خيارات تقاعسية ومصائر غامضة

الأحد 2016/06/19
وعي زائف

لا تؤولُ المجتمعات والشعوب والأمم إلى مصائر مأساوية بسبب استسلامها لواقع مأساوي قائم أعجزها فقرها وجهلها وضعفها وضيق وسائلها عن مقاومته والسَّعي الجمعي إلى تغييره، فحسب، وإنَّما أيضاً، وربما قبل ذلك وأثناءه وبعده، بسبب اعتناقها، في ظلِّ التَّمدُّد الطاغي لثالوث الفقر والجهل والمرض والرُّسوخ الأشدُّ طغياناً لأنماط متنوِّعة من أنماط الوعي الزائف، معتقدات خُرافيَّة أو دينيَّة مُصْطَنعَة أو مُسيَّسة أو مؤدلجة، فلا تتوخَّى شيئاً سوى تغطية ذاك الواقع بغية تأبيده، ولا تنتج شيئاً سوى الخضوع الرَّاضي لما يُفرزه من مظالم تحت وطأة الإيمان الأعمى بعقيدة “المُخلِّص المُنتظر” التي تلقي بمعتنقيها في أقبية انتظار عبثيٍّ مهيض، وتحملهم على الإمعان في انتظار ذلك “المُخَلِّص الموعود” الذي سيأتيهم، ذات زمن غير مرقوم، محمَّلاً بأقدار مرقومةٍ، منذُ الأزل، في كتابٍ أزليٍّ مرقوم!

قد يهبطُ هذا المُخلِّصُ، مُحملاً بتلك الأقدار الخفيَّة المتعالية، من “أعالي السَّماء” على متون “أطباقٍ طائرةٍ” ذات أجنحة رفرافة، أو قد يصعدُ من “جوف الأرض” محمولاً على مُتونِ “أطباقٍ طائرةٍ” ذات أجنحة رفرافة أيضاً، لتقرِّر لهذه الجماعات والشُّعوب والأمم مصائرَهَا، وتُبدِّل أحوالها القائمة بما هو خيرٌ منها وأبقى!

ومن الطبيعي، في ظلِّ واقع مُغطَّى بمنظومات قيم استهلاكية فجَّة، وبأيديولوجيات ظلامية عمياء، أنْ تواصل هذه الجماعات والشُّعوب والأمم الإمعان في دياميس الجهل وغيبة الوعي المفضية إلى متاهات البلاهة وفقدان الرؤية التي تُحوِّل “الأوطان” إلى “مزارع” يركن قاطنوها من “الكائنات الاستهلاكيَّة” إلى تسليم الرِّقاب الذي لم يعلف ويُسمِّن ويُغني من جوع، وذلك بالرُّكون إلى الخيار التَّقاعسيِّ، اللإنسانيِّ، الأوَّل، ألا وهو اقتراف حماقة تسليم مفاتيح المصائر إلى أقدارٍ تُحدِّدها حسب مشيئتها، أو تُقرِّرها نيابةً عنهم، أو بمعزلٍ تامٍّ عنهم وعلى نحو يُنكرُ وجودهم الذي يؤسِّسُ وعيَهم الزَّائف تنكُّرُهم هُم بأنفسهم، لهُ، قوىً غيبيَّةً هي، كما قد أكَّدَ التاريخ الحيُّ ووقائع الحياة وتجارب النَّاس على مدى الأزمنة، لا تملك تحديد أيِّ شيء، أو تقرير أيِّ مآلٍ، أو اجتراح أيِّ مصير.

وفي واقع الحال، فإنَّ أيديولوجيات تسليم الأقدار إلى قوى غيِّبية غامضة لا تتأسَّس على شيء، ولا تنتجُ شيئاً، سوى تسويغ إدمانَ الخضوع إلى واقعٍ عَتيٍّ يُحيل الإنسان إلى محض كائنٍ استهلاكيٍّ أجوفَ، أو قناعٍ أَصَمّ وأعمى!

وفي واقع الحال، فإن أيديولوجيات تسليم الأقدار إلى قوى غيِّبية غامضة لا تتأسس على شيء، ولا تنتج شيئاً، سوى تسويغ إدمان الخضوع إلى واقع عتيٍّ يحيل الإنسان إلى محض كائن استهلاكيٍّ أجوف، أو قناع أصم وأعمى!

أما الخيار التَّقاعسيِّ الثاني، فيتمثَّل في الإذعان إلى إملاءات قُوَّةٍ واقعيَّةٍ خارجيةٍ، دوليَّةٍ أو إقليميَّةٍ، غازيةٍ أو مُسْتَعْمِرةٍ أو ذاتِ مَصَالحَ ومَطَامِعَ، أو إلى حُكم قوَّة محلِّية مُستبدَّة استمرأت القبض على زمائم الأمور ومصائر النَّاس، وسواء في ذلك أكان هذا الإذعان إلى أيٍّ منهما على انفرادٍ، أو إليهما معاً عبر تواطؤ مشترك بينهما، أو ربما بمشاركة قوى أخرى؛ من قبيل قوى محلِّيةٍ مسكونةٍ بمظلمةٍ تاريخيَّةٍ وتُريد ردَّ اعتبارٍ يُحقق لها قدراً من العدلِ يُساعدها على التَّعافي منها، أو ذات تطلُّعاتٍ عرقية أو إثنيَّة أو قوميَّة أو طائفيَّة أو مذهبيّة، أو ذات مصالح من أيِّ نوعٍ تريدُ تحقيقها، فتجعل من نفسها رهينة وعودٍ زائفةٍ تبذلها لها، بسخاءٍ لافت، قوى قادرةً وذات هيمنة طاغيةٍ ونفوذ، فتكبِّلُ بهذه الوعود أعناقها لتجعل منها مِطيةً تركبها حتى تحقق غاياتها، ثُمَّ هي تُرخي عِقَالها لِتَرحلَ بعيداً عنها، بلا وفاءٍ بوعدٍ يُديمُ الطَّوقَ حولَّ عُنُقِهَا، أو غنائم تحملها على ظهورها، أو حتَّى زوَّادة طريق، صوب مصيرٍ غامضٍ، وبلا أدوار سوداءَ تُبْذلُ وعودٌ كي تُحفِّز!

وقد يتوسَّعُ الأمرُ، في نطاق هذا الخيار، إلى بناء تحالفات مصالح استراتيجية الطابع، أو وقتيَّة الطابع، بين قوى خارجيَّة دوليَّة وإقليميَّة، أو حتَّى محلِّية، بغية الحيلولة دون وقوع أيّ تصارع فيما بينها يحتمه تضارب المصالح، وذلك عبر إدماجها، وفق موازين القوى وشبكات العلاقات التي تنسجُ المصالح المتبادلةُ والقواسم المشتركة، من أيّ نوع ولون، خيوطها مُحَدِّدةً طبيعتها، ضمن ائتلافات أو أحلاف تُنْشَأُ برويَّةٍ لتكون دائمة وذات مهمات استراتيجية طويلة المدى، أو تُنْشَأُ على عجلٍ لتكونَ وقتيَّةٍ يتمُّ تفكيكها فور انتفاء الأغراض التي أُنْشِئَتْ من أجلها!

ناقد من فلسطين مقيم في براتشسلافا

11