خوان غوايدو لغز واشنطن ودعم الديمقراطيات في العالم

دعوة الرئيس الفنزويلي المؤقت إلى الكونغرس في عام 2020 لم تلق ترحيبا من الجناح الأميركي الديمقراطي المعارض بطبعه لسياسات ترامب الخارجية.
الثلاثاء 2020/02/25
خوان غوايدو مطمئن إلى مستقبله السياسي

في قاعة الكونغرس الأميركي، وبمناسبة خطاب مهم وسنوي في التقليد السياسي الأميركي هو خطاب “حالة الاتحاد”، استقبل الرئيس دونالد ترامب خلال إلقائه كلمته، وسط تصفيق شديد من أعضاء الكونغرس وبخاصة من الجمهوريين، خوان خيراردو غوايدو ماركيز، الرجل الذي تعترف به الولايات المتحدة وأكثر من خمسين دولة، رئيسا مؤقّتا لفنزويلا.

قال ترامب أمام أعضاء الكونغرس والضيوف من الشخصيات المؤثرة التي دعيت من أنحاء الولايات المتحدة ومن خارجها لحضور خطاب حالة الاتحاد “إنّ طغيان الرئيس الفنزويلي الاشتراكي نيكولاس مادورو سيتمّ تحطيمه”. واعتبر أنّ مادورو زعيم غير شرعي، طاغية يعامل شعبه بوحشيّة، وأنه لا بد من تدمير قبضته على الحكم في فنزويلا.

ديمقراطيون ضد الديمقراطية

أشار البيت الأبيض في بيان له بهذه المناسبة إلى أن غوايدو هو من بين “ضيوف الشرف” الذين تمّت دعوتهم لحضور الخطاب الرئاسي الأميركي السنوي والتقليدي. دعوة الرئيس المؤقت غوايدو إلى الكونغرس في عام 2020 لم تلق ترحيبا من الجناح الأميركي الديمقراطي المعارض بطبعه لسياسات ترامب الخارجية، جملة وتفصيلاً.

وكان رئيس لجنة الشؤون الدولية في الكونغرس، الديمقراطي إليوت أنغل، قد أعلن في وقت سابق أن الكونغرس لن يوافق على أي خطة لتدخل عسكري أميركي في فنزويلا، رغم تصريحات ترامب التي غالبا ما لوّح فيها بإمكانية التدخل العسكري لحسم الاضطراب في ذلك البلد، إثر إعلان غوايدو رئيسا مؤقتا لها بعد أن فاز في انتخابات رئاسة الجمعية الوطنية، بينما جدد الرئيس مادورو لنفسه ضد إرادة الشعب.

إدارة الرئيس الأسبق بوش الابن، رغم النتائج الكارثية التي تمثل أمامنا اليوم في العراق، وفّرت في العالم وفي دول الشرق الأوسط، خصوصا، مساحة للتعبير السياسي، فباتت معايير الحرية جزءا من الخطاب العام

وأعرب أنغل في مستهل جلسة استماع خاصة بتطورات الوضع في فنزويلا، عن قلقه إزاء تلويح ترامب بإمكانية التدخل عسكريا في فنزويلا. وقال “أرغب في الإشارة وبشكل واضح للحاضرين وكل المتابعين، إلى أن التدخل العسكري الأميركي ليس خيارنا”. وأشار إلى أنه يفهم ضرورة ردع مادورو، لكن “على البيت الأبيض تقييم التداعيات المحتملة لهذه العقوبات بالنسبة إلى الشعب الفنزويلي إذا لم يترك مادورو منصبه بإرادته“. إلا أن ترامب أعلن غير مرة في تصريحات صحافية أن التدخل العسكري في فنزويلا لا يزال بين الخيارات المطروحة على طاولته.

فاز مادورو في الانتخابات الرئاسية الفنزويلية في شهر مايو عام 2018، والتي دعا إليها مادورو ذاته، بعد أن انتقلت إليه السلطة بوصفه نائباً للرئيس الراحل هوغو شافيز وبتوصية من الأخير. إلا أنه سرعان ما اندلعت المظاهرات المعارضة في فنزويلا، متهمة الانتخابات بأنها مزورة، وواصفة مادورو بأنه رئيس غير شرعي.

وفي العاشر من يناير العام الماضي، يوم تنصيب مادورو، اعترض المتظاهرون بقوة على الإجراءات، وقام غوايدو رئيس البرلمان الفنزويلي الذي تسيطر عليه المعارضة، بعقد اجتماع في اليوم التالي، وأعلن نفسه “رئيسا بالوكالة” للبلاد، وذلك على مرأى من عشرات الآلاف من المؤيدين الذين تجمعوا في كراكاس احتجاجا على رئاسة نيكولاس مادورو. وأعلن الرئيس الأميركي الاعتراف بغوايدو “رئيسا بالوكالة” بعد وقت قصير من إعلان الأخير ذلك. وأعلنت الجمعية الوطنية أن غوايدو قد تولى منصب الرئاسة، وأنها ستستمر في التخطيط لإزاحة مادورو، ما زاد من اشتعال الأزمة الرئاسية.

وتدعم منظمة دول الأميركتين موقف غوايدو بصورة قوية. فقد اعترفت الولايات المتحدة به رئيسا شرعيّا بالوكالة، كما اعترفت به كندا ومعظم دول أميركا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا.

أميركا تستند في منهجها للدفاع عن غوايدو وعن الديمقراطية حول العالم، إلى جملة مفاهيم على رأسها مبدأ جيفرسن الذي قال “حتى لو لم يتبقّ سوى آدم واحد وحواء واحدة في كل بلد وكانا حُرّيْن، لكان الحال أفضل مما هو عليه الآن“، إثر تحول الثورة الفرنسية إلى فوضى
أميركا تستند في منهجها للدفاع عن غوايدو وعن الديمقراطية حول العالم، إلى جملة مفاهيم على رأسها مبدأ جيفرسن الذي قال “حتى لو لم يتبقّ سوى آدم واحد وحواء واحدة في كل بلد وكانا حُرّيْن، لكان الحال أفضل مما هو عليه الآن“، إثر تحول الثورة الفرنسية إلى فوضى

في الضفة الأخرى من رئاسة فنزويلا، اعتبر مادورو، وهو من يحظى بدعم من روسيا وتركيا والصين، أن غوايدو مجرد “دمية بيد الولايات المتحدة”، متهما واشنطن بمحاولة تدبير انقلاب ضده داخل بلاده.

يستدعي التحرك القوي والمدعوم شعبيا من المعارضة الفنزويلية، ذاك الذي قاده غوايدو، أن نتعرف إلى بعض تفاصيل شخصية هذا الشاب القوي والطموح والمعزز بإجماع المجتمعات الديمقراطية في الغرب.

شاب طموح

غوايدو المولود في عام 1983، مهندس وسياسي يشغل منصب رئيس الجمعية الوطنية في فنزويلا منذ مطلع العام الماضي. وهو عضو في حزب الإرادة الشعبية، وينشط سياسيا بصفته نائبا اتحاديا عن ولاية فارغاس.

ورغم قرب غوايدو سياسيا من واشنطن التي دعمته في رفضه تنصيب مادورو، ثم إشهار نفسه رئيسا بالوكالة لفنزويلا، إلا أن وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير بادرينو، سارع إلى التصريح في اليوم التالي لاعتراف الولايات المتحدة بغوايدو رئيسا، بأن الجيش يرفض ذلك الإعلان. واندلعت اشتباكات في اليوم التالي بين مؤيدين لغوايدو ومناصرين لمادورو، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة. بينما قال المرصد الفنزويلي للنزاعات الاجتماعية، وهو منظمة معارضة للرئيس مادورو، إن هؤلاء القتلى الذين قضوا في غالبيتهم بسلاح ناري، قد سقطوا في العاصمة كاراكاس ومناطق أخرى من البلاد في احتجاجات مطالبة بتنحي مادورو واستلام غوايدو لسدة الرئاسة.

عالم أكثر أمانًا

ترامب يقف إلى جانب غوايدو، ويتوعد مادورو أمام أعضاء الكونغرس والشخصيات المؤثرة التي دعيت لحضور خطاب حالة الاتحاد بالقول إنّ "طغيان الرئيس الفنزويلي الاشتراكي سيتمّ تحطيمه"
ترامب يقف إلى جانب غوايدو، ويتوعد مادورو أمام أعضاء الكونغرس والشخصيات المؤثرة التي دعيت لحضور خطاب حالة الاتحاد بالقول إنّ "طغيان الرئيس الفنزويلي الاشتراكي سيتمّ تحطيمه"

“حتى لو لم يتبقّ سوى آدم واحد وحواء واحدة في كل بلد وكانا حرّيْن، لكان الحال أفضل مما هو عليه الآن“. هذا ما قاله الرئيس الأميركي، توماس جيفرسن، في عام 1793 عندما بدأت الثورة الفرنسية تتحول إلى الفوضى والعنف. وأضاف “كنت سأفضّل أن يخرب نصف الأرض على أن تفشل الثورة”. وعلى الرغم من حماسه الطاغي، إلا أن جفيرسن لم يكن وحده من يحمل هذه المشاعر؛ فالإيمان بالديمقراطية هو من أعمق القيم المتجذرة على نطاق واسع في تاريخ وحاضر الولايات المتحدة.

بعد ذلك برزت قضيتا دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في الحملات الانتخابية للرؤساء الأميركيين، وأعلن الرئيس وودرو ويلسون أن الولايات المتحدة سوف تدخل الحرب العالمية الأولى ”لكي تجعل العالم أكثر أمانا للديمقراطية، وقدم مبادئه الشهيرة، ولكن رفض الكونغرس التصديق على إنشاء عصبة الأمم صعّب المهمة، وعزل الولايات المتحدة من جديد، حتى الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من أن دعم الديمقراطيات ظل دائما يتكرر في الخطابات الرئاسية الأميركية، إلا أن النهوض بالديمقراطية بوصفها عنصرا رئيسيا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية أمر مستجدّ نسبيا. ففي عام 1974 بدأت واشنطن نشاطها لنشر الديمقراطية، وبعد عامين تم ربط قانون المؤسسات المالية والدولية بالديمقراطية وحقوق الإنسان والسلوك الديمقراطي. وظهر أول تقرير سنوي يصدر عن وزارة الخارجية يتعلق بحقوق الإنسان في عام 1977، وحينها ناقش الكونغرس مسألة تطبيق العقوبات الاقتصادية على الدول المخالفة للديمقراطية والتي لا تراعي حقوق الإنسان. وكثيرا ما تحدث الرؤساء ريغان وبوش الأب وكلينتون بقوة حول دعم وتأييد الديمقراطية. إلا أنه حتى وصول إدارة الرئيس بوش الابن إلى السلطة، لم تكن فكرة النهوض بالديمقراطية في صلب السياسة الأميركية تجاه أنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط على سبيل المثال لا الحصر.

الثمن الباهظ

منظمة دول الأميركتين تدعم بشدة موقف غوايدو،  فقد اعترفت الولايات المتحدة به رئيسا شرعيّا بالوكالة، مثلما فعلت كندا ومعظم دول أميركا الجنوبية كالأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا
منظمة دول الأميركتين تدعم بشدة موقف غوايدو،  فقد اعترفت الولايات المتحدة به رئيسا شرعيّا بالوكالة، مثلما فعلت كندا ومعظم دول أميركا الجنوبية كالأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكولومبيا

كان اعتناق الرئيس بوش لفكرة الترويج للديمقراطية توجهًا صائبا، إلا أنه تقاطع مع سياسات أخرى لواشنطن سعت إليها إدارته، ومن أهم مظاهرها كانت الحرب على العراق، والحملة التي تقودها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في العالم. ورغم موقفنا من حرب العراق أو الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، فثمة أدلة تشير إلى أن الجهود الأميركية في الترويج للديمقراطية خلال الفترة بين عامي 2001 – 2009 قد أدت إلى نتائج لافتة في المجتمعات التي تقع تحت حكم الرجل الواحد أو الحزب الواحد. فقد وفرت إدارة الرئيس بوش الابن والمؤسسات التي أنشأتها لدفع العملية الديمقراطية في العالم، ولاسيما في دول الشرق الأوسط، مساحة للتعبير السياسي للإصلاحيين والناشطين المدنيين، بحيث غدت معايير الحرية والديمقراطية جزءا عضويا من الخطاب العام والشعبي في المنطقة، ومطلبا لا يمكن التغاضي عنه البتة. 

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط أن الاستقرار الظاهري الذي قدمته الأنظمة الاستبدادية يمكن أن يكون وهما، في حين يوفر التاريخ أدلة عديدة على أن الديمقراطية تعزز السلام والازدهار على المدى البعيد.

يرفض غوايدو أن توصف الحالة في فنزويلا بأن هناك رئيسين يتنازعان على السلطة في البلاد، لكنه يرى المشهد ويجسده بـ”أن هناك دكتاتورا معزولًا من قبل شعبه لم يجلب لبلده سوى البؤس، مقابل رئيس أتى وفقا للدستور، وهو الرئيس الشرعي والوحيد لفنزويلا إلى حين إجراء انتخابات جديدة”. وينفي باستمرار أن يكون ما قام به من تحرّك سياسي مدعوم دستوريا بمثابة انقلاب على السلطة. فالتحرك تم تشكيله من متطوعين سلميين مؤمنين بضرورة التغيير الديمقراطي في فنزويلا والدخول في عصر الانتخابات الحرة النزيهة كما دول العالم التي تحترم شعوبها وتفي بالتزاماتها تجاه حياتهم ومستقبلهم.

ويبدو الرئيس الشاب مطمئنا إلى مستقبله السياسي، فقد قال مؤخرا “لست قلقا إذا كانت حياتي أو حريتي ثمن حرية شعبي. لست قلقا إذا أعطيت حياتي لخدمة شعب فنزويلا، فأنا أعرف الخطر الذي أواجهه. لكن قلقي الوحيد أن يصبح ما يجري في فنزويلا أمرا عاديا“. فهو يعتبر أن النزال السياسي الحالي بينه وبين مادورو مسألة وقت وسينتهي حكما في وقت قريب، وأن العزلة التي يفرضها الرأي العام على خصمه لا بدّ أن تنتهي برئيس شرعي واحد لفنزويلا لا رئيسين.

13