خوسيه موخيكا أفقر رؤساء العالم في أقل البلدان فسادا

السبت 2014/05/31
خوسيه موخيكا الرئيس الأفقر والأكرم

أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أنّ رئيس الأوروغواي “خوسيه موخيكا” سوف يستضيف في بيته 100 يتيم سوري ممن أجبرتهم الحرب في بلدهم على اللجوء إلى الدول المجاورة.

وللعلم، فإنّ موخيكا حصل على اعتراف دولي، وعلى لقب “أفقر رئيس في العالم وأكثرهم سخاءً”؛ وبالمقابل، وكما ورد في لائحة “الأغنى مادياً في العالم”، يأتي ترتيب، مَن مِنَ المفترض أن يكون رئيساً لأولئك الأيتام، ويعزو البعض ذلك إلى “ارتفاع الرواتب في سورية”. فبينما الراتب الشهري للرئيس موخيكا 12.500 دولار؛ ويأخذ منه 10 بالمئة؛ ويقول إنّ ذلك يكفيه ليعيش حياة كريمة؛ فنظيره بشار الأسد يأخذ أيضا 10 بالمئة من راتبه، الذي لا بد وأن يكون مليار دولار شهريّا لتفوق ثروته بعد 13 سنة الـ 15 مليار دولار.


موخيكا يخلع رداء السلطة


رئيس الأوروغواي يتبرع بما لا يأخذه من رواتبه إلى الجمعيات الخيرية في بلاده؛ وكذلك نظيره السوري يتبرع بما يزيد عن حاجته إلى الجمعيات الخرابية في بلاده. و بحسب هيئة الإذاعة البريطانية، فموخيكا يرفض العيش في القصر الرئاسي، كما أنه لا يتمتع بالحراسة المشددة كبقيّة رؤساء العالم، بل يعيش في بيت ريفي، ويوفر القصر الرئاسي لإيواء ذوي الحاجة من أهل بلاده؛ تماماً كنظيره السوري الذي شرّد أهل سوريا من بيوتهم (ربما ليعيدهم لاحقاً إلى القصور التي يتنقل بينها حرصاً على الأمان) فرحم الله عمر بن الخطاب وذاك الإعرابي الذي وجده نائماً تحت شجرة فقال له: “عدلت، فأمنت ، فنمت".


أطفال بلا مأوى


زوجة موخيكا تهلل لمبادرة زوجها تُجاه أطفال سوريا، وتراها تهدف إلى حثّ المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته تُجاه الكارثة التي تعيشها سوريا؛ والسيدة الأولى في البلد المنكوب لا تترك سوقا عالمياً في لندن يعتب عليها في ذروة مأساة سوريا، حيث نقل الإعلام الأجنبي تسوّقها بمئات آلاف من الدولارات، خلال الأزمة، دون أن يرفّ لها جفن ودون التفكير بأنّ أيتام سوريا لا يجدون مأوى أو ما يقتاتون عليه.

بينما يلعب خوسيه موخيكا مع الأطفال في شوارع الأوروغواي؛ هناك من لم يلغِ اللعب من عالم أطفال سوريا، بل أودعهم المعتقلات وسحب أظافرهم.

ولا بد من الوقوف عند بعض المحطات التاريخية التي ترصد احترام الذات والآخرين، وخاصة عندما يكون هؤلاء الآخرون عهدة في عنق وضمير وشرف الحاكم، فرغم ما أوتي الخليفة عمر بن عبدالعزيز من حكمة وعدل وسماحة روح وأخلاق وحب إلاّ أنّه خاطب الحكيم أبا الحسن البصري يطلب منه نصحا ومشورة في إدارة ورعاية البلاد والعباد.

تصنف جمهورية الأوروغواي على أنها البلد الأقل فساداً في أميركا اللاتينية، وأوضاعها السياسية وظروف العمل فيها توصف بكونها من بين الأكثر حرية في قارة أميركا الجنوبية، وهذا ما خلق مناخا اقتصاديا جعلها تحوز المرتبة الـ 17 من حيث اجتذاب الأعمال والاستثمارات


الحسن البصري واليتامى


ومن بين ما أتى في رسالة البصري أمور تتعلق بالصغار واليتامى، يقول البصري: “إن الله جعل الإمام العادل كـالأب الحاني على أولاده؛ يشفق عليهم ويسهر على راحتهم ؛ يسعى لهم صغارا، ويُعلمهم كبارا ويكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته”، ولو كان البصري حياً لرأى هول ما يحدث لأطفال سوريا. أي أب حانٍ، وأيّ سعي للصغار؟ إنه السعي لقتلهم تحت الأنقاض. أيّ حنوّ أو رعاية وأطفال سوريا ما عرفوا العلم والتعلم لأكثر من ثلاث عجاف. أيّ كسب وأي ادخار بقي لأهل سوريا بعد أن حولها “راعيها” إلى أرض يباب. أين الشفقة؛ ولم ير السوريون من إسرائيل التي احتلت أرضهم وشنت عليهم الحروب ما رأوا من “واليهم”، وما رأى اليهود ذاتهم من هتلر، نعم، هناك من يسهر لسهر السوريين ؛ ولكن في أقبية السجون، حيث النوم موت والعيش موت في مقابر الأموات. لم يعد للعافية مكان في سوريا؛ فسقم الشعب فرح لحاكمه وغمّه غايته، وبالحديث عن رعاية رئيس غريب مشكور على رعاية أيتام من سوريا لا بد من لحظ ما جاء في رسالة البصري لعمر بن عبدالعزيز بخصوص اليتامى :” إن الله جعل الإمام العادل وصي اليتامى، خازن المساكين، يربي صغيرهم ويموّن كبيرهم”، أي وصي لليتامى؛ وهناك من جعل عدد اليتامى في سوريا، الأعلى في العالم بعد الحرب العالمية الثانية؛ وأي خزن للمساكين، والشيء الوحيد الذي يُخزّن هو السلاح الذي يأتي على أرواح السوريين؟ وأي تربية للصغار، وطفلة لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات تحتضن أخاها الأصغر بعد أن قتلت طائرة حربية الأم والأب؟ وبخصوص تشريد العيال، لا تخلو وصية البصري من إشارات يتذكرها المرء فيدمى قلبه: ” فلا تكن فيما ملكّك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله؛ فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله”، بهذا الخصوص؛ لم يعد خفياً على أحد أنه منذ نصف قرن؛ يُبدّد مال سوريا وخيرها يدخل الحسابات الخاصة؛ أما الفقر فقد تحوّل إلى أحزمة تُزنّر أرواح السوريين فضلاً عن ديارهم. فماذا يقول السوريون إذا كانت إعادة إعمار بلادهم تحتاج إلى 400 مليار دولار، أي ما كان يعادل ميزانية سوريا السنوية المعلن عنها مضروباً في خمسين؛ أي نصف قرن إلى الوراء. أما التشريد فحدث ولا حرج؛ فقد أضحى السوريون في أربع أصقاع الأرض؛ وآخرها ” الأوروغواي” على بعد عشرات آلاف الأميال من مسقط الرأس.

لم يكن رجالات الاستقلال بزهدهم وقيماتهم ومناقبهم الكبيرة ولا من تبعهم من القادة الأوائل أقل نخوة من أي رمز عربي تاريخي في نخوته وشهامته وحسه الإنساني الرفيع تجاه بني وطنه في حفاظهم على كرامة السوري وسمعته وقيمه. كانوا يسموّن أنفسهم الطليعة الثورية الواعية؛ ويجعلون من سلوكهم المثالي قدوة للجماهير الشعبية.. ثم أتى من عمل على تدمير تلك القيم وتدمير أصحابها إما في المعتقل أو القبر.

وما تحصده سوريا اليوم ليس إلا ما زرعه من اغتال سوريا الحرة تاريخياً، لقد كانت وساطة النقل توصل أكبر مسؤول إلى بيته وتعود إلى مبنى المؤسسة الحكومية.. ووصلنا إلى وقت أصبح فيه أقرباء السلطان يبتلعون المؤسسات الحكومية ماديا ومعنويا.. وصلنا إلى حال أضحى المحترم الحريص على البشر والحجر “شاذاً”؛ وغير الفاسد “غبياً".

فكيف لا يريد أحد أن يصبح الإنسان السوري موضع شفقة كيتيم أو مشرد أو سجين أو تحت التراب، بعد هذه الكثافة من العفن الأخلاقي وعمليات الفساد والإفساد الممنهجة، التي أرستها سلطة “المقاومة والممانعة".

دولة أوروغواي التي يترأسها موخيكا لا تصنف بين الدول الفقيرة، بل كواحدة من أكثر بلدان أميركا الجنوبية نموا من الناحية الاقتصادية


النضال السلمي لموخيكا


الرئيس خوسيه موخيكا، الرئيس الأفقر والأشرف والأكرم؛ الذي وصل إلى الكرسي الرئاسي بعد مسيرة حافلة من النضال السلمي، بينما يصل آخرون إلى الرئاسة في خمس دقائق، يدوس خلالها خصيان الزمان على دستور البلاد ويكرسون عبادة الفرد.

تعرض موخيكا لإطلاق الرصاص عليه ست مرات وتعرض لإصابات مختلفة؛ بينما غيره لا يعرض شعبه لملايين طلقات الرصاص فقط بل حتى للصواريخ والبراميل والسلاح المحرّم دولياً.

قضى في السجن 14 سنة قبل أن يطلق سراحه عام 1985.. وعاد إلى المعترك السياسي فور خروجه ليناضل سلمياً ويتدرج في مناصبه حتى أصبح وزيراً للزراعة في عام 2005، لكنه خبأ المفاجأة الكبرى حتى الانتخابات الرئاسية في عام 2009 عندما ترشح للمنصب وفاز في الدورة الثانية.

وهناك من وضع أكثر من نصف مليون من مواطنيه في أقبية سمّاها البعض “مقابر الأحياء”، ويعود للمعترك السياسي على دم شعبه وتشريده في عرس ” انتخابي ” مأساوي؛ وربما المفاجأة التي يخبئها أن يأتي على ما تبقى من أهل سوريا.


الأوروغواي الدولة الغنية


دولة أوراغواي لا تصنف بين الدول الفقيرة، بل كواحدة من أكثر بلدان أميركا الجنوبية نمواً من الناحية الاقتصادية، وسوريا أيضا ليست من الدول الفقيرة، ولكن هناك من أفقرها وجعل النمو الاقتصادي فيها يذهب إلى حسابات طغمة ما رأت في الشعب إلاّ جراثيم وزوائد يجب استعبادها أو التخلُّص منها.

تُصنَّف جمهورية الأوروغواي على أنها البلد الأقل فساداً في أميركا اللاتينية، وظروفها السياسية وظروف العمل فيها من بين الأكثر حرية في قارة أميركا الجنوبية، وهذا ما خلق مناخاً اقتصادياً جعلها بالمرتبة الـ17 من حيث اجتذاب الأعمال والاستثمارات. في سوريا من جانب آخر هناك من جعل الفساد والإفساد منهجاً رسميا؛ وجعل العمل فيها حراً ولكن لطغمة أكلت سوريا ولوثت مناخها بجشعها وارتباطاتها المشبوهة بحيث تجذب الأعمال والاستثمارات مشروطة بشراكتها مع الطغمة حصراً لتجعل من سوريا في المرتبة الـ 170 لا المرتبة 17.

يقول موخيكا : "أن تكون حراً.. لا بد أن تتكلف وقتاً كافياً لقضاء حياتك في القيام بما تحب أن تفعله"


حراس موخيكا


يتولى حراسة وتأمين مقر إقامة خوسيه بضعة رجال شرطة؛ أما من يتولى حراسة رئيس الأيتام فلم يعودوا سوريين.

وسائل إعلام في أميركا اللاتينية كتبت أنه مع اقتراب فصل الشتاء الذي يكون بارداً للغاية في أميركا الجنوبية عرض رئيس الأوروغواي استعمال بعض أجنحة القصر الرئاسي المعروف باسم “كاسا سواريث إي رييس” في العاصمة مونتفديو لتوفير المأوى للمشردين في حالة عدم كفاية المراكز الموجودة في العاصمة. من جانب آخر، هناك من جعل نصف أهل سوريا بلا مأوى.

إذا كان خوسيه يلعب مع الأطفال في شوارع الأوروغواي، ويزور المرضى ويتفقد أحوالهم؛ فهناك من جعل أطفال سوريا يهرمون ولا يعرفون شيئاً اسمه لعب في الشوارع؛ وإن أراد تفقد المرضى يكون ذلك بالبراميل المتفجرة.

لوسيا زوجة الرئيس خوسيه موخيكا تقول عنه: “صريح في كلامه، لا يعرف اللف والدوران، إنه رجل ريفي مثقف، ذو شخصية جمعت بين الحكمة والحلم، له قلب طفل وروح قدّيس؛ ما جعل أهل الأوروغواي يطلقون عليه لقب ‘بيبي’ أو ‘الختيار’ وجعلهم يتغنون بأفكاره".

فمن أشهر الجمل التي يرددها موخيكا :”أن تكون حراً.. لا بد أن تتكلف وقتاً كافياً لقضاء حياتك في القيام بما تحب أن تفعله”، أكثر ما يحب موخيكا أن يفعله هو إسعاد الناس؛ بينما أكثر ما يحب أن يفعله آخرون ليس سوى إتعاسهم.

من أفكار موخيكا عن السلطة أنّها: ” لا تغير من الأشخاص، ولكنها فقط تكشف حقيقتهم”، إنّنا أمام رئيس يقرّر أن يقتلع آلام 100 طفل سوري يتيم، وآخر لم يرفّ له جفن لاقتلاع أظافرهم.

13