خوليو كورتاثار الكاتب الذي احتل أوروبا دون قتال

الأحد 2014/04/06
الأرجنتين تعلن 2014 عاما خاصا بكاتبها الشهير

على الرغم من أنّه لم تصل إلينا أعمال كثيرة من أعمال الكاتب الأرجنتيني الشهير خوليو كورتاثار إلا أنّ الذي وصلنا، على قلّته، جعل لذلك الكاتب حضورا طاغيا وغريبا لدى قرّاء العربيّة. وجعل اسمه مذكورا كلّما تمّ الحديث عن أدب أميركا اللاتينيّة عموما، أو الأدب الأرجنتيني على وجه الخصوص. ما تمّ اختياره من المترجمين كان موفقا في عرض تقنيات ومهارات كورتاثار في ألعابه الدائمة في القصّ، مثل قصص “كل النيران النار” و”قصص “الأسلحة السرية” وروايتي “لعبة الحجلة” و”الرابحون”. فرواية “لعبة الحجلة”، أو الحجلة كما عنوانها الحقيقيّ في طبعتها الفرنسيّة، ما زالت تدير الرؤوس إليها بشغف، خاصّة أنّها جاءت بترجمة مميّزة من المترجم علي المنوفي أستاذ الأدب الإسبانيّ في جامعة الأزهر، وإلى أثر كورتاثار الذي لا يُمكن أن يُمحى من قماشة الأدب العالمي على مرّ العصور.


الواقعية السحرية


لم تكن مساهمة كورتاثار فرديّة فحسب في لمعان اسمه وحفظه في سجلات المساهمين الكبار في تغيير البحر الذي تطفو عليه، وتبحر فيه، سفينة الأدب العالميّ؛ بل بدت مساهمته “جماعيّة” أيضاً؛ حين ساهم، مع أسماء صار لها وزنها الكبير في عالم الرواية، في تأسيس الظاهرة الأدبيّة المعروفة باسم “البوم”، والتي أحدثت انقلاباً في طرق الكتابة والخيال وحتى في أمزجة القرّاء في كلّ العالم. وهذا ما نعرفه عندما نقرأ مذكرات الكتّاب الجدد، وحواراتهم، من كلّ القارات حول تأثير الواقعيّة السحريّة التي جاءت على يد جنرالات الرواية في أميركا اللاتينيّة.

لم تكن تلك الظاهرة انقلاباً على الكتابة الواقعيّة، والقواعد التقليديّة للكتابة، في أميركا اللاتينيّة وحدها، بل حتّى في كتابة الرواية خاصّة، والأدب بشكل عام، في أوربا نفسها. حيث وجّه كورتاثار، مع كتّاب آخرين مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927) و البيروفي ماريو بارغاس يوسا (1936) والبنمي كارلوس فوينتس (1928 – 2012) والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899 – 1986) وغيرهم، الضربة الفنّية القاضية في وجه الرواية الواقعية والكتابة الواقعيّة، وأطلقوا، بذات اليد، دفقات كبيرة من جنون المخيّلة والأساليب لتجريب كلّ ما هو “سحريّ” وتجريبيّ وذو طابع سياسيّ أيضاً. وصارت تلك الكتابات، التي هاجر أكثرهم مسقط رؤوسهم وسكنوا أماكن مختلفة من أوروبا، مثل “غزو” لاتينيّ سرديّ وأدبيّ يُعاكس الغزو العسكريّ الأوربيّ القديم في احتلال الذائقة والمخيلة ودفع عجلة الكتابة في أوروبا وأماكن أخرى، في احتلال المهرجانات والجوائز والترجمات وقوائم المبيعات..، دون احتلال شبر واحد مسفوك عليه دم حقيقيّ.

مائة عام مرّت إذن على ولادة خوليو فلورينثيو كورتاثار ديسكوتي الذي ولد في 26 أغسطس 1914 في بروكسيل البلجيكيّة. حيث كان والده يعمل في القسم التجاريّ للسفارة الأرجنتينيّة هناك، قبل أن يعود مع عائلته إلى بيونس آيرس في عام 1919 ليدخل كورتاثار المدرسة هناك، ويكمل تعليمه فيها حتى نهاية المرحلة الثانويّة.

وجه كورتاثار، مع ماركيز ويوسا وفوينتس وبورخيس الضربة الفنية القاضية في وجه الرواية الواقعية والكتابة الواقعية، وأطلقوا دفقات كبيرة من جنون المخيلة والأساليب لتجريب كل ما هو سحري


الأرجنتين وفرنسا


الفرنسيّة التي اكتسبها من والديه الأرجنتينيّين وعملهما، وفقر العائلة، ستجعله يعمل معلما لتلك اللغة في المدارس الأرجنتينيّة بدل الذهاب إلى الجامعة. ولكنّه سيقدّم على عدّة منح للدراسة في الخارج؛ لكي يغادر الأرجنتين التي “لا أستطيع الفكاك من محبّتها” كما كان يقول. كان يريد أن يُغادرها كي يراها من مكان مختلف كباريس بشكل أفضل. وعندما أعطته باريس منحة لدراسة اللغة الفرنسيّة فيها في عام 1951، كان ينتظر الخروج من الأرجنتين كي يعثر على اسمه أيضاً؛ فحتى عندما نشر في مسقط رأسه مجموعته الشعريّة الأولى “حضور” في عام 1948، وعمله المسرحيّ، الوحيد خلال حياته، “الملوك” في عام 1949، نشرهما باسم مستعار هو “خوليو دينيس″. بينما في باريس سينشر جميع أعماله باسمه الحقيقيّ وباللغة الأسبانيّة التي أخلص لها وللكتابة بها رغم إتقانه للفرنسيّة، بدءا من مجموعته القصصيّة “كتاب الحيوان” (1951) التي لم تلفت نظر النقّاد والكتّاب إليها حيث أصيب بسبب ذلك بحالة إحباط كبيرة، وصار يفكّر بجدوى بقائه في المنفى مع عدم وجود عمل يحميه من العوز بعد انتهاء المنحة.

عمله في اليونيسكو كمترجم ألصق قدميه أكثر بباريس بعد حصوله على الإقامة الدائمة. ومن جهة أخرى حصل على دهشة النقاد والكتّاب والقرّاء مع إصداره مجموعتيه القصصيّتين “نهاية اللعبة” (1956) و”الأسلحة السرّية” (1959)، وسيشتهر اسمه في فرنسا أيضا إضافة لشهرته في الأرجنتين بسبب هاتين المجموعتين؛ حيث ستجعلان النقاد يشتغلون مندهشين على تيّار جديد وغريب يدخل الكتابة الأدبيّة بأسلحة غريبة تمّ جلبها من الأراضي اللاتينيّة المشبعة بالدماء وبالديكتاتوريّات الدمويّة والأساطير والأرواح والحكايات الموحشة والوحشيّة. وسيبدو الأمر أيضاً بأنّه تمّ فتح أوروبا بتيّار الواقعيّة السحريّة التي بشّر بها وشرحها الكاتب المكسيكي الشهير “خوان رولفو” (1917 – 1986) في روايته الوحيدة والشهيرة “بيدرو بارامو” التي صدرت في عام 1955.

لن يترك كورتاثار الناس ترتاح من دهشتها بعد قراءة مجموعتيه السابقتين من القصص؛ حتى يصدر روايتيه “الجوائز- ترجمت إلى العربيّة بعنوان الرابحون” (1960) و “لعبة الحجلة” (1962). لعبة الحجلة سترسّخ اسمه كأهمّ الروائييّن الغرائبييّن في عالم الرواية. هذه الرواية الضخمة في عدد صفحاتها وفصولها وكمية التقنيات الجديدة التي أدخلها حرّاس الواقعيّة السحريّة في الكتابة، ستتدخّل حتى في طريقة قراءة القارئ لها، كأول رواية يلعب فيها الكاتب بكلّ شيء. بمعنى آخر كانت رواية لعبة الحجلة فسحة ضيّقة أطلق فيها كورتاثار ألعابة الروائيّة الواسعة.

عمله في اليونيسكو كمترجم ألصق قدمي كورتاثار أكثر بباريس بعد حصوله على الإقامة الدائمة واثار دهشة النقاد والكتاب والقراء مع إصداره مجموعتيه القصصيتين 'نهاية اللعبة' و'الأسلحة السرية'


كل النيران


لم يتباطأ كورتاثار بسبب الاحتفاء به في كلّ مكان، بعد ترجمته لكثير من اللغات وتهافت دور النشر عليه؛ بل أكمل مشروعه الغامض دون الالتفات للتنفّس أثناء جلده لمخيّلة القرّاء. وكلّما كانت أصوات المديح تكثر من حوله كان يزداد نشاطه في الكتابة، لأنّ ذلك الضجيج بالضبط كان يشبه ضجيج شخصيّاته التي اعتادت على السكن في الحانات والفنادق الرخيصة، تحت سياط التدخين الكثيف والمشروبات الكحوليّة القاتلة، ليصدر مجموعته القصصيّة “كل النيران النار” (1966) وروايته “62 موديل للتركيب” (1968) ورواية “مانويل” (1973) ثمّ مجموعتين قصصيّتين “أحدهم يمضي هناك وقصص أخرى” (1977) و “نحب غليندا كثيراً” (1980).

خلال هذه الإصدارات الأدبيّة نجد فسحات من الزمن قام كورتاثار بردمها من خلال كتابة ونشر كتب أخرى؛ منها ثلاثة مجلدات نقديّة تحتوي دراسات غنيّة عن عدد من الأدباء، وعوالمهم في الكتابة والسيرة، مثل جون كيتس وإدغار آلان بو، حيث تعتبر ترجمة كورتاثار لأعمال بو من أفضل الترجمات إلى الفرنسيّة لحدّ الآن. وكذلك دراسة عن الالتزام والأدب الملتزم بعنوان “رحلة حول منضدة” (1970)، ودراسة بعنوان “أراضٍ” (1978)، ودراسة بعنوان “نصوص سياسيّة” (1984). إضافة إلى كتب أخرى متنوّعة كخطط لرحلات وانطباعات وآراء؛ مثل كتاب “حول اليوم في ثمانين عالماً” (1967)، وكتاب “الجولة الأخيرة” (1969) و”فانتوماس ضد مصاصي الدماء متعدّدي الجنسيّات: يوتوبيا قابلة للتحقّق” (1975)، و “المدعو لوقا” (1979) و “نيكاراغوا عذبة بعنف شديد” (1983). كما سيصدر كورتاثار بعد هذا مجموعتين شعريّتين، بينما ستصدر مسرحيّات “وداعاً روبنسون ومسرحيّات أخرى” بعد رحيله.


الكتابة ضد سرطان الدم


كان الأمر يبدو، مع تلك الإصدارات، مثل قيامه بتمارين خفيفة وعنيفة لاستعادة لياقة المخيلة على كتابة القصص والروايات، بعد استراحات إجباريّة بسبب المرض أو الإحباط أو الأسفار. ومن جهة أخرى فقد كان كورتاثار محموماً في الكتابة ضد مرضه الغريب بسرطان الدم، وانهياراته المتعدّدة والنزيف الذي كان يضرب كلّ فترة مكانا جديدا. كان مرضه غريبا على جسده؛ حيث كان كورتاثار ينحل ويخفّ وزنه، بينما كان رأسه يزداد حجماً، ربّما بسبب الكورتيزون. وكان حظّ كورتاثار سيّئا أيضا، عندما تطوّر العلم وأصبح بالإمكان معالجة هذا المرض ولكن بدءا من عام 1985، وكان كورتاثار وقتها قد فارق الحياة في الثاني عشر من فبراير من عام 1984 في أحد مشافي باريس، بعد تدهور حالته الصحيّة بسبب مرضه الذي حوّله إلى صقر نحيل بمنقار ضخم.

رغم هذا الرحيل في ذلك العام إلا أنّ كورتاثار لم يغب عن دور النشر والمكتبات؛ فقد نشرت له ثلاث روايات هما “الامتحان” (1986) و “اللهو” (1986) و”يوميّات أندريس فافا” (1995). وفي عام 2009 عثرت أرملته أورورا برنارديث على خمسمئة صفحة غير منشورة في خزانة غرفته الباريسيّة، وكانت تحتوي على إحدى عشرة قصة غير منشورة، وثلاث قصص كانت قد اختفت من كتابه “أحدهم يمضي هناك وقصص أخرى”، وفصلاً غير منشور من روايته “مانويل”!!، وعشر سيناريو حلقات من بطولة شخص اسمه لوكاس. وثلاث عشرة قصيدة، إضافة إلى مقالات في السياسة والرسم والرحلات، وبمناسبة مرور ربع قرن على رحيله قامت دار ألفاغوارا بنشرها بعنوان “أوراق غير مرتقبة”. وكانت هدية كبيرة وغير متوقّعة لقرائه الكثر في جميع أنحاء العالم.

هناك ساحة شهيرة في الأرجنتين تحمل اسم كورتاثار، إضافة إلى المدرسة الثانويّة التي درس فيها. وهناك معجبون كثر يفتقدون قبره الذي بقي في باريس. وهناك الكثير من اللغات التي ستستضيف أدب كورتاثار ومزاجه الغريب في الكتابة. وستذهب إليه مرتاحة عدة جوائز أدبيّة كان آخرها جائزة مديسيس الفرنسيّة في عام 1974. بينما ستغفله جائزة نوبل مراراً وبشكل مستغرب.


احتفال الأرجنتين


خصّصت الأرجنتين عام 2014 عاما للاحتفال بالروائيّ والقاص والمفكّر والمترجم والشاعر والمسرحيّ والسينمائيّ الأرجنتينيّ خوليو كورتاثار. حيث ستبدأ الاحتفالات في بيونس آيرس، وباقي المقاطعات، في شهر أغسطس الذي ولد فيه كاتبها الكبير قبل مائة عام، حيث ستنظّم وزارة الثقافة الأرجنتينيّة الكثير من الفعاليّات التي تشمل معارض فنية وندوات ومحاضرات وعروض أفلام عنه وله ومأخوذة من أعماله. ولن تكون مصادفة أن تستغلّ باريس، موطن كورتاثار الروحيّ، هذه المناسبة وتعلن خلال شهر مارس أنّ الأرجنتين هي ضيفة الشرف في فعاليّاتها الثقافيّة لهذا العام، حيث ستعرض الطبعات الأولى لقصص وروايات كورتاثار التي طبعت هناك، كما ستعرض صوراً لم تنشر له من قبل، ومسودة رواية الحجلة بخط يده مع دليل القارئ في كيفيّة ترتيب فصول الرواية التي احتفل العالم بمرور نصف قرن على نشرها. يستحق أدب كورتاثار الكثير من الاحتفالات والاحتفاء، ولكنّه في ذات الوقت يحتاج للكثير من الدراسات النقديّة كي تبعد الأشجار الكثيفة في كتبه لنعثر على مفاتيح الإبداع الشخصيّة لديه.


إقرأ في العرب أيضاً:



خوليو كورتاثار.. تلك الأصوات التي تغني من بعيد

9