خوان غامبر الأب الروحي لبرشلونة واختلاط الرياضة بالسياسة

السبت 2015/10/17
خوان غامبر سويسري ترك بصماته على الملاعب والبيوت والشاشات

ميونيخ- أن تتدخل السياسة في الرياضة ذلك أصبح أمراً معتاداً، بل إن الكثير من السياسيين أصبحوا يتسابقون لكسب ود جماهير الأندية الرياضية، لكن أن تقود الرياضة فئة سياسية وتساهم في تغيير مستقبل البلدان، فذلك يعتبر أمراً عجيباً وغريباً في الوقت ذاته، إلا أن الرياضي السويسري خوان غامبر جعل ذلك ممكناً بتأسيسه لنادي برشلونة الذي دعّم شعار “الرياضة والمواطنة” وتكفل بحمل عبء الهوية والقومية الكتالونية ليستحق فعلاً اللقب بأنه “أكثر من مجرد نادٍ”.

إعلان صغير في جريدة

يوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر من العام 1899، كان علامة فارقة في تاريخ إقليم كتالونيا، في ذلك اليوم وضع السويسري خوان غامبر الحجر الأساس لبناء قلعة أًصبحت فيما بعد رمزاً لإقليم كتالونيا وهويته القومية ألا وهو نادي برشلونة. ولم يكن غامبر الذي جاء إلى مدينة برشلونة زائراً، يعلم أنه سيصبح رمزاً لمدينة فقدت الكثير من هويتها من الجيوش التي مرت بها وألحقتها بسلطتها السياسية، أعجبته المدينة وقرر العمل فيها وإنشاء سكة حديدية، لكن تلك السكة لم تكن ذات أهمية أمام الطريق الذي فتحته لأبناء كتالونيا نحو الأمجاد والتاريخ والحرية من استبداد السلطة المركزية الحاكمة في مدريد بعد أكثر من قرن على تاريخ تأسيس النادي.

وضع غامبر إعلاناً صغيراً في صحيفة لوسديبورتيس قال فيه إنه يهمّ بتأسيس ناد لكرة القدم في مدينة برشلونة، وهو الذي لعب في أندية بازل وإكسيلسيور وزيوريخ السويسرية واحترف اللعب في ليون الفرنسي بعد ذلك، لقد كان إعلاناً لافتاً في مدينة لم تكن تعني لها كرة القدم شيئا آنذاك، ففي أخر أيام القرن التاسع عشر، وفي المبنى ذاته للصحيفة التي وضع فيها الإعلان قرر غامبر أن يصنع التاريخ الكتالوني من جديد، فاجتمع مع الإنكليزي غوالتري وايلد في صالة سولي للتمارين الرياضية الواقعة في شارع مونجويك بالقرب من نافورة كاناليتيس، وشارك في الاجتماع عشر شخصيات، هم لويس دوسو وبارتوميو تيراديس وأوتو كونزله وأوتو ماير وإنريك دوكاي وبيرا كابوت وكارليس بويول وجوزيب لوبيت وجون بارسوس وويليام بارسونس.

بدأت النقاشات في التاسعة صباحاً ولم يكن الأمر صعباً للغاية، لأن من جذبهم الإعلان كانوا مصممين على خوض التجربة، لتنتهي الحكاية في الحادية عشرة صباحاً بإعلان تاريخي لإقليم كتالونيا، لقد رسمت الخطوط العريضة وصدرت القرارات بتعيين غوالتيري وايلد رئيساً للنادي ولويس دوسو أميناً عاماً وبارتوميو تيراديس أميناً للمالية، ومن يود الانضمام لعضوية النادي عليه أن يدفع مبلغاً رمزياً للغاية، وفي الثالث عشر من شهر ديسمبر، اجتمعت الإدارة مجدداً واختارت اللونين الأحمر والأزرق لونين رسميين لنادي برشلونة، واختير السويسري غامبر ليحمل شارة الكابتن.

جماهير برشلونة تذكر كيف كان أجدادها ينتظرون غامبر ليقود سفينة كاتالونيا نحو الأمجاد حتى استفاقوا صباح الثلاثين من يوليو عام 1930 بخبر جعل الحزن يخيم على كل أرجاء إقليم كتالونيا، وأسكت صيحات الجماهير في ملعب ليس كورتس لأول مرة، لقد انتحر خوان غامبر، مات الأب الروحي لبرشلونة، فخرجت تلك الجماهير ذاتها بالآلاف لتشييعه

قميص برشلونة

خاض غامبر وأحد عشر رياضياً (ستة من كتالونيا وثلاثة من سويسرا واثنان من إنكلترا) أول مباراة بقميص نادي برشلونة ضد مجموعة من اللاعبين الإنكليز، وانتهت المباراة بخسارة الكتلان بهدف نظيف في المباراة التي أٌقيمت على أرض معشبة تابعة لفندق بونانوفا.

لعب برشلونة أول مباراةٍ رسميةٍ له في كأس أسبانيا أمام نادي العاصمة ريال مدريد في الثالث عشر من شهر مايو عام 1902 انتهت لصالح الكتلان بنتيجة ثلاثة أهداف لهدف، لكنه خسر في المباراة النهائية أمام نادي بزكايا بهدفين لهدف، واستمر خوان غامبر باللعب لفريق برشلونة لسنة أخرى، واختتم مسيرته بعد أن لعب بقميصه 51 مباراةً أحرز خلالها 120 هدفاً، وكان له دور كبير في إحراز ناديه لقب دوري كاتالونيا في تلك السنة.

لم يكن البارسا يملك ملعباً خاصاً به، فكان يتنقل ليلعب مبارياته في حديقة بونانوفا وكازانوفا، وساحتي كاريتيرا ومونتانير، إلى أن تسلم غامبر رئاسة النادي، وألقى خطابه الشهير حينها قائلاً “سنحمل النادي على أعتاقنا وأريد أن أنسى كل الأخطاء التي حدثت في الماضي وأريد أن أكون جزءاً من المعركة بأننا سنكون كلنا مشتركين باستعادة النادي لما كان عليه”، واستطاع تأمين ملعب خاص بالنادي يتسع لستة آلاف متفرج، لينتقل رسمياً بعد فترة قصيرة، إلى ملعب كامب ديل لا إندوستريا.

غيّر بعدها برشلونة لغته الرسمية إلى الكتالونية بدلاً من القشتالية، وهو ما أكسبه بعداً قومياً وجعله رمزاً لإقليم كتالونيا يميّزه عن بقية الفرق، وانعكست حالة الاستقرار على نتائج النادي بشكل كبير، بعد أن أصبح للنادي دخل مستقر بفضل ملعبه الخاص، ليعيش فترة ناجحة ومليئة بالإنجازات ففاز بلقب دوري كاتالونيا ثماني مرات، وسطّر اسمه في السجل الذهبي لكأس أسبانيا خمس مرات، وشهد النادي استقراراً فنياً في عهد خوان غامبر الذي ترأس النادي لولاية ثالثة، حين اتخذ قراراً بتعيين المدرب الإنكليزي جاك غرينويل مدرباً للفريق بأجر مادي وهو ما لم يكن معتاداً من قبل.

انضم إلى غامبر لاعبان أسطوريان قلبا الموازين هما زامورا وجوسيب ساميتيير، وجذب في فترة ولايته الرابعة، أكثر من 20 ألف عضو ساهموا في زيادة الدخل المالي للنادي، وهو ما مكّنه من شراء ملعب ليس كورتس الذي يتسع لاثنين وعشرين ألف متفرج، ورفعت في ما بعد سعته إلى 60 ألف متفرج ونقل إليه المقر الرئيسي للنادي الكتالوني.

جماهير برشلونة حين تقود الرياضة السياسة

جماهير يتيمة

كان واضحاً أن نادي برشلونة أصبح رمزاً للهوية الكتالونية، كما أن التفاف جميع المنتمين إلى القومية الكتالونية خلف نادي برشلونة جعل أنظار الحكومة القمعية للسلطة المركزية في مدريد تتخذ قرارهاً بإنهاء الحالة الكتالونية التي فرضها خوان غامبر، الذي بدا مكتوف الأيدي أمام ضغوطات الجنرال ميغل بريمو دي ريفيرا صاحب اليد العليا في عهد الملك ألفونسو الثالث عشر، ليستقيل غامبر في الرابع عشر من شهر يونيو من العام 1925.

غير أن الهوية الكتالونية التي غذّاها غامبر لم تمت برحيله عن رئاسة النادي، فهو الذي أعلنها صراحة منذ خطابه الذي قال فيه “برشلونة نادٍ لا يمكن ولا ينبغي أن يموت وإذا لم يكن هناك من يحاول إنقاذه، فسأحمل المسؤولية الكاملة لإنقاذه والاعتناء به في المستقبل”.

وسعياً منه لكسب الأعضاء وتوسيع قاعدته الشعبية وضع غامبر مادة في قوانين تأسيس النادي آنذاك نصت على أن “التكامل وتعزيز المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والفنية والعلمية والترفيهية هو الكافي واللازم للحفاظ على التمثيل العام، ثمرة لتقليد دائم وهو الولاء والخدمة لأعضاء النادي، المواطنين وكتالونيا”، قالها علناً إن كتالونيا وشعبها هم الهم والاهتمام، لذلك كان من الطبيعي أن تصبح مباريات النادي مسرحاً لتعبير الانفصاليين عن رغباتهم.

وكانت الهتافات ترتفع وتزداد في كلّ مباراة، حتى وصل الحال بجماهير برشلونة ليعلنوها صراحةً أنهم لن يغنّوا النشيد الوطني العام في كتالونيا، لأنه لم يعد يعني لهم شيئاً، فاتخذ الجنرال بريمو دي ريفيرا قراره بإغلاق ملعب ليسكورتس مدة ستة أشهر، وقيل أيضاً إنه أًصبح معسكراً لجنوده في تلك الفترة.

إلا أن التشكيلة المميزة التي امتلكها نادي برشلونة مكّنته من تجاوز كل العقبات التي وضعتها الحكومة المركزية في مدريد، وجاء الخبر السار لخوان غامبر بأن زامورا الأسطورة الكتالونية آنذاك ومعه عدد من اللاعبين المميزين قد ظفروا بلقب الدوري الإسباني في الموسم الأول لانطلاقته، إلا أن الفرحة لم تكتمل فالأزمة الاقتصادية العالمية كانت تنتظر الرجل السويسري لتضع حداً لأحلامه البعيدة.

جماهير برشلونة كانت تنتظر غامبر ليقود سفينة كاتالونيا نحو الأمجاد إلى أن استفاقت صباح الثلاثين من يوليو عام 1930 بخبر جعل الحزن يخيّم في كل أرجاء إقليم كتالونيا، وأسكت صيحات الجماهير في ملعب ليسكورتس لأول مرة، لقد انتحر خوان غامبر، مات الأب الروحي لبرشلونة، لذلك خرجت الجماهير بالآلاف لتشييعه، كانت حالة فريدة تعبر عن مدى الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها الرجل السويسري في قلب أبناء إقليم كتالونيا، وهو الذي غيّر اسمه من هانز إلى خوان الاسم المتداول كثيراً في كتالونيا حتى يصبح قريباً منهم.

رحيل غامبر الغامض والإعدام الميداني لخليفته سونال يترك جماهير إقليم كاتالونيا حائرة أمام مسؤولية الحفاظ على الهوية التي رسمها الرجل السويسري، ليمر وقت قصير قبل أن يسيطر الجنرال فرانكو على إقليم كاتالونيا ويأمر طيرانه بقصف النادي واحتلال منشآته ونهب محتوياتها، ويعين أحد مواليه ويدعى إنريكي بينير رئيسا للنادي

إعدام خليفة غامبر

تلقت الحكومة المركزية في مدريد خبر انتحار غامبر بسعادة بالغة، لقد كانوا يعتقدون أن النادي الكتالوني أصبح يتيماً بوفاة أبيه الروحي، وبالفعل أعقب انتحار غامبر حالة مأساوية داخل نادي برشلونة استمرت لخمسة أعوام، إلى أن خرج جوسيب سونال سائراً على خطى خوان غامبر ورفع شعار الرياضة والمواطنة، وأصبح سونال خليفة غامبر بنظر الكتلان.

حظي سونال بمكانة كبيرة لدى أبناء أإقليم كتالونيا، وزار الجبهة الأمامية للقوات الكتالونية الانفصالية المواجهة لقوات الحكومة المركزية في مدريد، إلا أن سيارة تابعة لقوات الحكومة المركزية في مدريد تسللت إلى مكان تواجد سونال، وألقت القبض عليه وأعدمته دون محاكمة بشكل سري، فأطلقت عليه جماهير برشلونة لقب الرئيس الشهيد، إلا أنه لم يصل لمكانة غامبر الذي سميت باسمه منذ عام 1966 بطولة كروية تقام سنوياً، واحتفظ النادي ببطاقة العضوية الخاصة به في متحف النادي تكريماً لما قدمه لأبناء إقليم كاتالونيا وناديهم الرمز “برشلونة”.

بعد رحيل غامبر وخليفته سونال حاولت جماهير إقليم كاتالونيا الحفاظ على الهوية التي رسمها الرجل السويسري، إلى أن سيطر الجنرال فرانكو على إقليم كاتالونيا وقام طيرانه بقصف النادي واحتل جنوده منشآته ونهبوا محتوياتها، وعيّن الجنرال فرانكو أحد مواليه ويدعى إنريكي بينير رئيساً للنادي، والذي قرر منع جماهير برشلونة من عزف النشيد الكتالوني وأمر باستخدام اسم النادي باللغة الأسبانية بدلاً من الاسم الأصلي باللغة الكتالونية، وحذر من استخدام أيّ دلائل تشير إلى ارتباط نادي برشلونة بالهوية الكتالونية للإقليم بناءً على أوامر من الجنرال فرانكو.

15