العارفون بتاريخه وأصوله ومدارسه، ولا تقارن بهم موهبة شيطانية لا يعرف صاحبها من أين ينبع الإبداع. ولا يدّعي “حمّو” أنه مبدع، ولا يتسول اعترافا، ولا يزاحم أحدا، ومن ينافسه على العربة جواد ثان، اسمه “مجدي شطّة”، نبت في الهامش أيضا، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاحنتهما الكلامية، وتابعها التلفزيون؛ استثمارا لشعبية طرفيها، فأغنية حمّو “رب الكون ميّزنا بميزة”، سجلت في يوتيوب نحو 18 مليون مشاهدة، وهذا رقم كاف لإيغار صدور فنانين محبطين ومحافظين، فأشهروا سلاح المنع.

لا تنشغل الدولة، حين يتاح لها عقل كبير، بتفاهات المصادرة، ووضع معيار للتحكم في أذواق الناس، وفرض ذائقة لا تستهوي قطاعا يرفض هذا الاستبداد، وينتج ما يرغب في استهلاكه، ويقبل على نوع من الفنون غير مبال بالتعالي. هذا الفن الشيطاني الذي يفاجأ به البعض ناهضا بقوة، قد يكون تمردا على تهميش أو ردا صامتا على هزيمة، ويراه المهمشون أصدق في السخرية والرفض، ولا يطمعون في أكثر من أن تخلي السلطة بينهم وبين ما اطمأنوا إليه، وللسلطة أيضا أن تراهن على أن للزمن حكما قاسيا على الفنون والآداب، فما يستحق البقاء سيتحدى ويبقى، وأما العارض الأشبه بنار القش فينتهي أمره. وقد كانت أغنية علي حميدة “لولاكي”، عام 1988، حدثا كاسحا أذهل المنتج الذي أهدى المغني سيارة، فوق قيمة الاتفاق. وجاءت موجة جديدة، فطمرت الأغنية والمغني.

لم يتعلم المتثاقفون من درس عدوية الذي بقي رغم الهجوم؛ لأنه لا يستنسخ غيره ولا يستعير صوت سابقيه، وآمن بموهبته موسيقيون مرموقون، وضمت فرقته جبابرة هم الأول في العزف على آلاتهم، منهم عبده داغر عازف الكمان وحسن أبوالسعود عازف الأكورديون وحسن أنور عازف الرق. وخارج إجماع “ثقافي” وصم عدوية بكل الموبقات، قال محفوظ لرجاء النقاش في كتابه “نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته” إن صوت عدوية قوي وجميل ومؤثر، وأسلوبه الشعبي لا يجاريه فيه أحد، وإنه “المطرب الوحيد الذي استطاع الحفاظ على تميزه وسط هذا الطوفان الغنائي منذ وفاة عبدالحليم حافظ”، (ص70). الرأي السابق جاء في حديث محفوظ عن أهل الفن وفي سياق العاصفة السياسية المصاحبة لانفتاح أنور السادات الاقتصادي، قدم محفوظ تفسيرا لرواج أغاني عدوية؛ فهي “تتناسب مع المناخ العام. عندما سمعت عدوية لأول مرة أعجبني صوته وطريقته، ولم أعتبره من رواد الموجة الهابطة أبدا”، (ص227).

إذا استحسن جمهور في مصنع أو حيّ شعبي مغنيا تلقائيا، فمن غير الآدمي إرهابه ليخرس، ولا يليق اتهام الجمهور بفساد الذوق. ربما تدعو الحكمة إلى ترك ما لقيصر لقيصر، فلكل مقام مَغْنى، ولا يستطيع عبدالوهاب إحياء فرح شعبي، سيتفوق عليه بجدارة عدوية وحكيم وشعبان عبدالرحيم وحمّو.

8