خورخي سامبرون كاتب ناهض الظلم فلم يحظ بالزهور على قبره

الثلاثاء 2014/04/15
سامبرون جعل من كتاباته سلاحا لمقاومة الفكر الاستبدادي

خورخي سامبرون، كاتب وروائي وفيلسوف أسباني، من مواليد مدريد عام 1923. وكان والده، وجلّ أفراد عائلته البورجوازيّة من أنصار الجمهوريّة. وعندما اندلعت الحرب الأهليّة في إسبانيا عام 1936، انتقلت العائلة للعيش في باريس، وعقب حياة حافلة بالمغامرات المثيرة والأحداث الكبيرة، رحل سامبرون الذي اختار كتابة جلّ أعماله الفكريّة والروائيّة باللّغة الفرنسيّة، عن الدنيا صيف 2011 عن سنّ تناهز 87 عاما.

انتسب سامبرون إلى أحد المعاهد الرّاقية حيث حصل على تكوين علميّ صلب. وبعد أن نال شهادة الباكالوريا بامتياز، درس الفلسفة في جامعة “السّربون” العريقة، مبديا تعاطفا مع الشيوعيين. وفي سنّ التّاسعة عشرة، التحق بحركة المقاومة الفرنسيّة المناهضة للنّازيّة، غير أنه سرعان ما وقع في قبضة “الغيستابو”، وأرسل إلى معسكر الاعتقال في “بوخنفالد” بشرق ألمانيا. وهناك أمضى سنوات مع مفكرين ومثقّفين مرموقين معادين للنّازيّة.


مالرو وغيو في المعسكر

يتحدث خورخي سامبرون عن التـّأثيرات الفلسفيّة التي فعلت فعلها فيه قائلا: “سبق أن ذكرت أنّي كنت طالبا في الفلسفة. وقد توقّفت عن الدراسة لألتحق بحركة المقاومة المسلّحة، غير أن ذلك لم يضع حدّا لغرامي بالفلسفة، بل كان الأمر عكس ذلك. غادرت باريس إلى إيفون حيث التحقت بفرقة “جان- ماري -أكسيون” المكلّفة بتقبّل ما يلقي به المظلّيّون من أسلحة، ثم توزيعها على المقاومين. وعليّ أن أشير إلى أن جان مولان كان في تلك الفترة يناضل بهدف إنشاء “المجلس الوطني للمقاومة”.

ويضيف قائلا: “كان من الطبيعي، وأنا الطالب، أن أحمل معي كتبا إلى المعسكر. حملت معي روايات مثل “الأمل” لمالرو، و”الدّم الأسود” للوي غيّو التي أعتبرها شخصيّا أعظم رواية فرنسيّة في القرن العشرين”.

يتنقّل بين المدن والعواصم بأسماء مستعارة للتنسيق بين المعارضين الأسبان لنظام فرانكو


تجربة مريرة

عن تجربة المعتقل المريرة كتب سامبرون أجمل رواياته التي أتاحت له الحصول على شهرة عالميّة واسعة، وسمحت له أن يحتلّ مرتبة مرموقة بين كبار الكتاب الأوروبييّن في القرن العشرين. وبعد الحرب العالميّة الثّانية، نشط ضمن الحركة الشيوعيّة في أوروبا، وراح يتنقّل بين المدن، والعواصم بأسماء مستعارة للتنسيق بين المعارضين الإسبان لنظام فرانكو. وفي السبعينات من القرن الماضي، أقصي خورخي سامبرون من الحزب الشيوعي بسبب مواقفه المندّدة بجرائم ستالين، وبسياسات الأحزاب الشيوعيّة. وعندما استلم الاشتراكيّون الحكم بعد وفاة فرانكو، عيّن سامبرون وزيرا للثّقافة في حكومة فيليبو غونزاليز. وفي حوار أجراه معه الصحفي الفرنسي مارتين لوغروس قبيل وفاته، ونشر في مجلّة “الفلسفة” الفرنسيّة في عددها الصّادر في شهر سبتمبر 2011، تحدّث خورخي سامبرون عن علاقته بالفلسفة، وعن ذلك قال: “درَسْتُ الفلسفة في معهد “هنري الرابع” بباريس، ثمّ في السّربون.

غير أن حركة المقاومة سرعان ما جرّتني إلى الكفاح المسلّح. وهكذا تخلّيت عن الدراسة. غير أني كنت أرغب في أن أكون فيلسوفا، وذاك كان طموحي المهنيّ. قلت تركت الدراسة بسبب المقاومة، لكن في ذلك الوقت لا بدّ أن يكون الطّالب فرنسيّ الجنسيّة لكي يحصل على شهادة التّبريز. أمّا أنا فقد كنت لاجئا سياسيّا إسبانيّا.

غير أن اهتمامي بالفلسفة، وخاصّة بفلسفة هوسّرل، بدأ مبكّرا. قبل الحرب، أسعفني الحظّ حيث عثرت في مكتبة “سانت-جونيفياف” على نصّ مثير لإمانويل ليفيناس حول فكر كلّ من هوسّرل، وهايدغر. وذلك النص جعلني أدرك أن هناك فكرا آخر غير فكر فيكتور كوزان الذي كنّا ندرسه في المعاهد.


صعقة ماركس


الفينومينولوجيا (أو الظّاهراتية التي ابتكرها هوسّرل) تقود إلى سارتر، وإلى الوجوديّة. غير أنها بدت لي وكأنها تكملة أساسية، وضرورية للماركسيّة. في سنّ الثّامنة عشرة، عندما تصعقنا أعمال ماركس، نحن ندرك بسرعة، إذا ما كنّا نمتلك ثقافة فلسفيّة، أن الماركسيّة وسيلة خارقة لتحليل الواقع الاجتماعي، غير أنها ليست نظاما فلسفيّا. لذا يتحتّم علينا استكمالها. وقد حاول البعض ذلك مع كانط، وهيغل. أمّا أنا فقد كنت أغذّي إمكانيّة أن تساعدني الفينومينولوجيا على استكمال الماركسيّة. وهو حلم لم أجد الوقت الكافي لتحقيقه.

وفي ما بعد”عثرت” على هوسّرل في سنوات المعتقل. ففي “بوخنفالد”، كلّ ظهيرة يوم أحد، في الفترة التي نتمتّع فيها ببعض ساعات من الراحة، كان أغلبنا يستغلّ ذلك لاستدراك ساعات النوم الضّائعة، أو لعقد اجتماعات تكون العواطف الدينيّة، أو السياسيّة دافعا لها. ويكون الحديث عندئذ منصبّا على اللّه، أو على الحزب الشيوعي. في ما يتعلّق بي، كنت أنصرف إلى سجن العاجزين حيث موريس هالبفاكس، أستاذي في علم الاجتماع في “السّربون”، والذي توفي هناك. وهوسرل مؤلّف لكتب رائعة عن الذّاكرة. حوله تجتمع مجموعة من المثقّفين بينهم واحد يدعى لونوار أو لوبران. وفي الحقيقة هو يهوديّ نمساويّ يدعى فيليكس كرايسلير. وكان هو أوّل من حدّثني عن محاضرة “أزمة الوعي الأوروبي” التي ألقاها هوسّرل في فيينّا عام 1935. وكان هو قد استمع إليها، وظلّت حاضرة في ذاكرته. وقد اهتممت بتلك المحاضرة حتّى قبل أن أقرأها. “وعندما عثرت عليها، شعرت أن لحظة أساسيّة في الفكر الأوروبي تمّ التّعبير عنها”.

وعن محاضرة هوسرل، يقول خورخي سامبرون: علينا قبل كلّ شيء أن نذكّر بالسّياق التاريخي. فقد تمّ فصل هوسّرل الفيلسوف اليهودي الألماني من الجامعة بعد أن استلم هتلر السّلطة عام 1933. ثمّ خذله صديقه مارتين هايدغر، نصيره في الفلسفة وقام بحذف الإهداء المخصّص له في الطبعة الأولى لكتابه “الوجود والزّمن”، والذي ورد فيه: “إلى معلّمي وصديقي الموقّر إدموند هوسّرل”. كلّ ذلك كان يجعل صوت هوسّرل مهمّا جدّا بالنسبة إليّ. غير أنّ ما انطبع في ذهني هو أنّني وجدتّ في تلك المحاضرة تعريفا لأوروبا يبدو صحيحا إلى حدّ يومنا هذا.
عن تجربة المعتقل المريرة كتب أجمل رواياته التي أتاحت له الحصول على شهرة عالميّة واسعة


النازية والفاشية


يمكن أن نحدّد أوروبا جغرافيّا كما لو أنّها جزء من شبه القارّة الأورو-آسيويّة. لكن في الحقيقة، وبحسب هوسّرل، لا يتعلّق الأمر بمسألة حدود. فأوروبا فضاء روحي يتشكّل فوق قاعدة من القيم المشتركة متكوّنة من العقل النّقدي المنبثق عن الإغريق. بإمكاننا أن نصحّح القول، ونعدّد المصادر (المصدر الروماني، المسيحي… إلخ) لكن ما يؤخذ بعين الاعتبار هو الفضاء الروحي الذي لا يعترف بالحدود. هذا فيلسوف يهوديّ مطرود من الجامعة الألمانيّة يرى في أوروبا فرصة لتأسيس فضاء تلغى فيه الحدود، وفيه تقوم البلدان الأوروبيّة بتبادل أشياء لا تتوقّف فقط على التّجارة، أو على الحرب.

لنأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي. فنحن في عام 1935. هتلر في السلطة منذ عامين وستالين قضى على جميع المعارضين له، والذين كانوا يشكّلون أمامه حاجزا للحصول على السلطة المطلقة. وأوروبا تندفع حثيثا باتجاه سلطتين مطلقتين، أعني بذلك النازيّة، والفاشيّة. وصوت هوسّرل وحده، هذا الصّوت اليهودي الألماني يقول بأنّ المسألة الكبرى في أوروبا هي العَياء. وإذا ما هي رغبت في عدم السّقوط في هذيانات “البربريّة”.

وعن صدى تلك المحاضرة، يقول خورخي سامبرون: “لقد كان لمحاضرة هوسّرل صدى كبير. وهي لم تترسّخ في ذاكرتي فقط، وإنما فعلت فعلها في واقع القرن. ففي فيينا، كان هناك فيلسوف تشيكيّ شاب يدعى يان باتوشكا قد استمع إليها وسوف يبلور في ما بعد أعمالا مهمّة للغاية. عند عودته إلى براغ، دعا باتوشكا هوسّرل إلى براغ في نفس السّنة، سنة 1935، لإلقاء المحاضرة ذاتها.

توفي سامبرون في يونيو من سنة 2011، ويوم دفنه، أغلقت السلطات الشيوعيّة جميع محلاّت بيع الزّهور حتى لا يتمكّن محبّوه من وضع باقات زهور على قبره! فيا لها من استعارة أوروبيّة! من هوسّرل وحتى باتوشكا، من عام 1935 وحتى عام 1977، أمام الظّلمات، نفس الفكرة لبطولة العقل تأخذ مجراها.

15