خيارات الحلول السلمية تتقلص وأزمة اليمن تتصاعد

الأربعاء 2015/03/25
مدن الجنوب ترفض انقلاب الحوثيين وتؤيد شرعية هادي

صنعاء – ينغمس المقاتلون الحوثيون وأولئك الموالون للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي في صراع على السلطة، يقول دبلوماسيون إنه قد يشد إليه قوى إقليمية ويدفع نحو التدخل الأجنبي. ووسط حالة الضعف والفقر والانقسام بين زعماء القبائل ظل اليمن لعقود عرضة لتيارات النفوذ الخارجي، وسعت جارته الشمالية السعودية للحفاظ على هدوئه من خلال تمويل الحلفاء وشيوخ القبائل. أما إيران فهي لاعب جديد على الساحة يقول مسؤولون يمنيون ودوليون إنه يدرب ويسلح ويمول الحوثيين، مثلما فعل مع حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، ودعمه للنظام في سوريا.

تشعر المملكة العربية السعودية بالقلق من وجود الحوثيين على حدودها الجبلية الجنوبية. وكانت الجماعة، المدعمومة من إيران، أجرت تدريبات على الحدود السعودية باستخدام أسلحة ثقيلة اقتنصتها من الجيش اليمني. وردا على الاضطرابات الأمنية في اليمن عمدت السعودية إلى التعجيل في أعمال بناء السياج الحدودي العالي التقنية الذي يمتد على طول حوالي 2000 كلم من البحر الأحمر غربا إلى عُمان شرقا. وكانت المديرية العامة لحرس الحدود السعودي، قد كشفت عن توسيع المنطقة العازلة أو ما يطلق عليه “الحرم الحدودي” على حدودها الجنوبية، التي تربطها مع اليمن، بمسافة عشرة كيلومترات إضافية ليصبح 20 كيلومترا حاليا، يحظر تجاوزها.

الأمور تتجه إلى وضع معقد وخيارات الحلول السلمية تضيق واليمن مقبل على أيام صعبة على أرض الميدان

ويرى الخبراء في الاستنفار العسكري على الحدود السعودية اليمنية، وتوجيه وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان بالبدء الفوري بإنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر، رسالة إلى الحوثيين، وداعميهم، بأن الرياض متأهّبة للرد على أي طلب مساعدة يرد من السلطات اليمنية الممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي، الذي يخوض مواجهة ضد الحوثيين.

وقد جاء ذلك خلال زيارة قام بها الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، إلى وحدات الجيش السعودي المرابطة في مدينة جازان الساحلية المجاورة للحدود اليمنية.

وفتحت هذه الزيارة، إلى جانب دعوة وزير الخارجية اليمني رياض ياسين دول الخليج العربي إلى التدخل عسكريا في اليمن الباب أمام الحديث عن إمكانية تدخّل قوات درع الجزيرة الخليجية، وهو أمر ولئن لم يؤكّده وكيل وزارة الخارجية الكويتي السفير خالد الجارالله إلا أنه شدّد على “أن اليمن يمثل الخاصرة الأمنية لدول الخليج”.

جمال بنعمر: من الخطأ الاعتقاد أن بإمكان الحوثيين السيطرة على كل اليمن
ويمثل اليمن عمقا استراتيجيا لدول الخليج يجعل منه عاملا مهما لأمن واستقرار المنطقة، ومن ثم لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحالفات إقليمية، وتهديدات مستمرة. وهذا كاف، بالنسبة للمحلل اليمني، نشوان العثماني، بأن يفسح المجال لتدخّل القوات الخليجية. وقال العثماني، في تصريح صحفي لوكالة “دوتشي فيلله” الألمانية، إن “التحذيرات والأخبار الواردة عن تدخل محتمل لدرع الجزيرة الخليجي قد تقلب الأوراق السياسية، كما تعد مؤشرا واضحا لتغيير محتمل هناك”.

وتدعم دول الخليج العربية التي يقودها السنة الرئيس عبدربه منصور هادي الذي تعرضت قواته في الآونة الأخيرة لانتكاسات أمام الحوثيين المدعومين من إيران والذين يقتربون من قاعدته في مدينة عدن الجنوبية قادمين من الشمال.

وقال المحلل السياسي منصور صالح، في تصريح للـ “العرب”، حول تداعيات التحرك العسكري الحوثي في جنوب اليمن إن الأمور تتجه إلى وضع معقد وخيارات الحلول السلمية تضيق واليمن، وأولها الجنوب، مقبل على أيام صعبة على أرض الميدان”.

وأضاف صالح “في كل الأحوال وحتى وإن استطاع الحوثيون الوصول إلى عدن فإن الأمور لن تستقر لهم أبدا، خاصة وأن مؤشرات الصراع الطائفي حاضرة بشدة”.

ولم يستبعد المحلل السياسي دخول الحوثيين إلى مدينة عدن، وفق الحسابات العسكرية، “مالم يكن هناك موقف دولي وعربي وخليجي يوقف دخولها”.
الطائفية والانفصالية والقاعدة والفقر تخنق اليمن
صنعاء – يهدّد الصراع الدائر بين جماعة أنصار الله الشيعية، التي تتخذ من الشمال مقرا لها، وبين مؤيدي الرئيس هادي، ومعظمهم من السنة في الجنوب، بتقويض ما تبقى من دولة يمنية أنهكتها سنوات من الفساد وسوء الإدارة وسلسلة من المنازعات.

ومع إصرار الحوثيين على التقدّم نحو الجنوب، ووصولهم إلى تخوم مدينة تعز، وتمركزهم على بعد خطوات من مضيق باب المندب، وزحفهم نحو عدن، التي أصبحت العاصمة المؤقتة للرئيس عبدربه منصور هادي، بدأت دوامة الحرب في اليمن تأخذ طابعا خطيرا من أهم أخطاره وتداعيتها:

* اندلاع حرب طائفية: المراقب لمجرى الأحداث المتسارعة باليمن، يجد أن السيناريو الأقرب قد يكون حربا مذهبية، خاصة وأن تركيبة السكان تتشكل من عنصري السنة والشيعة. والمذهب الزيدي الشيعي هو المذهب السائد في المناطق الشمالية في حين تمثل المدرسة الشافعية السنية مذهب الغالبية في الجنوب والشرق. لكن ظلت السكينة سمة التعايش بينهما على مدى قرون.

وينتمي الحوثيون للطائفة الزيدية ويقولون إنهم لا يحملون أجندة طائفية. وهم يصفون سيطرتهم على معظم أنحاء البلاد بأنها “ثورة تمثل كل أبناء اليمن”.

لكن الأحزاب السنية والقبائل ترفض هذا. وانضم متشددون من تنظيم القاعدة السني إلى قبليين معارضين للحوثيين خلال قتال دام شهور وأثارت تفجيرات انتحارية هزت مسجدين يصلي فيهما الحوثيون يوم الجمعة الماضي، وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عنهما خطر نشوب حرب طائفية.

* تهديد الملاحة البحرية: بعث خطر الحرب الخوف على أمن إمدادات النفط المارة بمضيق باب المندب الذي يعد بوابة حيوية لعبور موارد الطاقة إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

وعبرت المضيق أكثر من 3.4 مليون برميل من النفط يوميا عام 2013، وفق بيانات الإدارة الأميركية لمعلومات الطاقة. وإغلاق المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب قد يعوق الناقلات القادمة من الخليج عن الوصول لقناة السويس أو خط أنابيب سوميد مما يجعلها تلف حول رأس الرجاء الصالح. وتقول مصر إنها لن تتخذ موقف المتفرج إن تعرضت مصالحها للخطر.

* تصاعد النزعة الانفصالية: يقول الانفصاليون في الجنوب إن أهل الشمال الذين يتخذون من صنعاء مقرا للإدارة فاضلوا بين أبناء الشمال والجنوب واغتصبوا مواردهم منذ وحدة شطري اليمن عام 1990. ورغم أن هادي قاد المجهود الحربي الشمالي في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب عام 1994، فقد لقي ترحيبا في عدن منذ فر من العاصمة الشهر الماضي. ويبذل الحراك الجنوبي جهودا مضنية لنشر قضيته وتعهدت بعض فصائله المسلحة بمبايعة هادي -وهو جنوبي المولد- أملا في أن يحقق حلمهم في استقلال الجنوب.

* نشاط القاعدة بالجنوب: يعتبر اليمن مقر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهو أحد أكثر فروع التنظيم طموحا.

وعلى مدى سنوات نفد التنظيم هجمات بالقنابل والأسلحة النارية استهدفت الدولة اليمنية وخطط لنسف طائرات ركاب متجهة للولايات المتحدة وأعلن مسؤوليته عن هجوم على مجلة شارلي إيبدو في باريس أودى بحياة 12 شخصا في يناير.

واستولى التنظيم على أجزاء نائية بالجنوب والشرق ويتأهب لاقتناص أي فرصة قد تلوح إذا استمر الانشقاق داخل الجيش اليمني ووهنت حملته العسكرية على التنظيم.

* الأزمة الإنسانية: ما من شك في أن ضعف الحكومة المركزية سيفاقم الفقر المزمن ونقص التنمية باليمن.

وتقول مصادر يمنية وغربية إن السعودية أوقفت معظم مساعداتها المالية لليمن خشية أن يستولي الحوثيون عليها.

وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة إلى أن القتال في اليمن تسبب في نزوح مؤقت لنحو 100 ألف شخص في العام الماضي، لكن المنظمة الدولية قالت في فبراير إن انعدام الأمن في الآونة الأخيرة لم يتسبب بعد في توقف عمليات الإغاثة.

ولا يزال الجوع والفساد ونقص الخدمات الأساسية والماء والبنية الأساسية مشاكل ضخمة، ويجد أكثر من ربع مليون لاجئ سابق معظمهم صوماليون صعوبة بالغة في العيش في اليمن.

وحاجة الرئيس هادي الملحّة للدعم العسكري الخارجي، مردّها، وفق الخبراء، الصعوبات التي تواجهها القوات الموالية له في تنظيم صفوفها وتجنيد متطوعين، بمواجهة التعبئة التي أعلنتها الميليشيات الحوثية وقوات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح للسيطرة على جنوب اليمن.

وأطلق الرئيس عبدربه منصور هادي حملة لتجنيد 20 ألف عسكري من أجل تعزيز جيشه الضعيف. وتؤكد الأرقام وجود “عدة آلاف من المجندين” الذين تم تسجيلهم، لكن تبقى هناك عملية تدريبهم وتسليحهم وانضباطهم كما أعلن أحد المقربين من هادي. ولا يطفئ بطء الإجراءات حماسة المرشحين الذين ما إن يتم تسجيلهم حتى ينتشرون في الشوارع، مؤكدين عزمهم “سلخ جلد الحوثيين” الذين تدعمهم إيران.

الدعم القبلي

إلى جانب الدعم الخليجي والشعبي، يعتمد الرئيس اليمني بشكل كبير على دعم قبائل من الجنوب ومناطق أخرى رافضة لتمدّد الحوثيين. ويعتبر الدعم القبلي ركيزة أساسية في اليمن. ويتوقّع الخبراء أن يكون دور القبائل حاسما في الصراع القادم، شرط أن ينجح هادي في ضمان ولائهم.

وبإمكان الرئيس اليمني الاتكال على وزير دفاعه محمود الصبيحي، الذي يتمتع بسمعة جيدة كضابط، وعلى اللجان الشعبية المتعاونة مع ما بقي مواليا له من الجيش، وتبدو متحفزة ومستعدة وراء قائدها عبداللطيف السيد. لكن موفد الأمم المتحدة جمال بنعمر يقول “سيكون من الخطأ الاعتقاد أن هادي قادر على تعبئة ما يكفي من القوات لتحرير البلاد”. ويضيف “كما سيكون من الخطأ أيضا الاعتقاد أن بإمكان الحوثيين شن هجوم للسيطرة على كل البلاد”. وبالتالي، يدعو بنعمر إلى حل سياسي لكن الأحداث على أرض الواقع تؤكّد أن الحرب تقرع طبولها في اليمن، بل وبدأت فعلا، فاتحة الباب أما مصير، مازال مجهولا بالنسبة إلى بعض المحللين، فيما يتوقّع محللون آخرون أن يكون التقسيم أو الصوملة هو مآل الوضع في اليمن.

من ذلك، ما يذهب إليه الباحث في المركز العربي للبحوث والدراسات، إبراهيم المنشاوي، بأنه من السيناريوهات المستقبلية للأزمة اليمنية يمكن الحديث عن “التقسيم”، وهو السيناريو الذي يطرح نفسه بقوة في ظل عدم القدرة على التوصل لحلول ترضي جميع الأطراف في اليمن، وتداخل الأبعاد الإقليمية والدولية في الأزمة، خاصة السعودية وإيران، حيث لن تقبل السعودية ومصر ودول المنطقة، ذات الأغلبية السنيّة، والموالية للسعودية، بقيام دولة يقودها الحوثيون على حدودها.

في الوقت نفسه لن تقبل فيه إيران بفقدان نفوذها في اليمن، هذا فضلا عن هشاشة الدولة اليمنية، حيث أصبحت مؤشرات الدولة الفاشلة تطل برأسها في اليمن في ظل سيطرة الحوثيين وتصاعد أخطار تنظيم القاعدة هناك، وفشل المبعوث الأممي بنعمر في التوصل لمبادرة لحل الأزمة المتصاعدة في صنعاء، وانهيار الجيش اليمني.

بين التقسيم والصوملة

يرى مراقبون أن التقدم السريع للقوات الحوثية، لم يكن ليحصل دون تحالف مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، والذي تدين له النسبة الأكبر من الجيش اليمني بالولاء.

السيناريو الثاني الذي تتوقّع دراسة إبراهيم المنشاوي أن يحصل في اليمن، هو التوجّه نحو الصوملة؛ فقد تنتج حالة عدم الاستقرار في اليمن حالة من الفوضى العارمة في البلاد، والتي من الممكن أن تقود إلى حرب أهلية مغلفة بصراع طائفي لن ينتهي، يتخللها غياب الدولة ومؤسساتها من خلال بروز حالة اللادولة في صنعاء، وعدم قدرة أي طرف على السيطرة على الأوضاع مع زيادة كثافة العمليات الإرهابية وانتشار السلاح والجماعات المسلحة في كل ربوع الدولة، مع انهيار المؤسسة العسكرية اليمنية، وتصاعد الرفض الشعبي لتمدّد الحوثيين.

ورغم الحشودات العسكرية المتواصلة لأنصار الله والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، والتي تتحين ساعة الصفر للهجوم على عدن وبقية المحافظات اليمنية الجنوبية، يستبعد نشوان العثماني أن تنتشر الحرب في “شمال وجنوب البلاد”، بالرغم من تمركز الرئيس الحالي في المحافظات الجنوبية. ويبرر العثماني قوله بأنه “رغم مساندة المحافظات الجنوبية للرئيس هادي، حيث ينحدر منها أيضا إلا أن محافظات شمالية مثل تعز ومأرب والبيضاء ترفض الحوثيين ، وهو ما يبرهن على وجود رفض لدى الشماليين والجنوبيين بشأن سيطرة الحوثيين، الأمر الذي قد يدفع بهم إلى تصعيد يقابله تصعيد من التنظيمات الجهادية، مقابل تصعيد آخر على المستوى الإقليمي والدولي.

تفاصيل أخرى:

مثلث العنف يضع اليمن على طريق الحرب الأهلية

7