خوف السوري من السوري

الخميس 2013/11/07

عندما يتحدث السوري مع أخيه السوري فإنه يخشى منه خاصة عندما يتعلق الحديث بالسياسة والنظام والقضايا المتعلقة بالشأن العام، ويتجلى هذا في المقهى والسوق والشارع. يضع كل سوري لنفسه في حواره مع الآخر السوري خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، وأهمها عدم التطرق إلى القضايا الحساسة في البلد، وهذه الخشية ناتجة عن المآلات غير الآمنة لنتيجة مناقشته لأخيه السوري، فالقصص الواقعية كثيرة عن وشايات ضد العديد من المواطنين قام بها مواطنون آخرون نتيجة مناقشات عابرة، قدمت للسلطة التي قامت بإجراءاتها «المناسبة» بحقهم سجنا أو نفيا أو مضايقة أمنية. هذه حالة مزمنة تم إيقاع المواطن السوري في إدمانها إلى درجة كره السياسة، خوفا من عواقبها الوخيمة عليه وعلى أفراد أسرته.

لا يأتي تصرف السوري بصورة عفوية طبيعية وإنما من فوبيا أو رهاب السياسة الأمنية التي استمرت أكثر من أربعين عاما، وفق منظومة قمع سيكولوجية متكاملة الأركان ومحكمة الإتقان ومديدة التأثير، لا يأمن السوري أخيه السوري ليس لسبب يخص السوري نفسه، فهو معروف بطيبته ومحبته للآخرين، لكن النظام زرع فيه الخوف الكبير من السياسة والحديث فيها وعواقبها الوخيمة، خصوصا إذا كانت هذه السياسة تعني نقد الأساليب البوليسية للنظام في تعامله مع المجتمع وأفراده.

فالنظام قد خلق بين السوريين أزمة ثقة وطنية عامة- على حد تعبير الكاتب السوري ياسين الحاج صالح- لذلك نرى المواطن يأبى الدخول في المناقشات السياسية حتى وإن كان خارج سوريا وخاصة في دول الجوار. ولكي لا نحلق كثيرا في النظرية نضرب مثلا واقعيا على ما نقول: قبل فترة التقيت بصورة عابرة فنانا سوريا شهيرا وحاولت التعرف عليه لكنه أول ما تحدث قال: «إنني أذهب بصورة مستمرة إلى دمشق وأعود إلى هنا حيث البلد الذي أقيم فيه حاليا»، جاء حديثه هذا دون أن أسأله هل تذهب إلى سوريا أم لا؟ أعتقد أن التحليل النفسي لجوابه (وفق ثقافتي النفسية المتواضعة) هو أنه يريد أن يؤكد أنه ليس ممنوعا من السفر في بلده وليس معارضا، دون أن يؤكد أنه موال للنظام. إن ما تم ذكره من خلال اللقاء مع ذلك الفنان يدفعنا للسؤال: إذا كان فنانا شهيرا بالحجم الذي نتحدث عنه يشعر بالخوف من الآخر السوري، ويشرح وضعه من ناحية السفر إلى سوريا (وبالتالي الأمني) بصورة مسبقة قبل اكتمال جوانب التعارف، فكيف بالمواطن البسيط العادي، لا بل كيف بالمعارض الحقيقي للنظام المقيم في بلد مجاور؟

إن من ينظر للأزمة السورية على أنها خلاف بسيط بين فريقين متصارعين، وأن الأمور سيتم حلها ببساطة لا متناهية واهم، لأنه يغفل ويتغافل عن الجذور الحقيقية للأزمة ذات الأسس النفسية الاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية.

الأزمة السورية هي نتاج ثقافة الخوف والريبة والشك التي زرعت في نفوس السوريين عقودا متطاولة من الزمن وجاء الربيع العربي ليفجرها. ومن الصعوبة تغطية التوتر والصراع بين الشعب والنظام بقشور اتفاقية دولية ساهمت أصلا في زيادة الإشكالية والتعقيد والتأزم، والقضية أكبر وأعقد وأضخم مما قد يظنها البعض، من أنها مسألة سياسية أو عسكرية عابرة فهي تنتمي للبنية لا القشرة، وللجوهر لا المظهر، وللعمق لا السطح.


كاتب سوري

9