خيارات بوتين الخارجية محدودة إذا فشل الرهان على ترامب

خيارات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتغيير إستراتيجيته والاعتماد بدرجة أقل على نظيره الأميركي دونالد ترامب تبدو محدودة للغاية وهو يستعد لبدء فترة ولاية جديدة.
الجمعة 2018/04/06
مخارج الطوارئ محدودة

موسكو- ظلت روسيا لفترة طويلة تعتبر دونالد ترامب الورقة الرابحة في استراتيجيتها لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. إلا أن موسكو أصبحت توشك على اعتباره جذوة انطفأت نارها بعد مرور 14 شهرا على توليه منصب الرئيس الأميركي، وذلك لعجزه عن تحقيق ما وعد به من تحسين للعلاقات.

وكان ترامب أقرّ على مضض عقوبات جديدة على موسكو في الصيف الماضي بسبب اتهامات بتدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وفي الأسبوع الماضي أيد طرد 60 دبلوماسيا روسيا وإغلاق القنصلية الروسية في سياتل بسبب تسميم جاسوس روسي سابق في بريطانيا.

 

تعيش العلاقات الروسية الغربية تدهورا غير مسبوق أشبه بنذر حرب باردة جديدة بإجماع مراقبين من الجانبين بعد حادثة تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال في بريطانيا مؤخرا والتي قادت إلى تعرض روسيا لأكبر عقاب دبلوماسي في التاريخ بطرد عدد كبير من الدبلوماسيين الروس من عدة دول غربية. ولم ينجح رهان موسكو على الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحسين علاقات متدهورة مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين

وبعد الرهان على ترامب هوت العلاقات بين روسيا والغرب إلى أدنى مستوياتها حتى أن الحديث عن حرب باردة جديدة بدأ يتردد. وأصبحت الخيارات أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتغيير استراتيجيته والاعتماد بدرجة أقل على ترامب وقدرته على التأثير في آراء من حوله إزاء روسيا محدودة للغاية وهو يستعد لبدء فترة ولاية جديدة.

من هذه الخيارات القليلة محاولة توسيع الانقسامات في صفوف الغرب باستمالة فرنسا وألمانيا أو التقارب مع الصين والهند. غير أن موسكو ما زالت ترى العلاقة مع واشنطن علاقة محورية في السياسة الخارجية الروسية.

وقال سيرجي نارشكين رئيس المخابرات الخارجية الروسية الأربعاء إن “واشنطن أصبحت تركز فقط على محاربة خطر روسي مزعوم لا وجود له”. وأضاف “وبلغ ذلك أبعادا واكتسب خاصيات منافية للعقل حتى أصبح من الممكن الحديث عن عودة أيام الحرب الباردة السوداء”.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع قال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي إن “الوضع الحالي أسوأ مما كان عليه خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الثانية”. وأضاف “آنذاك تم الحفاظ على بعض القواعد والمظاهر. أما الآن فشركاؤنا الغربيون كما أرى الأمر … ضربوا بكل الأصول عرض الحائط”.

وشهدت الحرب الباردة وقوف الاتحاد السوفيتي في مواجهة الولايات المتحدة وظل شبح الحرب النووية مخيما على العالم حتى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. لكن تلك المواجهة ظلت محكومة بمعاهدات الحد من التسلح والقمم بين قادة القوتين العظميين وقواعد الاشتباك غير الرسمية.

أما المواجهة الجديدة التي يصعب التنبؤ بتحولاتها فقد شبهها كونستانتين كوساتشيف رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي بأنها “حرب بلا قواعد”. ويقول كوساتشيف إن “خطر حدوث خطأ في الاتصالات أو الحسابات أو تحول الموقف فجأة إلى حرب ساخنة أكبر مما كان عليه خلال الحرب الباردة الأصلية”.

تعيين الصقور

يقول محللون وأفراد على صلة وثيقة بأصحاب القرار في روسيا إن قرار ترامب تعيين مايك بومبيو وجون بولتون، اللذين تعتبرهما موسكو من أكثر الصقور تشددا تجاه روسيا، في منصبين رفيعين في رسم السياسة الخارجية الشهر الماضي أثار الاستياء في موسكو.

وتقول هذه المصادر إن موسكو في ما يتعلق بالولايات المتحدة غير مستعدة لتغيير مسارها أو تقديم تنازلات أو إطلاق مبادرات جديدة. ويشير المقربون من أصحاب القرار إلى أن روسيا ستستمر في التواصل إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لذلك لكنها سترد بالمثل إذا واجهت المزيد من التصرفات العدائية مثل طرد المزيد من الدبلوماسيين.

وقال أندريه كورتونوف الذي يرأس مركز أبحاث تربطه صلة وثيقة بوزارة الخارجية الروسية “كل ما بوسعنا أن نفعله هو إبقاء الأبواب مفتوحة أمام التفاوض والتريث لنرى ما سيحدث. هذه هي وجهة النظر السائدة”.

وتبقي موسكو بصفة خاصة الباب مفتوحا أمام قمة محتملة بين ترامب وبوتين كان ترامب قد اقترحها، كما أنها تحرص على إجراء محادثات أميركية روسية حول تحقيق الاستقرار الاستراتيجي النووي لتفادي سباق تسلح باهظ التكلفة. لكن أسوأ السيناريوهات يتمثل في سقوط العلاقات في دوامة لا قرار لها.

وقال فيودور لوكيانوف خبير السياسة الخارجية المقرب من الكرملين في صحيفة روسيسكايا جازيتا بعد قرارات طرد الدبلوماسيين الأميركيين “واشنطن هي التي ترفع لواء حرب باردة جديدة”.

وأضاف لوكيانوف الذي نبه النخبة الروسية إلى ضرورة التأهب لعقوبات مالية شاملة على غرار العقوبات على إيران “لا طائل من وراء الأمل في تحسن العلاقات أو حدوث أي تقدم في أي مجال في المستقبل المنظور”.

موسكو تتطلع إلى الشرق

سيرجي نارشكين: واشنطن أصبحت تركز فقط على محاربة خطر روسي مزعوم لا وجود له
سيرجي نارشكين: واشنطن أصبحت تركز فقط على محاربة خطر روسي مزعوم لا وجود له

قال كورتونوف رغم أن تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة يعتبر احتمالا بعيدا فإن تحسين العلاقات مع فرنسا وألمانيا يعتبر محققا “لفرص أهم للاستثمار السياسي”. وقد أشاد ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين بـ“الموقف البناء” الذي اتخذته فرنسا بعد أن أكدت باريس أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيزور روسيا في مايو رغم التوترات مع الغرب.

وأثنى أليكسي بوشكوف عضو مجلس الاتحاد المتخصص في السياسة الخارجية على قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعم خط أنابيب الغاز الروسي المقترح نورد ستريم 2.

وسيربط هذا الخط بين ألمانيا وروسيا رغم المخاوف من دول أخرى من أعضاء الاتحاد الأوروبي تخشى أن يضر بأمن الطاقة في الاتحاد. وقال لوكيانوف إن “على موسكو أن تعمد إلى تدعيم علاقاتها مع بكين ودلهي لأن لهما حرية المناورة على المسرح العالمي وليستا عرضة للتأثر بالضغوط الغربية على روسيا”.

وتعتقد موسكو أن الورقة الرابحة الوحيدة التي تملكها إزاء واشنطن هي ترامب الذي بدا في عيون الروس يمارس لعبة تقسيم الأدوار فيطلق لروسيا بصيصا من الأمل في الوقت الذي يتشدد فيه الكونغرس وإدارته مع موسكو.

وترى روسيا أن ترامب رهين المؤسسة السياسية الأميركية التي تتهمها بتقليص المساحة التي يمكنه المناورة فيها بالتركيز على التحقيق الخاص في إمكانية تواطؤ مستشاريه مع موسكو، وتقول روسيا بشأن تدخلها في السياسة الأميركية إنها اتهامات زائفة.

وقد تشعر روسيا بخيبة الأمل في رهانها على ترامب على مراحل؛ فقد استقبلت موسكو بالاستياء قراره شن هجوم صاروخي على قاعدة جوية سورية وإسقاط قنبلة ضخمة في أفغانستان في هجوم على متشددين إسلاميين والتمسك بسياسات ترجع إلى عهد الرئيس باراك أوباما بسبب ضم موسكو لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا وتشدد التصريحات حتى وقت قريب في ما يتعلق بكوريا الشمالية.

وبدأت الفرحة الأولية بفوزه في الانتخابات تتبدد ليحل محلها شعور الحيرة حين قرر الرجل الذي يأمل الروس أن يضع نهاية للعقوبات الأميركية إعادة فرض العقوبات مرغما. وكان قراره تأييد طرد 60 دبلوماسيا روسيا بسبب قضية تسميم الجاسوس الروسي نقطة متدنية جديدة.

وقال ديمتري ترينين الضابط السابق برتبة كولونيل في الجيش الروسي ومدير مركز كارنيجي موسكو عن هذا القرار “على نحو متزايد تقل أهمية الدبلوماسية في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة”. وأضاف “يبدو أن الوقت هو وقت الضرب والرد والإعداد لمعركة”.

واعتبرت صحيفة إلكترونية روسية تعد مقربة من إدارة الرئاسة الروسية موافقة ترامب على قرارات الطرد فألا سيئا لعلاقته مع بوتين. وتلقت موسكو بصيصا من الأمل من مكالمة ترامب الهاتفية التي هنأ فيها بوتين على إعادة انتخابه وما ردده عن قمة بين الجانبين في المكالمة ذاتها وبيانه الذي صدر يوم الثلاثاء وقال فيه إنه سيكون “شيئا عظيما” إذا ربطته “علاقة جيدة جدا” ببوتين.

وقال كورتونوف “من الناحية النظرية يمكن للمرء أن يتخيل أنه إذا استطاع الرئيس ترامب بطريقة ما أن يخلص نفسه من مزاعم التواطؤ مع روسيا … فربما يخرج من القفص ويمارس القليل من الحكم الذاتي في إعادة بناء تلك العلاقة”. وأضاف “لكن (إمكانية تحقق) هذه الآمال ضئيلة جدا”.

6