خوف من المجهول

ليس لدى الانتهازيين بوصلة، فهم مضغوطون بشروط الحياة واحتياجاتها ولو في الحد الأدنى. لذا تراهم أشبه بالسعداء بالتسوية التي تنمو على جنباتها قناعات تعاند كل منطق سوي، وينكرون الفراغ.
الأحد 2021/02/07
تخليق فوضى الحياة

ينشأ عن ضعف كل ضعيف، خوف من المجهول، يحمله على البحث عن أخ كبير، أيا كانت عقيدته ومقاصده، يحميه ويعينه في الملمّات. فقد باتت كل المخاوف في عصرنا، معجونة بالسياسة، وهذه الأخيرة مسكونة بالقلق.

فما الذي جرى لأمّة لطالما تغنت بسِيرِ رجال الصحراء الميامين، الذين يفتكون بالأعداء وتحُل الرجولة حيث يحلّون؟

في هذه الحال التي عليها العرب، يصعب تعيين موقع الهزيمة في منظومة تخيلاتهم وارتباكاتهم. فترجح في أوقاتهم، سمة الحياة المتأرجحة، على سِمتها المستقرة؟

في سياق الزخم التعبيري على ألسنة النابهين، قيل إن أمر العجز بسيط ويمكن حله، عندما ينتقل الناس من ضفة الإحساس به، إلى ضفة الوعي بمكامن القوة في الأمة. وكيف يقطع البشر البساط، الذين لا يمسكون بمقاليد الحكم، المسافة بين ضفتي النهر الجاري على الأرض وفي الزمن. لكن العرب القدامى، وصفوا صعوبة الانتقال، وردوا أسبابها إلى قلة حيلة الناس وضعف إرادتهم وخنوعهم، وقالوا في أحد أمثلتهم التي جرت على الألسن “يداك أوكتا، وفوك نفخ!”.

وفي منشأ المثل، قيل إن رجلا كان يريد أن يعبر النهر سباحة، فجاء بِقِربة ماء ونفخها، وكانت القربة ضعيفة الوكاء (أي رباطها غير محكم)، فنصحوه أن ينفخها أكثر ويحكم رباطها، ولكنه تجاهلهم. وعندما وصل إلى منتصف النهر، انفَكَّ الرباط وتسرب الهواء بسرعة، وأوشك على الغرق، فلما استغاث قالوا له: يداك أوكتا (أي ربطتا) وفوك (أي فمك) نفخ، أي أنك أنت من جنيت على نفسك ولم تعمل بالنصيحة في وقتها.

في المسارات الشخصية للكُتّاب المعنيين بمسألة الوعي، هناك الكثير من المعاناة التي لا يلحظها الناس، لاسيما على الكاتب ذي الرأي الثقيل على الحاكمين، ومن يأنس في نفسه القدرة على اكتشاف الرزايا والمظالم، على النحو الذي يجعل وعيه الديمقراطي مقياس السرد ومحطته الأخيرة. وتصعب المهمة في حال غياب الوعي السياسي الذي يملأ مساحته الواسعة مفهوم الخلاص الفردي بالتقرب من الحاكمين واسترضائهم والتغاضي عن أفاعيلهم. فليس لدى الانتهازيين بوصلة، فهم مضغوطون بشروط الحياة واحتياجاتها ولو في الحد الأدنى. لذا تراهم أشبه بالسعداء بالتسوية التي تنمو على جنباتها قناعات تعاند كل منطق سوي، وينكرون الفراغ.

ولهذا الفراغ نفسه، تداعياته الكثيرة، التي أنتجت فيما أنتجت العنف الفاقد لأي سياقات قيمية أو إيمانية في كل مجتمع. ومن أحدث الدلالات على هذا التداعي، أفاعيل الإرهابيين من كل دين، الذين يمارسون القتل المجاني للأبرياء، ويتغاضون عن نواهيه الساطعة في أديانهم. فهؤلاء يسهمون بنصيب كبير في تخليق فوضى الحياة، وتمزيق نسيج المجتمع وتعميق الخوف من المجهول.

24