خودوركوفسكي خارج بيت الطاعة الروسي

الأحد 2014/05/11
قضية خودوركوفسكي أثارت ردود فعل متباينة في الشارع الروسي

لم تكن هيئته الوسيمة وغناه الفاحش السبب الأساسي في اعتقاله، وسَوْقِهِ مكبلا بالأصفاد إلى السجن عام 2003، وذلك في مشهد فريد آنذاك عُرض على شاشات التلفزة الروسية، حيث قام عناصر من الشرطة الروسية الخاصة “الأومون” بإلقاء القبض على أحد أكبر أباطرة المال والنفط في روسيا ميخائيل خودوركوفسكي بتهمة الاحتيال والتهرب الضريبي. وسوقه بشكل لم يخل من الإهانة في عربة روسية قديمة ليقضي بعدها أكثر من عشر سنوات في سجون كاريليا و ما وراء البايكال.

اعتقال خودوركوفسكي صاحب شركة “يوكس″ ثاني أكبر شركة نفطية روسية آنذاك أثار ردود أفعال مختلفة في الشارع الروسي، فعلى الصعيد الشعبي لاقت هذه الخطوة استحسانا من قبل الطبقة الناقمة على تنامي دور رجال الأعمال المرتبطين بالمافيا في روسيا وسيطرة الأوليغارخي على مقدرات البلاد، خاصة أنها تأتي بإيعاز من الرئيس الروسي الصاعد فلاديمير بوتين والذي بدأ نجمه يبرز بقوة بعد انتصاره في الحرب الشيشانية الثانية، وتوطيد أركان حكمه عبر سن تشريعات جديدة تحد من سلطة مافيا الأموال، وتقلب ميزان السيطرة ولكن ببطء لصالح السلطات الأمنية والمخابرات على حساب دور المافيات التي بدأ دورها المسيطر يأفل تدريجيا.

في المقابل لاقت قضية خودوركوفسكي استياء كبيرا لدى بعض رجال المجتمع والمنظمات الليبيرالية الروسية المدعومة من الغرب، والتي اعتبرت منذ الساعات الأولى لاعتقاله أن القضية تأخذ صبغة سياسية، وهي لا تتعدى كونها انتقاما سياسيا من قبل بوتين بسبب تمادي خودوركوفسكي ومحاولته لعب دور سياسي ما في روسيا، خاصة بعد دعمه المالي الكبير للحزبين المعارضين في ذلك الوقت وهما الحزب الشيوعي الروسي وحزب يابلوكو “التفاحة”. كما راح البعض إلى القول باحتمال ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية كخصم لفلاديمير بوتين. فما كان من الأخير إلا أن باشر باعتقاله في رسالة ضمنية إلى جميع أصحاب الأموال في روسيا، أن ابتعدوا عن السياسة.

لم تكن اتهامات ليبيراليي روسيا بعيدة عن الواقع، إذ أن عشرات رجال الأعمال الكبار ممن تدور حولهم الشبهات في قضايا التهرب الضريبي والاختلاس كانوا ينعمون بحريتهم الكاملة بعيدا عن اليد الأمنية الطويلة للقيادة الروسية. لا بل كان بعضهم يتمتع بحظوة مميزة لدى الرئيس الروسي، مثل رجل الأعمال اليهودي رومان إبراموفتش، أحد اقطاب النفط في روسيا وصاحب شركة “ميل هاوس كابيتال” العملاقة والذي اشترى نادي تشيلسي الإنكليزي في مرحلة لاحقة.


لماذا خودوركوفسكي بالتحديد


بالعودة إلى نشأة طبقة الأوليغارخي الروسية في نهاية ثمانينات القرن المنصرم إثر بداية انهيار الاتحاد السوفيتي، يبرز اسم ميخائيل خودوركوفسكي من بين نحو عشرين رجل أعمال سيطروا على الاقتصاد الروسي آنذاك. حيث اعتبره المنظرون القوميون الروس الأخطر بينهم، لاعتبارات جيوسياسية بدأت ملامحها تظهر بوضوح مؤخرا فيما بات يعرف بحرب “الغاز″، التي تلوّح بها القيادة الروسية من حين إلى آخر. إذ لم تكن طموحات خودوركوفسكي مرتبطة بمنصب سياسي أو بدعم حزب معين، بل كانت المسألة أعمق من ذلك بكثير وتهدف بحسب الباحثين الاستراتيجيين إلى تفكيك دور السلطة في روسيا وإبقاء ثرواتها بيد الغرب. لكن كيف؟

بدأ ميخائيل خودوركوفسكي مسيرته المالية في نهاية الثمانينات، معتمدا على عضويته البارزة في حركة الشبيبة الشيوعية. وكان من أوائل المستفيدين من المراسيم التي أصدرها الرئيس ميخائيل غورباتشوف إبان حقبة “البيريسترويكا” فيما يتعلق بإنشاء المؤسسات عام 1987 . فقام الشاب الطموح ميخائيل بإنشاء مقهى عمومي، وكان بمثابة اللبنة الأولى لتأسيس شركته الاقتصادية الأولى “ميناتيب” والتي سرعان ما تحولت إلى شركة كبيرة لتبييض أموال بعض رجال الطبقة الحاكمة السوفييتية وتسويق البضائع النادرة آنذاك كأجهزة الكومبيوتر والمشروبات الكحولية الفاخرة وألبسة الجينز الأميركية. حتى وصلت ثروة المليونير الصغير إلى أكثر من 100 مليون دولار مطلع عام 1990.

أثار اعتقال خودوركوفسكي صاحب شركة "يوكس" ثاني أكبر شركة نفطية روسية ردود أفعال مختلفة في الشارع الروسي، وعلى الصعيد الشعبي لاقت هذه الخطوة استحسانا من قبل الطبقة الناقمة على تنامي دور رجال الأعمال المرتبطين بالمافيا في روسيا

ميخائيل خودوركوفسكي من مواليد عام 1963 وهو يهودي الأصل، كغالبية الأوليغارخي الروس. ولد وترعرع في العاصمة الروسية موسكو في عائلة من الطبقة الوسطى. حيث كان والده يعمل مهندسا في مصنع “كاليبر” الذي كانت تعمل به والدته أيضا. وقد وُلع منذ أيام طفولته بالكيمياء، والتحق عام 1981 بمعهد موسكو للتكنولوجيات الكيميائية. كما عرف عنه طموحه وشغفه بالمشاريع الابتكارية والتقنية التي استفاد منها في بداية مسيرته الاقتصادية. كما أنه التحق فيما بعد بمعهد بليخانوف للاقتصاد في موسكو ليحصل على تعليمه العالي الثاني.

عام 1990 تطورت شركة “ميناتيب” وتوسعت لتصبح مجموعة شركات تسيّر حسابات معظم المستثمرين في روسيا. وتم تسجيل الشركة كبنك معتمد وقام بتسيير العمليات المالية المخصصة لمعالجة أزمة مفاعل تشرنوبيل النووي. أما شركة “ميناتيب- امباكس″ فقد كلفت بتخليص صفقات السكر والنفط مع كوبا. وبدأت مجموعة “ميناتيب” تحصد ثروات طائلة ما مكنها فيما بعد من شراء حصص العديد من الشركات التي خصخصتها الحكومة بداية التسعينات وبأسعار زهيدة. وهذا ما زاد من رصيد الشاب المليونير وساعده على الدخول في دائرة المقربين من الرئيس الروسي بوريس يلتسن والمشاركة في العديد من اللقاءات والزيارات الرسمية على أعلى المستويات.


التربع على عرش "يوكس"


مسيرة خودوركوفسكي الحساسة والخطرة بدأت عملياً بتربعه على عرش شركة “يوكس″ النفطية ثاني أكبر الشركات النفطية في روسيا والرابعة على مستوى العالم. وذلك حين طرحت الحكومة الروسية عام 1995 معظم أسهم الشركة في المزاد العلني، مبررة ذلك بالأزمة التي كانت تعصف بقطاع النفط آنذاك وافتقار موازنة الدولة لرأس المال. فكانت الفرصة التي استغلها خودوركوفسكي وربح فيها ما يعادل 78 بالمئة من أسهم الشركة في أقل من ساعتين مقابل رهن قدره 350 مليون دولار. والتي اعتبرها الكثير من المراقبين بأنها صفقةٌ عَمِل من تحتها العديد من الشخصيات غير المعلنة والمدعومين من الغرب مباشرة للسيطرة فيما بعد على سوق النفط الروسية. وسرعان ما تحولت “يوكس″ بحلول عام 2000 من شركة خاسرة إلى إحدى الشركات الرائدة في قطاع الطاقة العالمي برأسمال قدره 40 مليار دولار.

بدأت “يوكس″ رويدا رويدا تلعب دورا مؤثرا في السياسة الروسية عبر إغدافها الأموال على تكتلات برلمانية في مجلس الدوما، ودعمها المادي المباشر للأحزاب الليبيرالية والمعارضة بسخاء قل نظيره. كما أبرمت “يوكوس″ صفقة استراتيجية كبرى لمدة خمسة أعوام مع الحزب الشيوعي بقيمة 70 مليون دولار. وهذا كله شكّل أدوات ضغط بيد هذه الشركة العملاقة، التي كان بإمكانها إبطال قرارات في البرلمان لم تكن لصالحها. كما بات خودوركوفسكي لا يبدي حرجا في فرض رؤيته بالمسائل الاقتصادية والسياسة الداخلية، وكذلك الأمر في القضايا السياسية الخارجية، كتأييده على سبيل المثال الحرب على العراق عام 2003.

المنعطف القاتل لمسيرة خودوركوفسكي بحسب محللين بدأ مع شروعه في مفاوضات مع شركة النفط الأميركية العملاقة “إيكسون موبيل” حيث كان خودوركوفسكي يفاوض على بيع نصف قيمة شركة” يوكوس″ إلى هذه الشركة، كما كان ينوي أيضا بناء شبكة خطوط أنابيب نفط خاصة تضمن لإمبراطوريته النفطية المزيد من الاستقلالية. وبالتالي سحب الأوراق من القيادة الروسية في التحكم بأنابيب النفط والغاز خاصة تلك الموجهة إلى أوروبا، إذ كانت “يوكس″ تسيطر فعليا على إنتاج أكثر من ثلثي أنابيب النفط والغاز بالبلاد. وهذا ما شكل خطرا على الأمن القومي الروسي، والذي استدعى تحركا عاجلا بحسب مصادر في الكرملين لوقف “المؤامرة” التي تنوي إخضاع القرار الروسي للإملاءات الأنجلوسكسونية عبر تدجين شركات النفط الروسية لصالح الولايات المتحدة الأميركية.

كما أن بعض القوميين الروس راحوا أبعد من ذلك، ورأوا في تحركات خودوركوفسكي تحضيرا لانقلاب عسكري ضد فلاديمير بوتين، بعد أن رشا قيادات من الجيش. وهذا ما يفسر بحسب رأيهم حجم الإمكانات العسكرية التي استعملت للقبض عليه، وذلك خلافا للمشهد الذي عرضته التلفزة الروسية، وهو عبارة عن عدد من رجال الشرطة يكبلون خودوركوفسكي ويزجون به في سيارة روسية قديمة أثناء توجهه إلى مطار نوفوروسيسك.

المصادر الرسمية في موسكو قالت إن الإفراج عن خودوركوفسكي جاء بدواع إنسانية بعد أن تقدم الأخير إلى الرئيس بوتين برسالتين الأولى رسمية قصيرة والأخرى شخصية مطولة، طلب فيها الصفح عنه، ملتمسا العفو بدواع إنسانية بسبب والدته المريضة في ألمانيا

صفقة الإفراج بوساطة ألمانية

لأكثر من عشر سنوات قبع خدوركوفسكي في السجون الروسية بتُهم مختلفة تراوحت بين الاختلاس والاحتيال والتهرب الضريبي وتبييض الأموال وتزوير الوثائق والسرقة المنظمة وغيرها. كما كانت السلطات الروسية قد ألقت القبض في نفس العام على نائبه الأول بلاتون ليبيديف وسجن بتهم مشابهة.

مسألة اعتقال خودوركوفسكي كانت لعقد من الزمن محط انتقاد من قبل المنظمات الأوروبية المعنية بحقوق الإنسان، والتي كانت تجزم بأن قضية الملياردير الروسي تندرج تحت مسمى انتهاك حقوق الإنسان وتكبيل الحريات. وأنها قضية سياسية بامتياز تريد القيادة الروسية من ورائها لجم الليبيراليين وحركات التحرر الصاعدة والمدعومة أساسا من الولايات المتحدة والغرب..

عدة مفاوضات جرت على أعلى المستويات السياسية بين الغرب وروسيا للإفراج عن خودوركوفسكي إلا أنها باءت جميعها بالفشل. حتى نهاية ديسمبر / كانون الأول من عام 2013 عندما أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تصريحه المفاجئ بأنه سيوقع مرسوم الإعفاء عن خودوركوفسكي في القريب العاجل وهذا ما فعــله صبيحة يـــوم الجمعـــة التــالي 20 /12 /2013.

مصادر صحفية ألمانية أكدت أن صفقة الإفراج عن خودوركوفسكي جاءت بوساطة وزير الخارجية الألماني السابق هانز ديتريش جينشر والذي كان قد التقى بوتين لعدة مرات بهذا الشأن. حتى أن الطائرة الخاصة التي نقلت خودوركوفسكي من بطرسبورغ إلى برلين تعود لأحد أصدقاء وزير الخارجية الألماني .

الصحافة الغربية أكدت على أن خطوة بوتين هذه تأتي لتحسين صورة روسيا لناحية حقوق الإنسان، قبيل انطلاق أوليمبياد سوتشي الشتوية، ورغبة من القيادة الروسية في توفير الأجواء اللازمة لتحسين الاستثمار وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد.

لاقت قضية خودوركوفسكي استياء كبيرا لدى بعض رجال المجتمع والمنظمات الليبيرالية الروسية المدعومة من الغرب، والتي اعتبرت منذ الساعات الأولى لاعتقاله أن القضية تأخذ صبغة سياسية


لن أعود إلى معترك السياسة


المصادر الرسمية في موسكو قالت إن الإفراج عن خودوركوفسكي جاء بدواع إنسانية بعد أن تقدم الأخير إلى الرئيس فلاديمير بوتين برسالتين الأولى رسمية قصيرة والأخرى شخصية مطولة، طلب فيها الصفح عنه بعد أن قضى بين جنبات السجن أكثر من عشر سنوات، ملتمسا العفو بدواع إنسانية بسبب والدته المريضة في ألمانيا. بينما أكدت مصادر في المخابرات الروسية أن خودوركوفسكي تعهد في رسالته بأنه لن يعود إلى العمل في السياسة، موضحا ذلك في طلب العفو.

لكن على ما يبدو من شبّ على شيء شاب عليه.. وهذا ما أثبتته الأسابيع القليلة التي تلت الإفراج عن خودوركوفسكي وذلك عندما توجه إلى ساحة الميدان في كييف إثر بداية اندلاع الأزمة في أوكرانيا وألقى خطابا شديد اللهجة ندد فيه بممارسات موسكو تجاه الأزمة في أوكرانيا. كما ندد بالدعاية الروسية ووصفها بالكاذبة، مشيرا إلى أن أشخاصا كثرا في روسيا لا يدعمون حكم فلاديمير بوتين.

خودوركوفسكي الآن يقيم في ألمانيا ويتنقل بين عدة مدن أوروبية، ورغم أن الناطق الرسمي باسم الكرملين أكد أن موسكو لا تمانع بعودته إلى روسيا، إلا أن مصير هذا الأوليغارخي السابق يبقى متوقفا على تحولات سياسية كبيرة. وإلاّ سيبقى خارج البلاد كغيره من الأوليغارخي الذين خرجوا عن بيت الطاعة الروسي.

7