خناقة في الأستوديو

الأحد 2014/04/27

دعتني قناة فضائية للاشتراك في برنامج عن الانتخابات، سألني المذيع قبل التسجيل، أنت مع هؤلاء أم الآخرين؟ أجفلت.. تذكرت الحكاية القديمة عن عصابة مسلحة قطعت طريق فلاح مسكين وقالوا له أنت معانا ولا مع التانيين.. فقال بسرعة معاكم طبعا.. وهنا أطلقوا عليه الرصاص قائلين إحنا التانيين يا مغفل!

توجست، خصوصا أنني لا أعرف أيهم يناصر السيسي ومن يؤيد حمدين، أيهم يحب قطر وأميركا والإخوان، وأيهم مع مصر المستقبل، تكهرب الجو.. وبدأ الجميع يستعدون لقصفي بالمدفعية لأنهم استشعروا أنني مختلف، ونحن المصريين لا نحترم الرأي الآخر.. وكان سؤالا واحدا "أنت مع مين؟".

قلت ماشى يا فندم حضراتكم إيه بالضبط والآخرين مين على وجه الدقة؟! وأضفت سيادتكم ماذا ستحققون لنا كشعب والآخرين سيقودوننا إلى أين؟! نظر إليّ المذيع والضيوف، وشعرت أنني طالما لم أكشف عن هويتي فأنا محل شبهة.. بل أنا الشبهة نفسها..

وانطلق زعيم الفريق الأول يقول إنني من فلول مبارك، ورد عليه الآخر نافيا مؤكدا أنني عميل أميركي وقال ثالث إنه عدو الله، ألا لعنه الله على القوم الكافرين.. ووجدت بعض الفنيين المتأسلمين في الأستوديو يرددون آمين..

في دقيقة واحدة أصبحت فلولا وعميلا وكافرا، ثم أكمل الضيف الرابع الاتهامات وأكد أنني من القلة المندسة، وقلت لهم أصدروا قرار إعدامي واستريحوا.. وطالما أصدرتم حكمكم عليّ فاسمحوا لي أن أبدي رأيي فيكم.

سكتوا.. قلت لهم إنني وكثيرين زهقنا منكم، تظهرون لنا كل مساء على الشاشات، وتنزلون من صنوبر المياه، تطاردوننا بأفكاركم الفاشلة ولزوجتكم، إنني أراكم منذ 40 عاما وأكثر، ويراكم أولادي تلوكون نفس الأفكار، كرهنا التليفزيون بسببكم، صدعتونا بأمجادكم، نفس الآراء والهستيريا والصراخ الليلي، فكل ينتصر لرأيه ويرى ما عداه لغوا، يا سادة أنا ما زلت بقوايا العقلية، وإذا دخلت في نقاش معكم سأفقد ما يميزني عنكم، أنا لست في قائمة الخونة والعملاء والفلول والكفار والمندسين، أنا مصري أعشق الاستقرار والإنتاج وأحترم الخلاف وأكره الاستقطاب..

هنا صرخ أحدهم وكأنه اكتشف ما لم يتوصل إليه نيوتن “أنت ناصري من بتوع عدم الانحياز “.. وكان طبيعيا أن أغادر الأستوديو خصوصا بعد أن رأيت الشرر يتطاير من عيونهم استعدادا للفتك بي، وصحبني المذيع إلى الخارج وقال لي أنا في هذا السيرك كل ليلة، قلت له إذا تدربت على ترويض الوحوش ربما أحضر لديك مرة أخرى!

24