خواطر حول النقاد العرب والطمأنينة الراكدة

السبت 2017/07/22
تطورات فكر النقد العربي

القاهرة – يتضمن كتاب “حديث الإثنين.. خواطر نقدية حول الأدب والفن”، مجموعة من مقالات الناقد المصري الراحل عبدالقادر القط التي نُشرت متفرقة في وقت سابق.

القطّ في هذا الإصدار، الصادر مؤخراً عن المجلس الأعلى المصري للثقافة، كما يقول الناقد أحمد درويش في مقدمته للكتاب، يهتم بالمثقف العام “القارئ”، كما يهتم بالمثقف العام “المشاهد”، بعد اتساع مجال البث الإبداعي عبر الشاشات التلفزيونية، والتي تحتاج إلى إقدام ناقد حيوي يفتح باب الحوار العلمي الهادئ حولها.

وفي إحدى مقالاته، يقول القط: إن المجتمع في مراحل التحول الحضاري السريع، يصبح بيئة صالحة لقيام نمطين متقابلين في الفكر والثقافة، أحدهما يندفع نحو الجديد بالغ الجاذبية، والآخر يتشبث بأطراف الماضي.

ويرى القط أن النقد الأدبي سار مع ذلك التحول، فنشأت فيه نظريات جديدة تنطلق من فلسفات حول اللغة والأدب وطبيعة الإبداع والتلقي، خالفت ما كان سائداً من نقد شامل ينظر في تجربة النص وصيغته ومستواه، قارناً النظرية بالذوق الشخصي والقيم الفردية السائدة.

ويوضح أن النظريات الجديدة أقرب إلى المنهج العلمي وأكثر مسايرة لطبيعة العصر، وكان يمكن أن تكون أكثر قبولاً لو كان العرب قد شاركوا في صنعها ولم يقنعوا بنقلها عن المناهج الغربية نقلاً لا يخلو من آثار العجلة أو الإعجاب المسرف.

ويؤكد القط: أننا يمكن أن نكون أقدر على مواجهة النظريات النقدية السائدة لو حاولنا أن نضيف إليها من فكرنا، ما يجعلها أصلح لدراسة نصوص عربية ذات طبيعة خاصة، وأقرب إلى متلقين وقراء تسيطر عليهم تقاليد طويلة لا يمكن للناقد أن يتجاهلها.

ويقول: إن هذه الحقائق لا تخفى على النقاد العرب ممن نقلوا مناهج النقد الحديث، فهم يجمعون بين الثقافة العربية قديمها وحديثها والفكر الغربي في النقد والإبداع، ويدركون الفروق بين الأدب العربي والآداب الغربية، وطبيعة المتلقي في المجتمع العربي المتأرجح بين تراث طويل ذي تقاليد ممتدة، وجديد دائم التطور بدافع من البيئة العربية وظروفها الحضارية، والمؤثرات الخارجها. ويرى أن نقادنا، على جليل أقدارهم وقدراتهم، قنعوا بأن يكونوا تلاميذ لرواد تلك المذاهب، يشرحون نظرياتهم ويفسرونها كما كان يشرح القدماء فلسفة أرسطو.

مختارات من مقالاته الصادرة في الأهرام

وفي مقالة له بعنوان “الطمأنينة”، يقول عبدالقادر القط: إن من السمات النفسية لمن يعيش في مجتمع متحضر نشوء شيء من القلق‏. وهو‏ قلق يظل يحفز صاحبه إلى مواصلة الحركة والسعي إلى غاية أبعد‏،‏ قد يبلغها وقد لا يصل إليها‏،‏ لكنها تظل لديه وقوداً للحركة والطموح‏.‏ وهو قلق حضاري‏،‏ غير ذلك القلق المرضي الذي يعرفه علماء النفس وينتهي بصاحبه إلى بلبلة وجدانية أو ذهنية وخوف دائم من المجهول.

ويضيف: أن المرء حين يفقد هذا الحافز الحضاري للحركة والطموح، ويستكين إلى الرضا عن النفس، يتوهم أنه قد بلغ أقصى ما يريد أو ما يستطيع، ويرى عيوب مجتمعه نقائصَ يمكن احتمالها أو المغفرة لمن يرتكبونها ويترك أمر إصلاحها للزمن.

ويؤكد أن تلك هي الطمأنينة الراكدة بعيدة عن الرضا النفسي الحقيقي عمّا بلغه المرء من نجاح أو تحقيق ذات‏،‏ وهي صورة للقناعة الزائفة والفشل المقنع.

ويتابع بقوله: إن هناك من سيكتبون عن تلك العيوب والنقائص وقد يقترحون لها بعض الحلول ووسائل الإصلاح‏،‏ لكن “الطمأنينة الآسنة” تصرف الآذان عن سماع أحاديثهم، والعيونَ عن النظر فيما يكتبون، والعقولَ عن التفكير فيما يقترحون‏،‏ فيبدو وكأن كل شيء على ما يرام‏.

ولفت الناشر إلى أن عبدالقادر القط شاعر مقلّ في شعره، وله ديوان شعري وحيد اسمه “ذكريات شاب”، ولكن كان له باع كبير في النقد والأدب ومفهوم الشعر وخطابه، وله العديد من الكتب النقدية والأعمال المختصة والثقافية، منها كتابه ”مفهوم الشعر عند العرب”.

واستعرض الناشر ترجمات القط من الإنكليزية إلى العربية، ومن بينها ثلاث مسرحيات لشكسبير، هي “هاملت” و”ريتشارد الثالث”، و”بريكليس”. كما كان عبدالقادر القط قبل رحيله عضوا بالمجلس الأعلى للثقافة ومقررا للجنة الشعر فيه، ونال العديد من الجوائز داخل مصر وخارجها.

17