خيار الحل للمعضلة السورية

الخميس 2016/09/08

العيون كلها هذه الأيام تتجه إلى جنيف تترقب ما يمكن أن تفضي إليه المحادثات الأميركية- الـروسية التي تجـري خلـف أبواب مقفلة ما بين جون كيري وزير الخارجية الأميركي، ونظيره الروسي سيرجي لافروف.

أهمية هذه المحادثات تكمن في أن طرفي الصراع، المعارضة والنظام السوري الحاكم، قد استبعدا منها، ورمزية هذا الاستبعاد ربما تتيح للمراقبين أن يصلوا إلى شبه قناعة على أن لا أمل في حل خارجي طالما يقصي طرفي المعضلة.

حتى الآن لا أحد يستطيع الجزم بما يمكن أن يتوصل إليه الجانبان من تفاهمات، لأن التصريحات التي صدرت من قبل الجانبين، الأميركي والروسي، لم تكن تحمل إشارات أكيدة تقود إلى التكهن على أنهما قد اقتربا فعلا من حالة من الاتفاق حول صيغة ما.

فالغموض لا يزال سيد الموقف خارج قاعة الاجتماعات المغلقة، ولا نظن أن الجانبين سيفصحان عن شيء ما خلال الفترة القريبة، على الأقل حتى ينتهي الفيلم الأميركي الخاص بالانتخابات الرئاسية.

الأميركان من جانبهم في هذه المفاوضات ليس لديهم ما يدعوهم إلى الثقة بالروس، وعلى العكس من ذلك، فإن ما لدى وزارة الدفاع الأميركية من شكوك إزاءهم أكبر مما يجعلهم يثقون بوعودهم، فقد سبق للروس في أوقات متفرقة أن أعطوا ضمانات للأميركان بإيقاف القصف وإعلان هدنة مؤقتة للقتال، إلاّ أنهم لم يلتزموا بها ولم يحترموها، إضافة إلى أن طائراتهم الحربية كانت تدك مواقع فصائل تابعة للجيش الحر يساندهـا الأميركـان ويعدونها معتدلة بدلا من أن تقصف مواقع تابعة لتنظيم داعش الذي لم ينل من قصف الطائرات الروسية، وهذا ما يبعث شعورا بعدم الاطمئنان لدى الأميركان على أنهم جادون فعلا في تدميره، بل على العكس قدم الروس ما يكفي من العنف ما يؤكد أنهم عازمون على إلحاق أكبر قدر ممكن من التدمير في المدن السورية الخاضعة لسيطرة الفصائل الأخرى المعارضة للنظام، وحربهم على تنظيم داعش لم تكن تحمل الكثير من المصداقية إلاّ في إطار التصريحات فقط، بينما الواقع كان يقدم الكثير من الأدلة على أن القصف الروسي العنيف على مواقع المعارضة السورية يذهب بالنتيجة لصالح تمدد تنظيم داعش في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر والتي كانت تتعرض إلى القصف الروسي.

مقابل ذلك، فإن الروس يجدون شكوك الأميركان ناحيتهم ليست في محلها، وأن المشكلة تكمن في الأميركان أنفسهم وفي من يتحالفون معهم من الفصائل المسلحة ويعتبرونهم فصائل معتدلة، لأن جميع المسلحين المعارضين للنظام في نظر الروس مجرد إرهابيين، ولا فرق بينهم وبين تنظيم داعش أو جبهة النصرة.

على ذلك فإن كلا الطرفين اللذين يملكان مفاتيح الحل، الروس والأميركان، لا يثق أحدهما بالآخر، هذا إضافة إلى أن كل طرف منهما يسعى إلى إلحاق الهزيمة بالآخر سواء على الساحة السورية أو في غيرها أكثر مما يسعى إلى التفاهم من أجل الوصول إلى حل مشترك.

كان دخول الروس في ساحة الصراع إلى جانب نظام دمشق سعيا منهم إلى تحقيق أهداف استراتيجية تتعلق بتوسيع مجالهم الحيوي، وتوسيع قواعدهم العسكرية في سوريا، وتأمين وصول الغاز الروسي عبر السـواحل السورية المطلـة على البحر الأبيض المتوسط، ومحاولة استثمار المسألة السورية بأكبـر قدر ممكن مـن الابتزاز للضغط على الأميركان والدول الأوروبية لكسب نقاط في قضايا أخرى لا صلة مباشرة تربطها بالمسألة السورية، مثل الصراع في أوكرانيا.

أما مسألة الدفاع عن شرعية نظام بشار الأسد والادّعاء بالحفاظ على سلامة ووحدة الأراضي السورية ورفض خيارات التقسيم بكل أشكالها فهذه ليست سوى أساليب ديماغوجية اتبعتها القيادة الروسية، وكان الهـدف منهـا ممارسة لعبة التضليل والخـداع للتغطية على النوايا والأهداف الحقيقية التي تسعى إليها بعيدا عن الأرض السورية.

الصراع السياسي والعسكري بين القوى السورية الفاعلة وبين النظام وصل إلى مرحلة من التعقيد إلى الحد الذي وجدا نفسيهما أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الموت وإما البقـاء، لذا لا يمكن أن يتوقف بـإرادة خارجية مهما بلغت قوتها إلا إذا شعر كلا الطرفين بالإرهاق

هذا المدخل هو الذي يمكن لنا أن ننظر من خلاله إلى صمت الروس وموافقتهم على توغل الدبابات التركية داخل الأراضي السورية، حيث جاء متوافقا مع نفس المسار التضليلي الذي أشرنا إليه ليكون دليلا آخر يتبجح به الروس أمام العالم على أنهم مع أيّ تحرك عسكري سواء من قبل تركيا أو غيرها لمجرّد أنه يمنع تقسيم سوريا إلى دويلات.

السؤال هنا: هل الـروس ومعهـم الأميركان والإيرانيون حريصون فعلا على وحدة الأراضي السورية وعلى عدم تقسيمها؟

هناك الكثير من الدلائل التي أفرزتها الأحداث خلال الأيام القليلة الماضية؛ أولها ما جرى في داريا ومن ثم في مضايا، ما يشير إلى أن هذه الأطراف الثلاثة، ومعها المجتمـع الدولي ممثـلا بالأمم المتحـدة، تسعى جميعها إلى تفتيت الدولة وتقسيم الأرض السورية إلى كانتونات صغيرة على أسس عرقية وطائفية، وأن المحادثات التي تجري بين الأميركان والروس لا تخرج عن اتفاقهما على هذه النقطة المحورية حتى وإن اختلفا في نقـاط أخـرى.

بالتالي فإن ما يجري من أحاديث عن كيفية التفريق بين الجماعات المسلحة، وعن مرحلة انتقالية في سوريا تسبـق الانتخابات، وعن مجلس انتقالي يضم أطـرافا من المعـارضة إلى جـانب النظام، إلى غير ذلك من هذا الكلام الذي لا معنى له، ما هو إلا لعب في الوقت الضائع.

إن جميع هذه الأطراف المشار إليها تسعى إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق، واليوم نشاهد بخصوص هذا المسار أولى خطوات العزل الطائفي الجغرافي، رغم أنهم لم يصرحوا بأي حديث يشير إلى ما هم عازمون عليه، وكل ما يصدر عنهم يقتصر حول اتفاقات محلية تتعلق مثلا بإيصال مساعدات غذائية، أو فتح ممرات آمنة لخروج المدنيين المحاضرين، وغيرها من الاقتراحات.

لكن أن يتطرقوا إلى مسألة التقسيم فهذا ما لم يفصحوا عنه حتى الآن، فمازال الوقت مبكرا عليه طالما الطبخة لم تنضج بعد إلى الشكل الذي يصبح فيه السوريون والعرب أمام أمر واقع لا مجال لتفاديه.

ومع ذلـك ينبغي الإقـرار بحقيقة مُلخَّصها؛ أنه في معظم النزاعات كانت دائما للأطراف المحلية المعنية بالصراع، القدرة بما يكفي على عرقلة ووقف أيّ اتفاقات قد يتم إبرامها بين أطراف خارجية في حال إقصائها.

بين السوريين هناك العديد من القوى الفاعلة على الأرض لا تجد حاليا أن هنالك ما يكفي من المعطيات لإنهاء الصراع على المدى المنظور، وأن الحل ليس بيد واشنطن ولا موسكو ولا طهران، حتى في ما إذا اتفقت على ذلك.

فالصراع السياسي والعسكري بين القوى السورية الفاعلة وبين النظام وصل إلى مرحلة من التعقيد إلى الحد الذي وجدا نفسيهما أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الموت وإما البقـاء، لذا لا يمكن أن يتوقف بـإرادة خارجية مهما بلغت قوتها إلّا إذا شعر كلا الطرفين بالإرهاق، وحتى الآن لا يوجد ما يشير إلى أن أحدهما يشعر بالإرهاق.

معظم تجارب التاريخ تقدم لنا ما يكفي من الأدلة على أن أي نزاع عسكري، على شاكلة ما نشهده في سوريا، علينا أن ننتظر منه مدة لا تقل عن عشرة أعوام قبل أن يشعر المتحاربون في ما بينهم بأن الوقت قد حان لوقف الاقتتال.

اليوم وبعد مضي خمسة أعوام نجد أنفسنا مازلنا في منتصف الطريق، أي أن الوقت لا يزال مبكرا للحديث عن الشعور بالإرهاق، ولكـن ما يستحق أن نشير إليه أن هذا الوضع إذا استمر مثلما بدأ في مدينة داريا من عملية تطهير عرقي بنفس الصـورة التي نراها من قبل الإسرائيليين ضد الفلسطينيين وبتواطؤ أممي لا يقبل الشك (يذكر أن سكان داريا قبل الأحداث كان عددهم 250 ألف نسمة، في حين أن عددهم اليوم لا يتجاوز 8 آلاف نسمة) عندئذ سيصبح من المستحيل عودة الأمور إلى طبيعتها الأولى، وسندخل مرحلة أخرى من الصراع أشد ضراوة وقسوة، وسنجد فيها كل طرف يسعى بكل ما لديه من قوة وأساليب إلى أن يفرض إرادته على الآخر مهما كان الثمن فادحا.

أخيرا لا بد من تدبر حل لهذه الحرب، خاصة وأن جميع المراقبين لها كادوا يجمعـون على أن وفد النظـام في أي جولة من جـولات المفاوضـات المقبلـة التي من الممكن أن تجري بينه وبين القوى التي تعارضه، لا يمكن أن يصل إلى لحظة يتملك فيها ما يكفي من الحكمة والشجـاعة ليقول ما كـان ينبغي عليـه أن يقـوله منذ وقـت مبكر: حسنا سأتنازل عن السلطة حقنا للدماء.

والسؤال الأهم الذي يمكن أن يطرح في هذا السياق:

بعد كل هـذا السجل الإجرامي الذي ارتكبه النظام بحق السوريين لمجرد أنهم خرجوا بشكل سلمي يطالبون بالتغيير السياسي، ابتدأ بالحصار والتجويع، مرورا بهذا العدد الكبير من الضحايا المدنيين الذين قتلوا بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، إضافة إلى الدمار الشامل الذي لحق ببلدهم بعد كل هذا، هل يمكن أن يقبل السوريون من أنفسهم أن يقولوا لرئيس النظام: حسنا، أيها الرئيس، نقبل أن نعيدك إلى السلطة مرة أخرى؟

إذا كانت هنـالك إرادة دولية حقيقية لوقف هذه الحرب، فإنه ينبغي أولا أن تضع القوى الدولية في أولوياتها إزالة رئيس النظام السوري، وإلّا فإن سوريا ستـذهب إلى نهاية الشوط الأخير من هذه اللعبة المميتة، قتالا ودمارا.

كاتب عراقي

9