خيارات واشنطن تتراجع تدريجيا كلما فقد الاخوان قدرتهم على التأثير

لا تلقي عودة المحافظين الجدد بظلالها على الساحة السياسية الأميركية فقط، بل وربما بمستوى أكبر على منطقة الشرق الأوسط، حيث يعرف المحافظون بسياستهم العسكرية التي تسببت في كوارث في المنطقة، وخصوصا حرب العراق، التي نظّروا لها وأحكموا الترويج لها لتكون بداية الخيط الذي سيقود نحو انفجار المنطقة بأكملها. ولم تكن، أحداث الربيع العربي، كما يكشف الباحث المصري، في كتابه الصادر حديثا، بعنوان “اختطاف الثورة” بمنأى عن هذه الخطط التدميرية.
الاثنين 2015/08/31
الولايات المتحدة الأميركية والإخوان المسلمون يجمعهما تاريخ طويل من التآمر

يتواصل الجدل حول ثورة 25 يناير 2011 على مدار الأعوام التي أعقبتها ولا يزال يتواصل، هل كانت ثورة حقيقية أم مؤامرة أم صناعة أميركية؟ إلخ، وتلحق بها في ذات التصنيف بقية الثورات في دول عربية أخرى، كان الغرب أول من أطلق عليها انتفاضات الربيع العربي.

وتجاوزت الشكوك حول تلك الثورات حدود النظرة التي ملؤها الريبة من البعض تجاه البعض، إلى أن أصبح منهم من يكاد يشك في نفسه، على حد تعبير الكاتب والصحفي عاطف الغمري في كتابه “اختطاف الثورة.. وثائق المؤامرة من 25 يناير إلى 30 يونيو”، الصادر مؤخرا عن مركز الأهرام للنشر.

صورة ما جرى في مصر، وغيرها من دول الربيع العربي، رسمت بخطوط شديدة التعقيد. وقد اعتمد عاطف الغمري على مراجع ومصادر أميركية وغربية متعددة لها وزنها وتخصصها في مجال الحصول على معلومات موثقة وتحليلها، لتفكيك الخيوط التي تشابكت وتعقدت وكونت لاحقا السؤال المحير: ما هي حقيقة ما جرى في 25 يناير 2011؟

لم يعد خافيا، كما جاء في كتاب الغمري وفي بحوث ودراسات ومؤلفات لخبراء ومتخصصين، وكما تأكد على أرض الواقع، في عدة مناسبات وأحداث وتصريحات، تفاصيل تمكين الإخوان من الحكم، تطبيقا للخطة الأميركية، لاختطاف الثورة في مصر وغيرها من الانتفاضات الشعبية العربية.

يكشف الغمري بعضا من تفاصيل المؤامرة الأميركية الإخوانية قائلا: “الولايات المتحدة كانت قد وضعت بالفعل خططا لتغيير الأنظمة في الدول العربية والترتيب لوصول حكام إلى السلطة ترضى عنهم. ورسمت خططا تمهد لزعزعة الأوضاع تدريجيا لبلوغ لحظة السقوط. وتجنبا لظهور يد أميركية في صناعة المشهد، تفاهمت واشنطن مع جماعات وأفراد يلعبون دور الوكلاء لها.

أقطاب حركة المحافظين الجدد هم واضعو خطط التغيير في المجتمعات العربية ومطلقو مبادرة التنسيق مع الإخوان

كانت أبرز صور تحريك الأحداث الدعوة إلى الخروج في مظاهرات احتجاجية في 25 يناير 2011. ربما قد تكون قلة محدودة من الوكلاء الذين جهزتهم الولايات المتحدة، شاركت في المظاهرات الأولى لثورة 25 يناير، لكن المؤكد أن أغلب من أطلقوا هذه الدعوة من مظاهرات احتجاجية دفعتهم مشاعر وطنية خالصة، وهم من الشباب الرافض لحكم استبدادي بلغ به الشطط إلى حد الإعداد لمشروع التوريث للابن واستمرارية نفس النظم بممارساته المنزوعة عنها أي قدرة على النهوض بالبلاد وحل مشاكلها المتراكمة، وما تسببت فيه من تدهور الحالة المعيشية وانهيار كامل في منظومة إدارة الدولة والإساءة لكرامة الإنسان المصري”.

إلى حدود سقوط النظام، لم يختلف اثنان على شعبية الثورة في مصر، وغيرها من الدول، ولم يتوقع الأميركيون الذين خططوا للانقلاب على حلفائهم، كما يقول الغمري، “أن تصل الاستجابة لدعوة التظاهر في هذا اليوم إلى إشعال ثورة، لأن خروج أكثر من 20 مليونا من مختلف الطبقات في كافة مدن وقرى مصر، حول المظاهرة إلى ثورة شعب متكاملة الأركان تجسدت هويتها في توافق مبهر في الـ 18 يوما الأولى حول معاني وحدة جمع المصريين بلا أي تنازع بين هويات أو أيديولوجيات أو مطامع تمزق نسيج هذا التوافق الوطني الفريد، وهذا التوافق صنع كما يقول هنري كيسنجر ‘مأزق أميركا’ الذي وضعها بين نقيضين: إظهار ترحيبها بحدث جماهيري لشعب يطالب بالديمقراطية وحقه في الحياة الكريمة وخوفها من احتمالات مجيء نظام حكم يتبع سياسات ليست على هوى المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ومن ثم فإن عليها، كما أوصى كيسنجر، البحث عن وسيلة للخروج من هذا المأزق، وهذا هو نفسه ما وصفه باحثون أميركيون بالصدمة الأولى التي لطمت الولايات المتحدة وجعلتها تشعر بالقلق من انتقال السلطة إلى نظام يكون تجسيدا حقيقيا للصورة التوافقية الوطنية التي ظهرت في ميدان التحرير”.

عودة المحافظين الجدد

يأتي صدور كتاب عاطف الغمري، في خضم الحديث عن العودة القوية للمحافظين الجدد، في الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية 2016، بعد أن ساد الاعتقاد بأن خطاب المحافظين الجدد، الذي يروج لاستخدام القوة في السياسة الخارجية الأميركية قد ولى بعد فشل حرب العراق.

الغمري يكشف بعضا من تفاصيل المؤامرة الأميركية الإخوانية

لكن، وكما يكشف الغمري، اختفاء المحافظين الجدد لم يكن بسبب ما حدث في العراق، بل عكف هؤلاء طوال السنوات السبع الماضية على التخطيط لكوارث أخرى في المنطقة، حيث يقول إن أقطاب حركة المحافظين الجدد هم من وضعوا، في الأصل، خطط نقل فكرة التغيير في المجتمعات العربية إلى مجال التطبيق، وهم أيضا من أطلقوا مبادرة تجديد التنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين حين أعلن بول وولفريتز، الذي كان من أبرز الداعين إلى غزو العراق عندما كان مساعدا لدونالد رمسفلد، وهو الآن مستشار للمرشح الرئاسي جيب بوش، مشروعه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 للتقارب مع من أسماهم جماعات الإسلام السياسي “المعتدل”، ثم ترتيب انعقاد مؤتمر بروكسل عام 2005 برعاية جورج بوش، والذي حضره ممثلون لجماعة الإخوان، والمنظمات المرتبطة بها في أوروبا وأميركا، وقيادات من المخابرات المركزية الأميركية الجهة المنظمة للمؤتمر.

وسبق ذلك إشارة من كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية السابقة، عندما وقفت في مؤتمر بالجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2005 وأعلنت أن الولايات المتحدة لا تمانع وصول الإسلاميين إلى الحكم في مصر.

وعندما ألقى باراك أوباما خطابه في جامعة القاهرة عام 2009 أشار إلى أن الولايات المتحدة تحترم حق أصحاب الأصوات السلمية في الاستماع إليهم حتى لو كانت مختلفة معها، وعلق الصحفي الأميركي ديفيد إجناتيوس أن عبارات الرئيس الأميركي تمت صياغتها تحديدا للإشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين، خاصة وأنه طلب من الرئيس المصري وقتها، حسني مبارك، دعوة أعضاء من الإخوان لحضور خطابه.

تلاقي الإخوان والأميركان

كشفت وثائق سرية أميركية أن إدارة أوباما وضعت، في الفترة بين سبتمبر 2010 وفبراير 2011، دراسة شارك فيها مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، توثّق الاهتمام الكبير والأفضلية التي أعطتها السياسة الأميركية للإسلاميين السياسيين في الشرق الأوسط، وخصوصا للإخوان المسلمين في مصر. ودوافع التلاقي بين جماعة الإخوان والقوى الخارجية ومخابراتها، متعددة ومتشعبة، فقد جمعهم التمرس على التآمر والعمل السري، في محاولات مشتركة لإسقاط حكومات وطنية، والعداء للقومية العربية.

هنري كيسنجر: الشرق الأوسط الجديد ليس فكرة مطلقة أو تصريحا اعتباطيا

وكما يقول ويشير عاطف الغمري التقت مقاصد الجماعة الإخوانية، وجماعات أخرى، مع مرامي الاستراتيجية الأميركية حول قلب الأنظمة وتغيير هوية الدولة والخصائص القومية لشعوبها وهدم الدولة بمقوماتها القائمة والزحف نحو الأهداف بنشر الفوضى بوسائل منظمة وممنهجة، وهذا ما جرى في العراق وكان ينتظر أن يجري في مصر.

ويوضح الغمري أن الفوضى التي شهدتها مصر كان لها جناحان؛ أولهما الإخوان تساعدهم منظمات إرهابية متحالفة معهم أبرزها القاعدة وما تفرع عنها، فتحوا لها الأبواب للتوغل في سيناء وتسريب السلاح من ليبيا وغزة، والجناح الثاني أصحاب نظريات واستراتيجيات الفوضى في الولايات المتحدة والتي ذاعت تفصيلتها منذ فترة حكم جورج بوش الابن، وكانت السلوكيات الفوضوية من جانب الإخوان وأنصارهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بتجارب سابقة للقاعدة في أفغانستان والعراق، وأقنعتها أن الفوضى هي البيئة الأنسب للتواجد والتكاثر والنشاط، وأن الفوضى هي حاضنة الإرهاب وبداية الطريق لهدم الدولة. يخلص كتاب “اختطاف الثورة.. وثائق المؤامرة من 25 يناير إلى 30 يونيو” إلى أن ما كان يجري داخل المجتمع المصري بعد 25 يناير، وطوال ثلاث سنوات كان في حقيقته وجوهره صراعا على وجود الدولة بين أطراف متآمرة استهدفت هدمها وقوى وطنية تدافع عنها.

وكانت أمارات المؤامرة تنكشف تدريجيا أمام الشعب المصري الذي وعى حجم الخطر وأدوار المتآمرين عليه، فكان الخروج في 30 يونيو 2013 مضادا لقوى التآمر ولإحباط مخططها، بطريقة أفقدت الإدارة الأميركية توازنها وألقت بها في درك الارتباط وهو التعبير الذي استخدمه الكثير من الخبراء والمحللين الأميركيين؛ وربما يكون ذلك من أبرز أسباب عودة المحافظين الجدد وخطابهم المتشدّد ضمن حملة انتخابية سيكون فيها لأحداث الشرق الأوسط حيز هام من الاهتمام.

7